واشنطن تبدأ مسار التفاوض بين إسرائيل ولبنان
دخل اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان حيز التنفيذ، مساء الخميس 16 من نيسان، ومن المقرر أن يمتد إلى 10 أيام حسبما أعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب.
ولاقى إعلان الرئيس الأمريكي، ترحيبًا عربيًا ودوليًا، وسط تأكيد على ضرورة البناء عليه للوصول إلى “سلام دائم”، و”دعم سيادة لبنان واستقراره”.
ونشرت وزارة الخارجية الأمريكية نص اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت بين لبنان وإسرائيل، والذي يمهد لمفاوضات قد تسفر عن “اتفاق سلام دائم”.
وقالت الخارجية إنه بوساطة أمريكية توصل لبنان وإسرائيل إلى تفاهم يعمل بموجبه كلا البلدين على تهيئة ظروف مؤاتية لإحلال سلام دائم بين الدولتين، والاعتراف الكامل بسيادة كل منهما وسلامتها الإقليمية، وإرساء أمن حقيقي على طول حدودهما المشتركة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على ما وصفه بـ”حق إسرائيل الأصيل في الدفاع عن النفس”.
ويقر كلا البلدين، وفق البيان، بالتحديات الجسيمة التي تواجهها الدولة اللبنانية جراء “المجموعات المسلحة غير التابعة للدولة”، والتي تقوض سيادة لبنان وتهدد الاستقرار الإقليمي.
كما يدرك كلا البلدين ضرورة كبح جماح أنشطة تلك المجموعات، بحيث تكون القوات الوحيدة المخولة بحمل السلاح في لبنان هي القوات المسلحة اللبنانية، وقوى الأمن الداخلي، والمديرية العامة للأمن العام، والمديرية العامة لأمن الدولة، والجمارك اللبنانية، والشرطة البلدية (المشار إليها بـ”قوى الأمن اللبنانية”).
ويؤكد كل من إسرائيل ولبنان أن الدولتين ليستا في حالة حرب، ويلتزمان بالانخراط في مفاوضات مباشرة بحسن نية، بتيسير من الولايات المتحدة، بهدف التوصل إلى اتفاق شامل يضمن الأمن والاستقرار والسلام الدائمين بين البلدين.

وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو يجتمع مع السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة يحيئيل ليتر ونظيرته اللبنانية ندى حمادة معوض في وزارة الخارجية بواشنطن – 14 نيسان 2026 (رويترز)
لبنان يرحّب
وعقب صدور إعلان ترامب، رحّب رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام به، مشيرًا إلى أنه “مطلب لبناني محوري”.
وقال سلام، عبر حسابه في منصة “إكس“، إن حكومته سعت إلى وقف إطلاق النار، منذ اليوم الأول للحرب، لافتًا إلى أن ذلك “كان هدفنا الأول في لقاء واشنطن”، الذي شهد مفاوضات تمهيدية بين لبنان وإسرائيل الثلاثاء الماضي.
وهنّأ سلام اللبنانيين بهذا “الإنجاز”، وفق تعبيره، شاكرًا الجهود الإقليمية والدولية التي بُذلت للوصول إلى الهدنة، وخصص شكره لكل من الولايات المتحدة وفرنسا ودول الاتحاد الأوروبي وكل الأشقاء العرب، وفي طليعتهم السعودية ومصر وقطر والأردن.
إسرائيل غاضبة
في الأثناء، نقلت قناة “آي نيوز 24” عن مسؤول إسرائيلي قوله إن القوات الإسرائيلية ستبقى في مواقعها في جنوب لبنان خلال وقف إطلاق النار الذي أعلنه الرئيس ترامب لمدة 10 أيام، كما أكدت وكالة “رويترز” عن مسؤول إسرائيلي أن الجيش “لا يخطط لسحب قواته من جنوب لبنان خلال الهدنة”.
في حين قالت صحيفة “جيروزاليم بوست” الإسرائيلية إن الوزراء الإسرائيليين عبّروا عن غضبهم من إعلان ترامب وقف إطلاق النار، في أثناء انعقاد اجتماع المجلس الوزاري الأمني المصغر (الكابينت)، لمناقشة الوضع في لبنان.
