نورا الهاشمي تكتب: الواسطة مقبولة.. لكن بشرط!

المسار | مقالات الرأي
نورا الهاشمي

في ليلة من ليالي شوال العظيمة، وبعدما ودّعنا رمضان المبارك، جلست في خلوة مع نفسي، أحدثها وتحدثني، فرددت بداخلي: “اللهم اجعل القرآن ربيع قلبي”. لجأت إلى وردي اليومي، أنهل منه، وأتمعن في آياته، وربي كريم لم يحرمني من لطائفه ورحماته، حتى أصبحت بفضل الله تعالى لا أقرأ وردًا في يوم بخشوع ولذة إلا كشف الله لي من معاني كلماته وأسراره. وصدق المفكر نايف النهار حين قال: “القرآن يتفاعل مع المتفاعل فقط.” وفي لحظة رائعة من التجلي كنت أقرأ سورة النساء حتى وصلت للآية رقم ( 85) التي يقول الله تعالى فيها: “مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَة يكن له نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يكن له كِفْلٌ مِنْهَا”.
جلست أتأمل البلاغة الربانية في هذه الآية، وسألت نفسي: لماذا قال الله “نصيب” للشفاعة الحسنة، و”كفل” للشفاعة السيئة؟
بحثت عن أقوال العلماء، ووجدت شيئًا قليلًا فحسب، غير أن التفسير الذي شدني هو تفسير المفكر العراقي فاضل السامرائي، الذي يرى أن النصيب يتضمن الجزء الكبير وزيادة، وهو ما يستخدم للحسنة لأنها تُضاعف بعشر أمثالها، أما الكفل فيُستخدم للسيئة لأنها جزاء السيئة مثلها فحسب. ولكن حين تذكرت قوله تعالى: “يؤتيكم كفلين من رحمته”، حيث استخدم هنا الكفل للحسن. شعرت أن هناك معنى أعمق يحتاج لتفسير أدق. ففكرت في معنى الكفالة في واقعنا اليوم، وكيف نقول في حياتنا: “فلان كفيل عن فلان”، أي يتحمل جزءًا من المسؤولية عن تصرفه. وهنا يتضح المعنى الرباني: من يشفع لشخص سيئ وهو يعلم بسوء فعله، يتحمل جزءًا من أثر ذلك، ليس في الآخرة فقط، بل في الدنيا أيضًا، ككفالة للأعمال، حتى وإن كان القانون لا يعاقبه. أما الشفاعة الحسنة فهي مختلفة، فهي لأجل من يستحق، وثمارها في الآخرة فقط وهي كبيرة، فهي نصيب يتضاعف، لأن الحسنة بعشر أمثالها، وكل حسنة تدخل في ميزان من يستحقها. أما في الدنيا، فكل محسن لعمله وإن شفعت له فحسنته لنفسه. لذلك جعل الله نصيب الشفاعة الحسنة كبير وأضعاف مضاعفة، وجعل كل ذلك في الآخرة فقط. ومن هذا التأمل نستفيد درسًا مهمًا في حياتنا اليومية، وهو أن أي توسط أو توصية يجب أن تكون مدروسة، فالشفاعة ليست مجرد كلمة، بل هي مسؤولية. من يشفع لشخص غير أهل للثقة أو المنصب، فهو يتحمل جزءًا من نتائج أفعاله، حتى لو لم يعاقبه القانون. أما من يشفع لمن يستحق، فينال أجرًا عظيمًا، حتى لو لم يكن له مردود مادي في الدنيا، وهذا يربطنا بمبدأ تشجيع الكفاءات والمؤهلين في المجتمع، سواء في التعليم أو الوظائف أو الأعمال الخيرية. كما أن الشفاعة الحسنة أجرها أضعاف الحسنة نفسها، فكل نصيحة صالحة أو دعم لمشروع نافع أو مساعدة لمن يستحق، يمتد أثره أضعافًا مضاعفة. القرآن يحثنا على التفكير بعواقب أعمالنا ليس فقط على المستفيد، بل على أنفسنا أيضًا. الله عز وجل ميّز بين الشفاعة الحسنة والسيئة ليعلمنا حكمة التوسط: من ينحاز للخير، فله نصيب عظيم، ومن يشفع للشر، يتحمل وزره ككفالة في الدنيا ، وكمثل الوزر في الآخرة، وهذه طريقة ربانية تربط الإنسان مباشرة بالنتائج، وتعلّم المجتمع احترام الكفاءة والاستحقاق.
وفي نهاية هذا التأمل أسأل الله أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يجعلنا سببًا في نصيب الخير لمن يستحق، وأن يحفظنا من حمل ما لا نستحقه، وأن تكون شفاعتنا دائمًا لأجل الحق والخير، لا للشر والضرر. فالقرآن علمنا كيف نجعل مسؤوليتنا متصلة بأفعالنا وأفعال من نؤثر فيهم، ليصبح الدين دليلًا عمليًا للوعي بالمسؤولية والعدالة في حياتنا اليومية، ويجعل من كل شفاعة حسنة نصيبًا عظيمًا في الآخرة.





