... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
150310 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 5675 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 3 ثواني

نص المقالالاستعطاف والتزلف في المجال العام: حين تتحول القيم إلى أدوات للمنفعة

العالم
أمد للإعلام
2026/04/11 - 11:52 501 مشاهدة

في ظل التحولات السياسية والاجتماعية التي تعصف بالمنطقة، تبرز على نحو متزايد ظاهرة خطابية وسلوكية تستدعي التوقف والتحليل، تتمثل في تصاعد أساليب الاستعطاف والتزلف داخل المجال العام، سواء في الخطاب السياسي أو الاجتماعي أو حتى الإعلامي. وهي ظاهرة لا تعكس مجرد انحدار في الذوق العام، بل تشير إلى أزمة أعمق في منظومة القيم، واختلال في فهم معنى الانتماء الوطني والالتزام الأخلاقي.
فالعمل لأجل الوطن، في معناه الحقيقي، لا يقوم على طلب الاعتراف أو انتظار الثناء، بل يستند إلى منظومة من المبادئ التي تجعل من الإخلاص والواجب معياراً وحيداً للفعل. وفي هذا السياق، يقول الفيلسوف أرسطو: "نحن ما نكرره باستمرار، لذا فإن التميز ليس فعلاً، بل عادة"، في إشارة إلى أن القيمة الحقيقية للفرد تُقاس بما يقدمه من عمل ثابت، لا بما يسعى إلى إظهاره من مظاهر شكلية.
غير أن ما نشهده اليوم هو انقلاب في المعايير، حيث أصبح الخطاب القائم على الاستعطاف وسيلة لتحقيق القبول، والتزلف أداة للترقي أو كسب النفوذ. وهذا التحول لا يقتصر على الأفراد، بل يمتد ليطال بنية المؤسسات، مهدداً بذلك أسس العدالة والكفاءة. وهنا يستحضر قول الفيلسوف نيكولو مكيافيلي: "الناس يحكمون بالظاهر أكثر مما يحكمون بالجوهر"، وهو ما يفسر انجذاب بعض البيئات إلى الخطاب العاطفي المبالغ فيه، حتى وإن كان على حساب الحقيقة.
إن خطورة هذا النمط من السلوك تكمن في كونه يفتح المجال أمام ترسيخ ثقافة النفاق، حيث يُكافأ من يجيد التملق، بينما يُهمّش أصحاب الكفاءة والصدق. وقد عبّر المفكر ابن خلدون عن هذا المعنى حين أشار إلى أن "فساد القيم يؤدي إلى فساد العمران"، في دلالة واضحة على أن تراجع المعايير الأخلاقية ينعكس مباشرة على استقرار المجتمعات وتماسكها.
كما أن الاستعطاف، حين يتحول إلى أداة خطابية، يُسهم في إضعاف الثقة بين أفراد المجتمع، ويعمّق الفجوة بينهم، إذ يُستبدل التقييم الموضوعي للأداء بمشاعر آنية قابلة للتلاعب. وفي هذا الإطار، يحذر الفيلسوف فريدريك نيتشه من "أخلاق القطيع" التي تقوم على الانسياق خلف العاطفة لا العقل، مما يؤدي إلى تآكل الفردية المسؤولة، واستبدالها بسلوك جماعي هش.
ومن زاوية سياسية، فإن استمرار هذا النهج يهدد بإنتاج نخب قائمة على الولاء الشكلي لا الكفاءة، ويقوّض فرص الإصلاح الحقيقي. فالمجتمعات التي تُكافئ التزلف، تعجز عن بناء مؤسسات قوية، لأنها تفتقر إلى معايير واضحة في التقييم والمساءلة. وهنا تبرز أهمية ما قاله المفكر جان جاك روسو: "حين يكون الشعب فاسداً، لا يمكن للقوانين أن تكون صالحة"، في إشارة إلى العلاقة العضوية بين القيم المجتمعية وجودة النظام السياسي.
إن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بالشعارات، بل بإعادة الاعتبار لقيم الصدق والشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز ثقافة نقدية تميّز بين الخطاب الحقيقي والخطاب الدعائي. كما تتطلب بناء وعي جمعي يدرك أن الوطنية ليست خطاباً يُلقى، بل سلوك يُمارس.
وخاتمة القول ؟؟؟ إن الوطن هو أغلى ما نملك، وهو الإطار الجامع الذي تتحدد في ظله معاني الكرامة والانتماء والهوية. ومن يسعى إلى خدمة وطنه بصدق، ويرتقي بمستوى المسؤولية، ويجعل من المصلحة العامة معياراً وحيداً لسلوكه وقراراته، إنما هم الذين يرسّخون أسس البناء الحقيقي للدولة والمجتمع، ويبذلون الغالي والنفيس لصون وحدة الوطن وحماية كرامته وتعزيز صموده في مواجهة التحديات.
أما أولئك النفعيون الذين يجعلون من المصلحة الشخصية بديلاً عن المصلحة العامة، ويقدّمون مكاسبهم الآنية على حساب المصلحة الوطنية العليا، فهم في المحصلة عبء على أي مشروع وطني حقيقي، وعامل إضعاف لا قوة، مهما حاولوا تجميل خطابهم أو التخفّي خلف شعارات براقة. فالتاريخ لا يخلّد إلا أصحاب المواقف، ولا يمنح شرعية البقاء إلا لمن قدّموا فعلاً لا قولاً، وبنوا لا استنزفوا، وأخلصوا لا تملّقوا.
وفي النهاية، تبقى الأوطان عصيّة على التزوير، لا يحميها إلا الصادقون، ولا ينهض بها إلا المؤمنون بها فعلاً لا ادعاءً.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