وكشفت صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية، أن موافقة نتنياهو على وقف إطلاق النار في لبنان تمت دون تصويت المجلس الوزاري المصغر عليها.
وعصر أمس الخميس، ذكرت صحيفة “هآرتس” أن الجيش الإسرائيلي يستعد لوقف إطلاق النار في لبنان، مشيرة إلى أن تعليمات صدرت للقوات بالاستعداد لدخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ بين الساعة السابعة مساء، ومنتصف الليل، الخميس.
في حين قالت القيادة الشمالية في الجيش الإسرائيلي إنها لم تتلقَّ أمرًا رسميًا بعد بوقف إطلاق النار في لبنان، مضيفة “نواصل القتال بكامل قوتنا”.
ما موقف “حزب الله”؟
شدّد مصدر قيادي في “حزب الله” لقناة “الجزيرة” القطرية على وجوب أن تتضمن الهدنة المعلنة وقفًا لـ”الأعمال العدائية” على كامل الأراضي اللبنانية، معتبرًا أن وقف إطلاق النار لا يمكن أن يتضمن “أي حرية حركة للعدو تعود بنا إلى ما قبل 2 آذار”.
وأكّد المصدر أن استمرار وجود القوات الإسرائيلية، يمنح لبنان وشعبه “حق المقاومة بكل الوسائل لدفع العدو للانسحاب”.
من جهته، أكد عضو البرلمان اللبناني عن “حزب الله”، علي فياض، أن الاتفاق حصيلة ضغوط إيرانية وجهود باكستانية وتعاون سعودي.
وحذّر فياض من أن استمرار استهداف مواقع في جنوب لبنان وعمليات الاغتيال سيشكل خرقًا للاتفاق، موضحًا أن الحزب سيتعاطى مع وقف إطلاق النار بـ”حذر وترقب”، وأنه يرفض المفاوضات الثنائية مع إسرائيل، داعيًا الحكومة اللبنانية إلى العودة للمفاوضات غير المباشرة.
وقال إن المرحلة المقبلة شائكة ومليئة بالألغام والتحديات، وإن مهلة الـ10 أيام لن تكون كافية، معتبرًا أن الحكومة اللبنانية “غير قادرة على تلبية المطالب المعقدة لإسرائيل”.
وطالب النائب اللبناني بانسحاب إسرائيل ووقف الأعمال العدائية وعودة النازحين، مشددًا على ضرورة أن تفضي الهدنة إلى تحقيق المطالب اللبنانية.
وقال فياض “جاهزون للتفاهم مع الحكومة لمعالجة نقاط عالقة بينها السلاح”، مضيفًا أن “أسوأ سيناريو للبنانيين هو الوصول إلى اقتتال داخلي”.
خطوة الاتفاق “مشكوك فيها”
الدبلوماسي الأمريكي السابق السفير نبيل خوري، وصف إعلان الرئيس الأمريكي عن هدنة مدتها 10 أيام بين لبنان وإسرائيل بأنها “خطوة مشكوك فيها” و”مسرحية عبثية”، مؤكدًا أن كلمة الفصل تظل بيد إسرائيل التي تواجه ضغوطًا داخلية لاستمرار الحرب.
وأوضح خوري، أن إعلان ترامب لا يعكس الواقع الميداني، إذ إن “خطوط التماس مشتبكة وغير ثابتة”، مما يجعل الوصول إلى وقف إطلاق نار حقيقي أمرًا بالغ الصعوبة.
وأشار إلى أن رضوخ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المحتمل لإرادة ترمب بمنحه مهلة قصيرة لا يعني توقف الحرب فعليًا، بل هو محاولة من ترمب للادعاء بتحقيق إنجاز لم يتحقق بعد.
ودعا ترامب كلًا من الرئيس اللبناني جوزيف عون، ونتنياهو، للحضور إلى البيت الأبيض لإجراء “أولى المحادثات الجادة بين إسرائيل ولبنان منذ عام 1983”.
وحول تصريحات نتنياهو بشأن البقاء في “قطاع أمني” بعرض 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، شدد خوري على أن هذه الخطة كانت مُعدّة مسبقًا، معتبرًا أن تدمير المنازل في الجنوب اللبناني يمثل عملية “تهويد للأرض” تهدف لجعل نهر الليطاني حدودًا بين لبنان وإسرائيل، وهو ما يتعارض كليًا مع السيادة اللبنانية.
ومساء الخميس، قال نتنياهو، في كلمة متلفزة، إن “فرصة تاريخية قد نضجت للتوصل إلى اتفاق سلام مع لبنان”، مستندًا إلى ما وصفه بتغيير جذري في ميزان القوى الإقليمي.
كما أعلن رفضه للانسحاب، مؤكدًا بقاء الجيش الإسرائيلي في حزام أمني يمتد من البحر إلى جبل الشيخ وسوريا بعمق 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، مشددًا على أن هذا الوجود دائم لـ”حماية مستوطنات الشمال ومنع إطلاق الصواريخ”.
تجاهل دروس التاريخ
وانتقد خوري المقاربات الدبلوماسية للإدارة الأمريكية، مشيرًا إلى جهل ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو بتاريخ النزاع.
واعتبر أن استحضار تجربة عام 1983 و”اتفاق 17 أيار” هو “فخر بتاريخ مشين”، مؤكدًا أن إسرائيل آنذاك فرضت رئيسًا واتفاقية تطبيع، لكنه غرق في وحل الجنوب لـ18 عامًا، بحسب ذكره.
وقال خوري: “إذا كان ترامب وروبيو لا يستعينان بالخبراء ويعتقدان أنهما يعيدان لبنان إلى سنة 1983 لإقامة سلام مع نصف لبنان واستمرار الحرب مع النصف الآخر، فهذه غطرسة ومهزلة وليست دبلوماسية”.
وبعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان في عام 1982، أجرى الطرفان مفاوضات أفضت إلى اتفاق يوم 17 من أيار 1983، نص على وقف الحرب وإقامة لجنة اتصال.
وأقر مجلس النواب اللبناني هذا الاتفاق، لكن السلطة التنفيذية ألغته عام 1984، لأنه كان مرفوضًا من فئات سياسية لبنانية.
معضلة لبنانية
وبشأن احتمالية لقاء الرئيس اللبناني جوزيف عون بنتنياهو في البيت الأبيض، استبعد خوري حدوث ذلك في المدى القريب، لكون الانسحاب الإسرائيلي شرطًا لبنانيًا أساسيًا لن يتحقق بالسرعة المطلوبة.
وأوضح أن لبنان يواجه “معضلة داخلية” تتمثل في غياب الإجماع على استراتيجية موحدة للدفاع، إذ أن من يحارب حاليًا هو “حزب الله” وليس الدولة، مما يجعل أي مفاوضات تجريها سلطة لا تمثل كافة الأطراف “عبثية”.
تنسيق سوري- لبناني
في الوقت الذي بدأ فيه وقف إطلاق النار في لبنان، التقى رئيس هيئة الأركان العامة السورية اللواء علي النعسان وعدد من الضباط، الخميس، وفدًا من الجيش اللبناني على رأسه مسؤول الارتباط العميد ميشيل بطرس، بحسب ما نقلته الوكالة السورية الرسمية للأنباء (سانا).
وجرى خلال اللقاء الذي سادَه “التفاهم والتعاون”، وفق الوكالة، مناقشة العديد من المواضيع، منها ملف الحدود السورية اللبنانية والتهريب، والتنسيق على جميع الأصعدة.
كما رحبت سوريا بإعلان وقف إطلاق النار في لبنان، معتبرة أن هذه الخطوة تمثل تطورًا مهمًا لمنع المزيد من التوتر في المنطقة.
وأشارت وزارة الخارجية والمغتربين السورية، في بيان اليوم، الجمعة 17 من نيسان، إلى أن سوريا كانت ولا تزال تدعم كل الجهود الرامية إلى الحفاظ على وحدة لبنان وسيادته وسلامة أراضيه، وإلى حماية أمن شعبه الشقيق.
وأضافت “الخارجية” أن سوريا تعرب عن تقديرها للجهود الإقليمية والدولية التي أسهمت في التوصل إلى هذا الاتفاق، وتؤكد استعدادها الدائم للمساعدة في كل ما من شأنه تعزيز الاستقرار والسلام في لبنان والمنطقة العربية.




