نورا الهاشمي تكتب: مسؤولية تعزيز الوعي الدوائي

المسار | مقالات الرأي
نورا الهاشمي

تُعد الأدوية من أهم الوسائل العلاجية المستخدمة في الطب الحديث، وقد ساهمت في إنقاذ وتحسين حياة الملايين حول العالم. إلا أن استخدام الدواء لا يخلو من التحديات، وعلى رأسها الأعراض الجانبية والانسحابية التي قد تؤثر على جودة حياة المريض، بل في بعض الحالات قد تُعرضه لمضاعفات خطيرة. حيث يلاحظ أن تعدد الأدوية التي تُصرف لكبار السن في عائلتي، دون أن يصحب ذلك توعية كافية حول آثارها الجانبية أو الأعراض التي قد تظهر عند التوقف عنها، قد تؤدي أحيانا إلى معاناة بعض المرضى من تفاقم في حالتهم الصحية بعد استخدام أدوية معينة، الأمر الذي يؤدي إلى تنقلهم بين المستشفيات بحثًا عن تفسير لما يحدث، دون الوصول إلى تشخيص دقيق يربط بين الأعراض والأدوية المستخدمة. الأمر الذي يثير تساؤلات حول أهمية أخذ التاريخ الدوائي للمريض بعناية، والنظر في جميع العوامل المحتملة التي قد تؤثر على حالته الصحية. ولا شك أن تطوير الوعي الدوائي، سواء لدى المرضى أو الممارسين الصحيين، يمثل خطوة مهمة نحو تحسين جودة الرعاية الصحية وتقليل مثل هذه الإشكالات التي قد تؤثر سلبًا على حياة المرضى.
وقبل أن نبدأ، لابد من معرفة ماذا تعني الأعراض الجانبية والأعراض الانسحابية للدواء. فالأعراض الجانبية هي تأثيرات غير مرغوبة تحدث أثناء تناول الدواء، وتختلف شدتها حسب نوع الدواء، وجرعته، واستجابة جسم المريض. في حين أن
الأعراض الانسحابية: هي التفاعلات التي تحدث في الجسم عند التوقف المفاجئ عن تناول دواء اعتاد عليه الجسم، وقد تظهر على شكل أعراض جسدية أو نفسية.
ومن الأمثلة على الأعراض الجانبية مثلا، الأدوية التي يشاع استخدامها بكثرة وهي المسكنات، الأفيونية (مثل: الترامادول، المورفين)، فعلى الرغم من كثرة استخدامها، إلا أن الناس تجهل كثيرًا أغلب أعراضها الجانبية التي قد تتضمن: إمساك، غثيان، ضعف تنفسي، الاعتماد الجسدي. أو أعراضها الانسحابية التي قد تشمل: قلق، ألم عضلي، أرق، تعرق غزير، تسارع نبضات القلب. وكشفت دراسة حديثة نُشرت نتائجها في صحيفة “المسار” الإلكترونية العدد ( 621) ، عن تأثير غير متوقع لدواء الباراسيتامول، أحد أكثر المسكنات استخدامًا حول العالم. حيث أظهرت النتائج أن تناول الباراسيتامول لا يقتصر فقط على تخفيف الألم، بل قد يؤثر أيضًا على طريقة تفكير الإنسان دون أن يدرك ذلك. الدراسة أوضحت أن الدواء يمكن أن يقلل من قدرة الفرد على تقييم المخاطر واتخاذ القرارات، ما يطرح تساؤلات جدية حول سلامة استخدامه على المدى الطويل. هذه النتائج تسلط الضوء على أهمية مراجعة التأثيرات النفسية والعصبية للأدوية المنتشرة، وتدعو إلى توخي الحذر حتى مع الأدوية التي يُعتقد أنها آمنة بسبب شيوع استخدامها.
كثير من المرضى يبدأون العلاج دون معرفة كافية بهذه الجوانب، مما قد يؤدي إلى سوء استخدام الدواء أو التوقف المفاجئ عنه، وبالتالي حدوث مشاكل كان بالإمكان تفاديها بالتثقيف المسبق. وهنا يظهر السؤال المهم: الوعي بهذه الأعراض مسؤولية من؟ الطبيب أم المريض؟ وهل يحق للمريض تقرير مصير تناوله للأدوية؟ أو التوقف عنها؟
لذلك لابد من توعية المرضى بعدما استخدام أي دواء، حتى يعرفوا من الطبيب المختص كل أعراضه الجانبية والانسحابية وذلك لضمان سلامتهم. فكم من سوء استخدام لدواء معين كان سببًا في عواقب عديدة ، وكان بالإمكان تجنبها لو سأل الشخص المريض عنها قبل البدء في تناولها.
يُعتبر اطلاع الطبيب المريض على الأعراض المحتملة جزءًا أساسيًا من الرعاية الطبية الآمنة. وذلك يمنح المريض فرصة اتخاذ قرار واعٍ ومدروس بناءً على معرفة كاملة، كما يساعده على مراقبة حالته بشكل أفضل والاستعداد للتعامل مع أي مضاعفات. وفي المقابل، من حق المريض أن يسأل عن هذه التفاصيل، ويطلب خطة واضحة للتدرج في الإيقاف إذا كان الدواء يُسبب اعتمادًا جسديًا أو نفسيًا.
يجب التأكيد على أن العلاقة بين الأطباء والمرضى – في مختلف بقاع العالم – ليست علاقة أوامر وتعليمات فقط، بل هي شراكة قائمة على الاحترام المتبادل والتفاهم، وقرار استخدام أو إيقاف أي دواء يجب أن يتم بالتوافق بين الطرفين، بناءً على التقييم السريري والمعطيات الشخصية لكل مريض.
إن معرفة الأعراض الجانبية والانسحابية للأدوية ليست ترفًا، بل ضرورة طبية وأخلاقية لضمان الاستخدام الآمن للعلاجات. والطبيب مسؤول عن توضيح هذه المعلومات بصدق ووضوح، في حين يقع على عاتق المريض مسؤولية السؤال، والمتابعة والقرار الواعي. وبهذا التعاون، تتحقق أفضل النتائج العلاجية بأقل قدر من المعاناة والمضاعفات.





