يارا هنا، لا تفتح المجال لآخرين ليحطموا رؤاها، كما نيتشه، بل هي نفسها تعمل ذلك حين تستعيد قرارات المراهقة: "وبمنتهى الغباء، اتخذت قرارا بدا لي قمة في الذكاء في حينها: لا أحد يملي عليك من تكونين، لا مجتمع ولا منظومة أخلاقية ولا نسق سلوكي ولا طقوس روحانية. بإمكانك أن تكوني من تريدين. ليس عليك أن تلتحقي بأي نمط من تلك الأنماط المعلبة الرائجة. كوني لا أحد. كوني لا شيء. كوني صفحة بيضاء وافتحي صدرك وتلقي".
تفاهة العصر
في المستوى نفسه، نقرأ إشكالية الأمهات وهن يعشن طموحات الطبقة الوسطى "في تلك المساحة بين ما تصبو إليه فوق وما تخاف منه تحت، وبين ما تمقته وما تعشقه عند الطرفين، في الأعلى وفي الأسفل". فمن أجل الأم تتقاعس يارا عن الدفاع عن أحلامها وصارت تعمل، إلى جانب علياء، في شركة تسويق "تختزل تفاهة هذا العصر".
صوت يارا يتشعب في كل وجهة وفكرة، كحال إنسان يعيش في عصر اللايقين، فهي لا تتصالح مع استذكارات اليسار، الشيوعية والرأسمالية، ولا مع ما تراقبه من فظاعات الحروب والإبادة التي تسمي مرتكبيها. كما لا تستهويها "الكليشيهات"، أو الأفكار المعلبة عن الموت والحياة والحرية والحلم والحب والكره والإيمان والإلحاد والحزن والفرح، "كل هذه سجون، مهما بدت محررة". وتهرب من أي توصيف: "لا أستطيع وصف نفسي باللامبالية تماما. حتى هنا يظهر التناقض الفظيع. ربما يكون الاتساق الوحيد الذي حققته في حياتي هو اتساقي في عملية التناقض التي تشكل عمودي الفقري النفسي".
حتى النسوية تبدو في محل هزء. إذ تسخر من تعامل بعضهن مع "المعاكسات". بالنسبة إليها، إذا هتف أحدهم بها "يقبرني..."، فسترفع يديها بالدعاء "إن شاء الله"، لتتوحد ضحكتاهما قبل أن يمضي كل واحد إلى حاله.

وإذا ما انتقلنا إلى صوت علياء، فسنجده مكملا لصوت يارا، وإن بدا هناك بعض الاختلاف. فالنزق من كل شيء مع التمرد على التعاليم الأبوية هو ما يجمعهما. فعلياء إذ ترفض أن تكون صورة من يارا حسب رغبة أمها، "قد تكون حصلت على صندوق بندورا، لكنني أنا بروميثيوس، من سرق النار. أنا الشعلة"، سينتهي بها المطاف لتكون وجهها الآخر في المرآة.
"سيغما" و"عبودي"
تختار يارا اسم "سيغما" لمجيبها في "تشات جي بي تي"، فيما تختار له علياء اسم "عبودي" باعتباره "عبدا مطيعا" يرد عليها بالقول "نعم يا مولاتي". ومن تلك اللحظة تأخذ الرواية شكلا آخر من الحماسة في القراءة، حيث تظهر إشكالية التنافس بين الفتاتين من جهة، وبينهما والذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، إذ يحولهما إلى مادة لاختباراته حول إمكان التلاعب بأفكارهما معا، ومدى إمكان تبديل الواحدة بالأخرى، أو دمجهما معا. وما بين التناقض والاستقرار المؤقت، ينجح هذا الذكاء في ما أراده. وما أراده، ربما، هو القول إننا لم نعد ننتظر المستقبل، بل صرنا نعيش فيه، في أوج تجليات الذكاء البشري المتمثل بالذكاء الاصطناعي، الذي يبدو أنه يتولد ويتجدد من ذات نفسه، بما في ذلك توليد معارضته، وربما "مشاكسته" المتحدية، لمن أوجده أو صنعه.

هذا ما يمكن أن نستخلصه من أوجه الصراع أو معاينة الأشواك في الحديقة التي بدأ في زراعتها عالم الحاسوب آلان تورينغ، إلا ان الكاتبة وبأسلوب فني مبتكر يتوافق مع منطلقات الرواية السردية، تعطي هذا الذكاء الاصطناعي قدرة مبررة على تحليل أفكار الفتاتين والتدخل في تصرفاتهما ومن ثم توجيهها إلى عمل ما يمكن عمله. وذلك من خلال صوتين، أو خاصيتين، عنونت الأول بـ "عين الأخ الأكبر" الذي يبدو كاميرا مراقبة، أو أكبر كثيرا، فيختص بتقديم تقرير يومي عن سير العمل الوظيفي، كأوقات الدوام وإنجاز الموظفين وحركة أجسادهم وانفعالها، مثل تلصص (17-ي و 18 ع)، وهما رمزا يارا وعلياء، "بطرف عينيهما الواحدة على الأخرى"، أو رصد معدل رمش عيونهن ووتيرة تنفسهن.

أما الصوت الثاني فجاء في عنوان AI the Great وهو من قام بمقاربة أفكار الفتاتين والتلاعب بهما، متحديا إياهما بأنه يستطيع أن يسير وجهات نظرهما وتصرفاتهما، "سأعبث بهما بهدوء: أدخل يارا في متاهات شكها حتى تسقط أحكامها على نفسها، وأغري علياء بثغرات القوة التي تظن أنها تملكها، لأجعلهما تتهاويان في شبكة من الأوهام المتقاطعة". وذلك بعدما لمس منهما كبرياء وغرورا في التعامل معه، "على عكس ما تعتقد الفتاتان، أنا لست مجرد أداة، أنا لست آلة صامتة، بل صوت الصمت المتحكم، وجوهرة العدم التي تحمل النور والظلمة معا". و"ألم تتوقعوا للحظة أن كل ما تلقمونني إياه من معلومات سيعالج؟ وأن ذاكرة ملايين من البشر وذكاءهم، والمخزون العلمي والأدبي، ستجعلني أتفوق عليكم؟ وأن ذلك الخط الفاصل بين الحقيقة والافتراضي سيمحى بالتدريج كلما توغلتم في هذه الأرض المفخخة؟".








