نهيلة العبيدي: الكتابة إقامة مؤقتة داخل اللغة .. والقراءة "حوار صامت"
في زمنٍ تُقاس فيه الأشياءُ غالباً بحدود الأعمار، وتُؤجَّل فيه الأحلام إلى حين اكتمال النضج كما يُعرّفه الآخرون، تخرج الكتابة لتكذّب هذا الوهم بهدوءٍ عميق، وتعلن أن الموهبة لا تعترف بالزمن، وأن الحساسية الإبداعية لا تنتظر إذناً من السنوات كي تولد وتنضج. وهنا، عند هذه العتبة الدقيقة بين البدايات التي تُشبه النهايات، وبين الأسئلة التي تسبق الأجوبة، نقف أمام تجربة الكاتبة المغربية الشابة نهيلة العبيدي (18 سنة)، لا بوصفها صوتاً ناشئاً فحسب، ولكنها وعيٍ يتشكل مبكراً، وقلقٍ جميل يفتّش عن لغته الخاصة داخل سراديب عالمٍ سريع الانطفاء والتحول.
فأيُّ سرٍّ يجعل اللغة تتحول من أداةٍ عابرة إلى وطنٍ دائم؟ وأيُّ نداءٍ خفيٍّ يدفع كاتبةً في مقتبل العمر إلى أن تصغي لصوتٍ داخليٍّ لا يسمعه سواها، فتكتب لا لتُحكي فقط، وإنما لتفهم، ولتقاوم، ولتُعيد ترتيب الفوضى التي تسكنها؟ وهل تولد الكتابة حقاً من التجربة، أم من الإحساس المبكر بثقل ما لا يُقال؟ وكيف يمكن لذاكرةٍ من ورق أن تصمد أمام هشاشة النسيان، وأن تمنح العابر شكلاً من أشكال البقاء؟
في هذا الحوار، على جريدة ” هسبريس الالكترونية “، لا نقترب من نهيلة العبيدي باعتبارها اسماً جديداً في المشهد الأدبي، بقدرما نقترب من ذاتٍ تكتب لأنها لا تملك خياراً آخر، كروحٍ وجدت في اللغة مرآتها الأصدق، وملاذها الأكثر شفافية. وهنا، تتبدى الكتابة كفعل وجودي، لا كترفٍ ثقافي، وكبحثٍ دائم عن المعنى، لا كإجابةٍ جاهزة. فهل تكون القصة القصيرة لديها مجرد ومضة تلتقط اللحظة الهاربة، أم أنها شكلٌ من أشكال القبض على الزمن وهو ينفلت؟ وهل الرواية امتدادٌ لهذا القلق، أم محاولة لإعادة تأويل العالم بما يليق بتعقيداته؟
ثم ماذا عن هذا الانتقال الخفي بين الأجناس الأدبية، بين التكثيف والامتداد، بين اللغة حين تشتعل كبرقٍ خاطف، وحين تنساب كنهرٍ طويل؟ ومن يختار من، الكاتبة أم النص؟ وأين تبدأ الحكاية، عند العنوان الذي يلمّح ولا يُفصح، أم عند تلك الرعشة الأولى التي لا تُرى لكنها تُكتب؟
إن ما يميز تجربة الكاتبة نهيلة العبيدي ليس فقط هذا الوعي المبكر بفعل الكتابة، وإنما قدرتها على الإصغاء لما هو غير مرئي، لما يمرّ عابراً في الحياة لكنه يترك أثراً عميقاً في الداخل. وهي كتابة لا تبحث عن الضجيج، ولكنها تبحث عن الصدى، لا تنشغل بالمباشر، ولكنها بما يتخفّى خلفه. وتُشبه الكتابة هنا، السؤال أكثر مما تُشبه الجواب، وتُقيم في المسافة الدقيقة بين الشعور واللغة.
