لم يذكر نتنياهو في خطابه وعده للإسرائيليين في بداية الحرب بتغيير النظام، ولا بمنع إيران من امتلاك يورانيوم مخصب يمكنها من تطوير أسلحة غير تقليدية ولا عن منع إيران من تطوير صواريخ باليستية وبعيدة المدى تصل إسرائيل، وحتى لم يذكر وعده بالإطاحة نهائيا بـ"حزب الله" وقوته العسكرية. لم يذكر ذلك لأن الحرب لم تنتج ذلك، وكسياسي ذكي فهم أن خطابات الرئيس الأميركي بشأن الحرب، وهي متضاربة جدا ولا تفيد بموقف واضح وقطعي من استمرار الحرب أو إنهائها، قد توصل إلى تفاهمات تفضي إلى ضبط وتيرة الحرب أو حتى إلى إيقافها، وهو معني بالحفاظ على صورة التنسيق الكامل مع الإدارة الأميركية ورئيسها، دونالد ترمب، بشكل خاص. في المقابل ذكر عدة انتصارات حققها بحروبه الأخيرة: الشراكة الكاملة مع الولايات المتحدة، مساهمة في إعادة الاهتمام بإيران وتطلعاتها كخطر على أمن المنطقة والعالم، إزالة التهديد النووي وتحديد القدرات الصاروخية لإيران، تحجيم وكلاء إيران في المنطقة العربية، توسيع المناطق العازلة بين إسرائيل وجوارها العربي في غزة ولبنان وسوريا، إثبات قدرات إسرائيل في الدفاع والهجوم وفتح أسواق جديدة للصناعات العسكرية، وعمليا تحويل إسرائيل إلى قوة عظمى على مستوى المنطقة، وربما العالم، كما قال.
عمليا خفض نتنياهو في خطابه المذكور من سقف وعوده للإسرائيليين، وربما من وعوده للرئيس الأميركي، وعاد ليتحدث عن "انتصارات" هي أقل بكثير مما وعد، وخصوصا أن إيران و"حزب الله" بقيا يطلقان عشرات الصواريخ والطائرات المسيرة يوميا ويستهدفان العمق الإسرائيلي، ما سبّب موجة جديدة ومتصاعدة من الاحتجاج على الحرب وعلى الإخفاق المتواصل في منع استهداف العمق الإسرائيلي، كما وعد نتنياهو في الأسبوع الثاني من بدء الهجوم الحالي على إيران، إضافة إلى ذلك الوضع الاقتصادي المتفاقم بسبب متطلبات الحرب، العسكرية والمدنية، وانعدام الأمن في شوارع إسرائيل.

فهم نتنياهو أن مآلات الحرب لم تكن كما توقع أو وعد الإسرائيليين به. ولذلك فإن رسم تصور جديد أو مجدد لشكل النصر هو ما سوف يعطيه تبريرا لاستمرار التنسيق مع الموقف الأميركي بعد التوصل إلى وقف لإطلاق النار، وهو كذلك ما سيعطيه أدوات دعائية في سياق المعركة الانتخابية، التي شكل خطابه الأخير- عشية عيد الفصح اليهودي- نقطة الصفر في بدئها.
جوهريا شكلت حسابات نتنياهو الشخصية جزءا مهماً في حروب إسرائيل الأخيرة، وجوهرها إعادة انتخابه في الانتخابات القادمة والإفلات المستمر من تحمل عقوبات التهم الموجهة إليه بالفساد وسوء الإدارة. في هذه الجزئية تصور نتنياهو ومستشاروه أن الانتقام من الفلسطينيين في غزة وحرب الإبادة، واستمرار السيطرة المتمددة في الضفة الغربية، والانتصار على إيران وحلفائها، سوف تشكل رافعة لإزالة الآثار السياسية لما يسمى إسرائيليا "إخفاق السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023"، والذي دلل على أن نتنياهو في طريقه للخروج من الحلبة السياسية وسوف يلاقي مصيره في السجن.
وبعد حرب الإبادة في غزة "والإنجازات" هناك، كما في الضفة الغربية، لم يتلق نتنياهو مردودا شعبيا ملائما وبقيت الاستطلاعات تشكك في حظوظه للعودة إلى رئاسة الوزراء. وبهذا فإنه تصور أن حربا على إيران، وشراكة أمتن مع الولايات المتحدة، بما في ذلك إنجاز تغيير للنظام الإيراني والقضاء على القدرات العسكرية لإيران، أو على الأقل تسويق ذلك، قد يعطيه زخما شعبيا، يليق "بإنجازاته" ويمكنه من حصد مقاعد إضافية في استطلاعات الرأي العام في إسرائيل. لكن حساباته لم تجد دليلا حتى الآن، وبذلك فإنه أجرى جردا أخيرا لنجاحاته في خطاب ألقاه يوم 31 مارس/آذار، ليكون الوقود الأساسي لحملته الانتخابية.
هنالك ثلاثة عوائق أساسية تقف في طريق نتنياهو لحصد نجاحات في المعركة على الأصوات في إسرائيل. الأول، الرئيس الأميركي، وهو شريك نتنياهو لكنه متقلب ونرجسي وغير مضمون، وقد يتحول ضد نتنياهو إذا فهم أن فرص نتنياهو هي قليله للفوز في الانتخابات، وبذلك سيخسره عدة مقاعد. الثاني، هو بنيوي في السياسة الإسرائيلية، وأعني أن الجمهور في إسرائيل منقسم، مع نتنياهو أو ضده، وحالة الانقسام عميقة وتدور أساسا حول شخص نتنياهو وحول مشروع الانقلاب القضائي، وبذلك فإن أسباب الانقسام قائمة بإنجاز عسكري أو بغيره، والتمترس السياسي قوي بحيث يقلل من إمكانيات الحراك السياسي لصالح نتنياهو.












