... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
134064 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 10520 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

نورا الهاشمي تكتب: هل يكفي الصدق المطلق لتحقيق العدالة؟

العالم
صحيفة المسار
2026/04/08 - 07:58 501 مشاهدة

نورا الهاشمي

 

نورا الهاشمي

المسار | مقالات الرأي 

نورا الهاشمي

من عادتي في القراءة أن أراوح بين كتابٍ دسمٍ يغذّي الفكر، وروايةٍ تأخذني إلى عوالم مختلفة، تخفّف عني ثقل الواقع وتمنحني لحظات من المتعة الذهنية. لكنني حين اخترت رواية المعترِضة لـ غراهام مور، كنت أظنها واحدة من تلك الروايات التي تُقرأ ثم تُطوى، فإذا بها تفتح في ذهني أبوابًا لا تُغلق، وتدفعني إلى التفكير المتواصل لثلاثة أيام متتالية.   في البداية، دعونا نلقي نظرة سريعة على الرواية..

تدور أحداث الرواية حول قضية اختفاء فتاة مراهقة ثرية اسمها جيسكا سيلفر تبلغ من العمر 15 سنة، حيث يُتهم معلمها بجريمة خطيرة بعد العثور على أدلة ضده، مثل رسائل مريبة حميمية. وآثار دماء في سيارته. الرواية تسلط الضوء على الاتهام الموجه إلى معلمها الشاب بوبي نوك. وسط هذا الصخب، تظهر مايا سيل، شابة ضمن هيئة المحلفين الاثني عشر التي تدرس القضية. مايا واثقة من براءة المتهم، وعلى الرغم من المعارضة الشديدة، تُقنع هيئة المحلفين بإصدار حكم البراءة. هذا القرار الجريء يغير حياتها إلى الأبد، حيث تصبح لاحقًا محامية دفاع شهيرة. القصة تأخذ منعطفًا جديدًا بعد مرور عشر سنوات، عندما يُعاد تسليط الضوء على القضية من خلال برنامج وثائقي يجمع أعضاء هيئة المحلفين مجددًا. حيث يثير المحلف المهووس بالقضية المدعو ريك ، الشكوك حول صحة الحكم عبر لقاءات وبرامج تلفزيونية. لكن المفاجآت لا تنتهي هنا؛ إذ يُعثر على هذا المحلف مقتولا بعد شجار مع المحلفة المعترضة على حكمه المدعوة مايا، وتشير الأدلة بشكل مريب إلى مايا نفسها. هنا يبدأ الجزء الأكثر إثارة في الرواية، حيث تجد مايا نفسها مضطرة للبحث عن الحقائق التي حاول الجميع إخفاءها سابقًا لتبرئة نفسها. الرواية تتشابك بين الماضي والحاضر، مما يجعل القارئ متلهفًا لاكتشاف الأسرار الدفينة. وفي نهاية القصة ومع سيل من الحقائق والاتهامات والأسرار التي تنكشف، تظهر الحقيقة بصورة صادمة ومثيرة ومدهشة ،وتتصادم الحقائق في رأس مايا التي تسعى لتبرئة نفسها، والوصول للحقيقة، لكن ما ستكتشفه سيضعها في موقف صعب ويخيّرها بين ضرورة قول الحقيقة كاملة وتوريط الكل حتى لو دفع الأبرياء الثمن  أو التغاضي والتكتم وإن دفع البعض ثمن خطأ شخص واحد لا مجال لمعاقبته طالما لم يثبت دليل ضده؟

هذه الرواية وأنا أتأملها بعد أن أنهيتها لا تطرح مجرد قصة، بل تفتح أبوابًا لقضايا فلسفية عميقة، من أبرزها: هل قول الحقيقة لدى القانون دائمًا منجاة؟ ولماذا يخاف الناس من قول الحقيقة كاملة؟ يظهر ذلك جليًا في قصة مايا، التي تجد نفسها أمام حقيقة تعرفها، لكنها تدرك في الوقت ذاته أن قولها قد لا يؤدي إلى العدالة، بل ربما إلى ظلمٍ جديد. كما تتجلى هذه الإشكالية في قصة المحلّفة ليلا، التي كانت على علاقة سابقة بالمتهم بوبي وأنجبت منه طفلًا. هذه الحقيقة، لو كُشفت، قد تغيّر مجرى القضية بالكامل. لكن المفارقة الكبرى تأتي عندما يتفق المحلفون – بعد معرفتهم بالجريمة التي ارتكبتها المحلفة ليلا ضد ريك الذي هددها بكشف علاقتها مع المتهم، فقتلته لتحمي ابنها- على تغيير بعض الحقائق أو التغاضي عنها، ليس بدافع الفساد، بل لإنقاذ حياة طفل بريء، هو ابن ليلا. هنا يتصدع مفهوم العدالة التقليدي: هل العدل هو تطبيق القانون حرفيًا، أم حماية الأبرياء حتى لو اقتضى ذلك تحريف الحقيقة؟

هذا يقودني إلى تساؤلات أعمق: لماذا لا يثق الناس في القانون؟ هل لأن القوانين، كونها وضعية، قد تظلم البريء؟ هل يمكن أن يُدان إنسان فقط لأن في سيارته بقع دماء أو حمضًا نوويًا أو قلادةً تعود للضحية، رغم أن كل ذلك قد يكون مدسوسًا؟ أليس من الممكن أن تتحول الأدلة نفسها إلى أدوات تضليل؟ ومن القضايا التي أثارتها الرواية في داخلي: لو قال كل شخص فيها الحقيقة كاملة، هل كان الصدق سيؤدي فعلًا إلى النجاة؟ أم أن الصدق، في بعض الأحيان، قد يكون طريقًا إلى الهلاك؟ وإن كنت مكان أحد الشخصيات، هل كنت سأختار الصمت لحماية شخص أظن أن القانون لن ينصفه؟ أم أقول الحقيقة مهما كانت العواقب؟

بل أكثر من ذلك، هل يثق الجميع في القانون فعلًا؟ القانون الذي صاغه بشر مثلنا، تحكمه اجتهاداتهم وحدود فهمهم، ما مدى عدالته ونزاهته؟ وهل يمكن أن يكون مطلق العدالة؟ وهنا أدركت سرًا عميقًا: حتى لو التزم الجميع بالصدق، فإن العدالة ليست مضمونة. وهذا ما يفسر قول النبي صلى الله عليه وسلم: “قاضيان في النار وقاضٍ في الجنة”، في إشارة إلى أن الحكم ليس مجرد معرفة الحقيقة، بل يحتاج إلى بصيرة وعدل ونزاهة تتجاوز ظاهر الأمور.

 

وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: لو كنت مكان مايا، وبعد أن انكشفت لك حقيقة لا يعرفها القانون، هل ستصمت لتحمي نفسك وأبرياء آخرين؟ أم ستنطق بالحقيقة، ولو كان الثمن فادحًا؟

ربما لا تقدم الرواية إجابات، لكنها تضعنا أمام مرآة صعبة: هل القانون يحمي الصادق فعلًا؟ أم أن الحقيقة، في بعض الأحيان، تحتاج إلى شجاعة أكبر من أن تُقال ؟.

لعل الرواية لا تجيب على الأسئلة، لكن تثير مخيلتك لمعضلة قانونية فلسفية ضخمة، وهي هل القانون يحمي الصدق المطلق؟ قد تكون إجابتك بنعم، أو لا، خياران لا ثالث لهما. لكن تأكد أنك لن تعرف الحقيقة المطلقة حتى تكون أنت المتهم، والقضية قضيتك.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