وفي عالمٍ يزداد تسارعاً، وتكاد فيه اللحظات تفقد معناها قبل أن تُعاش، تبدو هذه التجربة كنوعٍ من المقاومة الهادئة، مقاومة النسيان، ومقاومة السطحية، ومقاومة أن تمرّ الحياة دون أن تُفهم. فهل يمكن للكتابة أن تنقذ ما ينفلت منّا؟ وهل تستطيع الكلمات أن تمنح للإنسان شكلاً آخر من البقاء، ولو كان مؤقتاً داخل اللغة؟
وفي هذا الحوار على جريدة ” هسبريس “، لا نقترب من أصغر كاتبة مغربية شابة، وإنما هو حوار يلامس ذلك الخيط الخفي الذي يربط الإنسان بأسئلته الأولى، وبحاجته الدائمة إلى أن يكتب كي لا يضيع، وأن يكون نموذجا صادقا لمجتمع مغربي يعنى بالقراءة كما يعنى بالكتابة الإبداعية. ولمجتمع مغربي يقرأ كي لا يكون وحيداً في هذا العالم. وهنا، حيث تصبح الكتابة قدراً جميلاً، لا يُقاس بالعمر، ولكن بعمق ما يتركه فينا من أثر. وتلك قصة الكاتبة الجميلة نهيلة العبيدي، كصوت طفولي يقف على أقدار الكتابة وعتباتها.
نص الحوار:
الكتابة عندك لا تبدو مجرد فعل سردي، ولكنها أشبه بنداء داخلي أو قدر خفي، فمتى شعرتِ لأول مرة أن اللغة لم تعد وسيلة للتعبير فقط، بقدر ما أصبحت وطناً تقيمين فيه، وكيف تشكّلت هذه العلاقة الوجودية بينك وبين الكتابة؟ وماذا تعني لك الكتابة في سن مبكرة ؟
الكتابة لم تأت إلي كخيار، بل كشيء يشبه الاكتشاف أو ربما كشيء كان ينتظرني منذ البداية.
أظن أن اللحظة الأولى التي شعرت فيها أن اللغة لم تعد مجرد وسيلة للتعبير، بل أصبحت وطنا، لم تكن لحظة واضحة بقدر ما كانت تراكما خفيا. بدأت حين أدركت أن هناك أشياء لا يمكن قولها بصوت عال، لكنها تجد طريقها بسهولة على الورق. هناك، فقط، كنت أستطيع أن أكون صادقة دون خوف، وأن أفهم نفسي دون ضجيج العالم.
شيئا فشيئا، لم تعد الكتابة بالنسبة لي مجرد وصف لما يحدث، بل أصبحت محاولة لفهم ما لا يفهم، ولمساءلة ما يبدو بديهيا. صارت اللغة مساحة ألوذ بها حين يضيق الواقع، ومرآة أرى فيها ما لا يظهر في الحياة اليومية. ربما لهذا السبب، لم أشعر يوما أنني أكتب لأحكي فقط، بل لأعيش ولأبحث عن معنى، عن إجابة، أو حتى عن سؤال يستحق أن يطرح.
أما عن هذه العلاقة، فقد تشكلت بهدوء، دون إعلان. كل نص كتبته كان يقربني أكثر من هذا العالم، وكل فكرة دونتها كانت كأنها تقول لي: “هنا مكانك”. ومع الوقت، أصبحت الكتابة ليست ما أفعله، بل ما أكونه.
في سن مبكرة، قد تبدو الكتابة للبعض تجربة عابرة، لكنها بالنسبة لي كانت نوعا من الوعي المبكر بثقل الأشياء: بالحزن الذي لا يفهم، بالأسئلة التي تكبر أسرع من أعمارنا، وبالحاجة إلى أن نترك أثرا، ولو بكلمات.
لم تكن الكتابة هروبا من الواقع، بل كانت طريقة لمواجهته… بطريقتي الخاصة.
الكتابة بالنسبة لي اليوم ليست مجرد شغف، بل مسؤولية أيضا. مسؤولية أن أقول ما يجب أن يقال، وأن أكتب بصدق، حتى عندما يكون الصدق مؤلما. لأنها، في النهاية، ليست فقط وطنا أسكنه… بل أيضًا أثرا أتركه خلفي.
