هذا هو نقد ميشيل فوكو الذي يرى أن المؤسسات السياسية والاجتماعية هي التي تحدد غالبا من يستحق الاعتراف ومن لا يستحقه، وبذلك قد يصبح الاعتراف وسيلة لضبط الأفراد وإدخالهم في أنماط سلوك محددة بدلا من أن يكون وسيلة للتحرر. وهناك أيضا من يرى أن التركيز على الاعتراف قد يقود إلى سياسات الهوية، حيث تطالب كل جماعة باعتراف خاص بهويتها الثقافية أو الدينية أو العرقية، مما قد يؤدي إلى تفتيت الدول والمجتمعات إلى جماعات متنافسة.
أما القول إن الاعتراف قد يتحول إلى أداة سلطة فهو يصف واقعا تاريخيا لا ينفي القيمة المعيارية للفكرة. الاعتراف الذي تتحدث عنه النظرية ليس اعترافا مفروضا من مؤسسة، بل اعتراف متبادل بين أشخاص أحرار. ويمكن لهذه الفكرة أن تصبح معيارا نقديا لكشف أشكال الهيمنة بدلا من تبريرها.
وفي ما يتعلق بسياسات الهوية يمكن القول إن الاعتراف لا يعني الانقسام، بل إقامة علاقة احترام متبادل داخل إطار اجتماعي مشترك. الاعتراف الحقيقي لا يعمق الانغلاق بل يسمح باندماج أكبر بين الأفراد والجماعات.
ومع ذلك فإن هذه الانتقادات لا تلغي الفكرة الأساسية في نظرية الاعتراف. فالعلاقات الاجتماعية لا يمكن فهمها من زاوية المصالح المادية وحدها. الإنسان لا يعيش داخل المجتمع بوصفه كائنا اقتصاديا فقط، بل بوصفه شخصا يبحث أيضا عن الاحترام والمكانة. ولهذا فإن مفهوم الاعتراف لا يناقض أهمية الحرية الاقتصادية أو تكافؤ الفرص، بل يلفت الانتباه إلى بعد آخر في الحياة الاجتماعية، وهو حاجة الأفراد إلى أن ينظر إليهم بوصفهم أشخاصا ذوي كرامة وقيمة داخل المجتمع. ولهذا يمكن فهم الاعتراف بوصفه مكملا لمبادئ الحرية وتكافؤ الفرص، لأنه يذكر بأن المجتمع الحر لا يكتفي بضمان الحقوق، بل يقوم أيضا على احترام كرامة الإنسان ومكانته.
يبقى السؤال الأهم اليوم هو ما إذا كانت هذه النظرية قادرة على المساهمة في إنهاء حالة الاحتراب التي يشهدها العالم. في الواقع تكشف تجارب كثيرة أن جزءا مهماً من الصراعات ينشأ من الشعور بالإهانة الجماعية أو التهميش التاريخي. أظن أن الحرب العالمية الثانية تبدو مثالا جيدا لهذه الفكرة. عندما تشعر جماعة ما أن كرامتها أو هويتها مهددة يتحول الصراع إلى معركة من أجل الاعتراف قبل أن يكون صراعا على المصالح. في مثل هذه الحالات يصبح الاعتراف المتبادل خطوة ضرورية لتهدئة النزاع.