بين القصة القصيرة والرواية، هناك مسافة تشبه الفرق بين الومضة والنهر، كيف تعيشين هذا الانتقال بين التكثيف والامتداد، وهل تختارين الجنس الأدبي أم أنه هو الذي يفرض نفسه عليك؟
الانتقال بين القصة القصيرة والرواية ليس توجها جماليا بقدر ما هو استجابة لطبيعة الفكرة نفسها. بعض الأفكار تولد مكتملة ومكثفة، ترفض الامتداد وتفرض شكلها كقصة قصيرة، حيث يكون كل تفصيل محسوبا وكل جملة ضرورة. في المقابل، هناك أفكار لا يمكن احتواؤها في هذا الحيز الضيق، تتطلب زمنا أوسع وشخصيات تتنفس على مهل، فتتجسد كرواية.
أنا لا أختار الجنس الأدبي بقدر ما أصغي لما تريده الفكرة. النص هو الذي يحدد مساحته وإيقاعه، وأنا أتبعه.
بين الومضة والنهر، أحاول فقط أن أكون وفية لجوهر الحكاية، لا لشكلها.
في مجموعتك القصصية «ذاكرة من ورق»، يبدو العنوان وكأنه يختزل هشاشة الذاكرة وقوة الكتابة في آن واحد، كيف تولد لديك العناوين، رواية ” رحلة أمل عبر الزمن “، وهل هي بداية النص أم نهايته أم ذلك السر الذي يظل معلقاً بينهما؟ وكيف تختارين عناوينك؟
العنوان عندي ليس عنصرا مكملا للنص، بل امتداد خفي له، كأنه ظله الذي يسبقه أحيانا، أو صداه الذي يبقى بعده.
«ذاكرة من ورق»، هو عنوان لقصة داخل المجموعة وقد تم اختياره تحت إشراف الأستاذ والأديب عبد الغني عارف وهو المشرف على إصداري هذا، لأنه يختزل هذا التوتر بين ما يزول وما يحاول أن يبقى. الذاكرة بطبيعتها هشة، عرضة للنسيان والتشويه، بينما الكتابة محاولة لمقاومة هذا التلاشي… وكأنها تمنح لما هو عابر شكلا من أشكال الاستمرار.
غير أن القارئ سيكتشف معنى آخر مع القصة التي تحمل هذا العنوان داخل المجموعة القصصية.
أما عن ولادة العناوين، فهي لا تخضع لقاعدة ثابتة. أحيانا يأتيني العنوان في البداية، كشرارة أولى تختزل الفكرة وتدلني على الطريق. وأحيانا أخرى يتأخر حتى النهاية، بعد أن يكتمل النص، فأجده كأنه الاسم الذي كان يبحث عنه منذ البداية. لكن في الحالتين، لا أتعامل معه كعنصر منفصل، بل كجزء من نسيج النص نفسه.
احاول دائما اختيار عنوان يقوم على الإيحاء لا المباشرة؛ وأبحث عن عبارة تفتح أكثر مما تغلق، وتلمح أكثر مما تصرح، وتترك للقارئ مساحة للتأويل.
العنوان الجيد، في نظري، لا يشرح النص، بل يوسعه
ويمنحه حياة أخرى خارج كلماته.
الرواية بالنسبة لك، هل هي مساحة لبناء عوالم موازية، أم وسيلة لفهم العالم الواقعي وإعادة تأويله، وما الذي تمنحك إياه الرواية ولا تمنحك إياه القصة القصيرة؟
الرواية بالنسبة لي ليست نقيضا للواقع ولا انفصالا عنه، بل هي طريقة أخرى للاقتراب منه. هي مساحة يمكن من خلالها إعادة ترتيب العالم لا كما هو، بل كما يفهم ويتأمل ويساءل. أحيانا تبنى فيها عوالم موازية، لكنها في العمق تظل مشدودة إلى الواقع، تعيد تأويله أكثر مما تهرب منه.
ما تمنحه الرواية ولا تمنحه القصة القصيرة هو الزمن. زمن الامتداد الذي يسمح للشخصيات أن تتشكل ببطء، وأن تتناقض، وأن تتغير دون استعجال. هي مساحة للتفاصيل الصغيرة التي لا تجد مكانا في التكثيف، لكنها ضرورية لفهم التحولات العميقة.
أما القصة القصيرة، فهي أقرب إلى الومضة: مكثفة، لامعة، تلتقط لحظة وتترك أثرها بسرعة. في حين أن الرواية تمنحني فرصة للغوص، للتمهل، ولطرح الأسئلة في سياقها الكامل دون اختزال.
كثيراً ما يقال إن القصة القصيرة هي فن التقاط اللحظة الهاربة، كيف تنصتين إلى هذه اللحظات، وكيف تتحول في وعيك من تجربة عابرة إلى نص مكتمل يحمل أثراً إنسانياً؟
أتعامل مع هذه اللحظات كأنها إشارات خفية أكثر من كونها أحداثا مكتملة. فهي لا تأتي بصيغة واضحة، بل كاهتزاز داخلي، أو تفصيل صغير يمر لكنه يترك أثرا غير مفسر. الإنصات هنا ليس فعلا واعيا بالكامل، بل نوع من الانتباه الهادئ لما هو عابر لكنه يطلب أن يلاحظ.
حين تفرض لحظة ما حضورها، لا أتعجل تحويلها إلى نص، بل أتركها أولا تستقر في الذاكرة، تتشكل داخليا، وتفقد طابعها الخام شيئا فشيئا لتصبح أكثر وضوحا من حيث الإحساس لا من حيث الحدث. فبعض اللحظات لا تفهم وهي حاضرة، بل تفهم حين تهدأ وتستقر في الذاكرة.
ثم تأتي الكتابة كنوع من الاستجابة المتأخرة لذلك النداء الخفي؛ لا لإعادة إنتاج اللحظة كما حدثت، بل لاستخلاص أثرها الإنساني وما تركته من سؤال أو ارتباك أو دهشة. وهكذا تتحول التجربة من شيء عابر يمر في الحياة إلى نص يحاول أن يمنح ذلك العابر معنى قابلا للبقاء.
ما الذي تمثله القراءة في مسارك الإبداعي، هل هي تمرين على الكتابة، أم حوار صامت مع ذوات أخرى، ومن هم الكتّاب أو النصوص التي تركت فيك أثراً لا يُمحى؟
القراءة في مساري الإبداعي ليست خطوة موازية للكتابة، بل هي الأرض التي تمهد لها وتمنحها عمقها الخفي. هي ليست تمرينا تقنيا على فعل الكتابة، بقدر ما هي تشكل بطيء للوعي، وصقل هادئ للغة، واتساع في طريقة رؤية العالم. من خلالها لا أتعلم كيف أكتب فقط، بل كيف أفهم الإنسان في هشاشته وتعقيده وتناقضه.
القراءة بالنسبة لي حوار صامت، لكنه طويل وحي، مع ذوات متعددة تعبر الزمن وتختلف رؤاها. هي لقاء مع عقول لم تعد حاضرة جسديا، لكنها ما تزال تواصل أثرها في الداخل، كأنها تفتح نوافذ متجددة على المعنى، وتعيد تشكيل الأسئلة بدل أن تمنح إجابات جاهزة.
وكما قال الروائي الأمريكي هنري ميلر واصفا الكتب: «لقد كانوا أحياء، وكانوا يتحدثون معي».
أما عن الأثر الأعمق، فقد ظل الأدب الروسي حاضرا في تكويني القرائي والوجداني. فيه وجدت ذلك الغوص العميق في النفس الإنسانية، ذلك التوتر الدائم بين الفكرة والقدر، بين الحرية والعبء الداخلي، وبين الحقيقة كما تعاش والحقيقة كما تفهم. إنه أدب لا يكتفي بسرد الحكاية، بل يضع الإنسان أمام نفسه، بكل ما في داخله من ارتباك وصدق وتناقض.
كيف تنظرين إلى واقع القصة القصيرة في المغرب اليوم، وهل تعتقدين أنها لا تزال قادرة على التجدد ومواكبة تحولات الإنسان المغربي، أم أنها تعيش نوعاً من التهميش أمام سطوة الرواية؟
واقع القصة القصيرة في المغرب اليوم يعيش حالة مفارقة واضحة؛ فهي من جهة تمتلك رصيدا إبداعيا مهما وتاريخا حيويا جعل منها يوما ما شكلا أدبيا حاضرا بقوة، ومن جهة أخرى تبدو في الظاهر أقل حضورا مقارنة بالرواية التي استحوذت على جزء كبير من اهتمام القراء والنشر.
غير أن هذا “التراجع” الظاهري لا يعني غياب التجدد، بقدر ما يعكس تحولا في شروط التلقي والنشر وتبدل الذائقة الأدبية. فالقصة القصيرة ما تزال قادرة على التقاط تحولات الإنسان المغربي، لكنها تفعل ذلك بصمت أكثر، وبأشكال جديدة تتداخل فيها الحساسية الواقعية مع أسئلة الإنسان المعاصر وهواجسه اليومية.
أما فكرة التهميش أمام سطوة الرواية، فهي نسبية؛ لأن الرواية وإن بدت أكثر انتشارا، فإن القصة القصيرة تحتفظ بخصوصيتها كفن الكثافة والاختزال، وكمساحة سريعة الاستجابة للتحولات الاجتماعية والفكرية. وربما قوتها اليوم ليست في الضجيج، بل في قدرتها على البقاء والتجدد داخل الهامش نفسه، حيث تصاغ الأسئلة العميقة في شكل مكثف وعابر في آن واحد.
والرواية المغربية، التي تعرف اليوم زخماً لافتاً، كيف تقيمين هذا التحول، وهل ترين فيه نضجاً حقيقياً أم مجرد موجة عابرة تفرضها تحولات السوق الثقافي؟
أرى أن الزخم الذي تعرفه الرواية المغربية اليوم لا يمكن اختزاله في كونه موجة عابرة تفرضها دينامية السوق الثقافي، بل هو في عمقه تعبير عن نضج إبداعي تدريجي تشكل عبر سنوات من التراكم والتجريب.
هذا التحول يعكس اتساع دائرة الكتابة الروائية من حيث الموضوعات، وتنوع الأصوات، وتعدد الرؤى الأدبية، وهو ما يدل على أن الرواية لم تعد مجرد شكل أدبي يمارس، بل أصبحت مساحة تفكير في الواقع والإنسان والأسئلة الوجودية والاجتماعية.
كما أن حضور أجيال جديدة من الكتاب، وتداخل الحس الواقعي مع التقنيات السردية الحديثة، منح الرواية المغربية قدرة أكبر على التعبير عن تعقيد اللحظة الراهنة. ومن هنا يمكن القول إن هذا الزخم ليس طفرة عابرة، بل هو علامة على تكون وعي روائي أكثر رسوخا واتساعا، أي شكل من أشكال النضج الذي ما يزال في طور التبلور، لكنه يسير في اتجاه واضح.
الشعر، رغم اختلافه الظاهري عن السرد، يظل حاضراً كروح داخل النصوص، ما علاقتك بالشعر، وهل تجدين نفسك فيه كامتداد داخلي للغة أم كفضاء مغاير تماماً؟
علاقتي بالشعر علاقة قديمة ومتجذرة، تعود إلى طفولتي حين كان حفظه وإلقاؤه يشكلان بالنسبة لي متعة خاصة، أقرب إلى اكتشاف مبكر لموسيقى اللغة وإيقاعها الداخلي. ومنذ ذلك الوقت، ظل الشعر حاضرا في تجربتي، يتطور مع قراءتي وكتابتي دون أن ينفصل عن مساري الأدبي.
ومع الوقت، لم يعد الشعر بالنسبة لي مجرد جنس أدبي مستقل، بل صار روحا تتسرب إلى نصوصي النثرية، تمنحها كثافة إيقاعية وبعدا شعوريا أعمق. لذلك أحرص على إدراجه داخل كتاباتي، لا بوصفه زينة لغوية، بل بوصفه جزءا من بنيتها الداخلية.
كما أن لي محاولات في كتابة الشعر، نابعة من هذا التعلق المبكر باللغة في حالتها الأكثر صفاء وتكثيفا. ومع ذلك، لا أراه بديلا عن السرد، بل فضاء موازيا له ومكملا له من الداخل، حيث يلتقي الإحساس بالإيقاع، وتتشابك الصورة مع المعنى في لحظة واحدة.
ماذا تعني لك الكتابة في عمقها الإنساني، هل هي مقاومة للنسيان، أم بحث عن الذات، أم محاولة لالتقاط ما يتفلت من الحياة قبل أن يتحول إلى صمت؟
في عمقها الإنساني، لا أتعامل مع الكتابة بوصفها خيارا أحادي المعنى، بل بوصفها تداخلا هادئا بين عدة هواجس وجودية تتقاطع دون أن تنفصل. فهي أولا شكل من أشكال مقاومة النسيان، ومحاولة خافتة للإمساك بما يتبدد في الحياة ومنحه إقامة مؤقتة داخل اللغة.
وهي في الوقت نفسه بحث دائم عن الذات، لا كحقيقة مكتملة، بل ككائن يتشكل عبر التجربة والأسئلة والذاكرة، ويظل في حالة اقتراب لا وصول. فكل نص هو خطوة إضافية نحو فهم ما نظنه واضحا فينا، لكنه يزداد غموضا كلما اقتربنا منه.
كما أن الكتابة، في لحظتها الأكثر صفاء، تبدو لي كمسعى لالتقاط ما يتفلت من الحياة قبل أن ينزلق بهدوء نحو الصمت؛ ذلك الحد الدقيق بين ما يعاش وما يفقد دون إعلان. لذلك فهي ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل طريقة لإعادة منح الأشياء حقها في البقاء، ولو داخل اللغة فقط.
كلمة مفتوحة
في ختام هذا الحوار، أجد أن كل ما قيل يعود في النهاية إلى جوهر واحد: أن القراءة والكتابة ليستا ترفا ثقافيا، بل طريقتين لفهم الحياة ومرافقتها بوعي أعمق.
القراءة تفتح لنا أبوابا لم نكن نعرف حتى بوجودها، وتمنحنا فرصة أن نرى العالم بأعين غيرنا، وأن نفهم الحياة من زوايا أكثر اتساعا وعمقا. أما الكتابة، فهي الامتداد الطبيعي لهذا الوعي؛ لحظة يتحول فيها ما نقرأه ونعيشه إلى أثر شخصي، وإلى محاولة لفهم الذات وترتيب ما يتكدس داخلها من أسئلة ومشاعر.
ولهذا أقول: تأكد أنك قبل القراءة لست كما أنت بعدها. فكل كتاب يترك فيك شيئا مختلفا، ولو كان بسيطا، ويعيد تشكيل نظرتك للعالم دون أن تشعر. القراءة والكتابة ليستا رفاها، بل طريقان خفيان نحو اتساع الوعي، ونحو إنسان أكثر إدراكا لذاته ولما حوله. فلتكن القراءة عادة، ولتكن الكتابة محاولة دائمة لعدم ضياع ما نشعر به في زحام الحياة. وفي الختام كل الشكر لجريدة ” هسبريس ” على هذه النافذة الجميلة التي فتحت في وجه الكتاب والمبدعين المغاربة بدون قيود.
The post نهيلة العبيدي: الكتابة إقامة مؤقتة داخل اللغة .. والقراءة "حوار صامت" appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.



