نحن نشارك في تضليل أنفسنا
أحمد عسيلي
هذا العام، كنت أنوي أن أمضي الأسبوع الأخير من رمضان وعيد الفطر مع العائلة في سوريا، لكن إلغاء رحلات الطيران إلى دمشق وبيروت جعل ذلك مستحيلًا، كان الحل بالنسبة لي السفر إلى الإسكندرية، مدينتي المفضلة، لأقضي العيد هناك، ومع ذلك، ترددت بعض الشيء، فما كنت أقرؤه على وسائل التواصل الاجتماعي عن سوء معاملة السوريين في مصر أثار لدي قدرًا من القلق، خاصة أني كنت أبحث عن الراحة والطمأنينة بعيدًا عن أي توتر.
لكن، في النهاية، غلب تعلقي بهذه المدينة وعشقي لها، فسافرت إلى مصر رغم كل التحذيرات التي كنت أقرؤها، واليوم، وأنا أنهي تقريبًا الأسبوع الأول من إقامتي، أستطيع أن أقول بثقة إنه لم يتغير شيء في أجواء هذه المدينة، نفس اللطف، نفس الروح المرحة، ونفس الاستقبال الذي عُرفت به الإسكندرية منذ زيارتي الأولى لها عام 1997.
فلماذا ترددت إذًا؟
هنا، أجد نفسي مضطرًا للاعتراف بأنني وقعت في خطأ نفسي شائع، رغم معرفتي المسبقة به، خطأ لا يتعلق بالمعلومات بقدر ما يتعلق بطريقة اشتغال الذهن نفسه، آلية تعميم صورة جزئية وتحويلها إلى حكم شامل.
ولعل ما عزز هذا التردد أنني لم أكن أتعامل مع فكرة مجردة، بل مع صور محددة، متكررة، ومشحونة عاطفيًا (كصورة بعض السوريين مكبلين أمام السفارة في القاهرة)، مقاطع فيديو، مئات المنشورات على منصات التواصل الاجتماعي (لهذا ربما حديث آخر)، كلها كانت توحي بواقع مختلف، وبأن هناك توترًا في التعامل مع السوريين، وأن الأمور قد تغيرت كثيرًا، هذه الصور ليست كاذبة، لكنها كانت كافية لتصنع انطباعًا عامًا، وكأنها تمثل الواقع كله.
هذه ليست المرة الأولى التي أجد نفسي أمام هذه المفارقة، أتذكر جيدًا فترة مظاهرات “السترات الصفراء” في فرنسا، حين كانت بعض القنوات ووسائل التواصل تنقل مشاهد عنف وحرائق في شوارع باريس، يومها، تلقيت اتصالات من أصدقاء وأقارب يسألون بقلق إن كنت بخير، وكأنني أعيش في مدينة تغرق بالفوضى، والحال أن تلك المشاهد، رغم صحتها، كانت محصورة في شوارع محددة، وفي أوقات محدودة، ولم تكن تعكس واقع المدينة ككل، ففي أثناء تلك الأحداث، كان الجميع يعمل كالمعتاد، ونعيش حياتنا اليومية بشكل طبيعي، بل إن بعض المرضى الذين كانوا يترددون على عيادتي، الغارقين في تفاصيل حياتهم اليومية ومشاغلهم، لم يكونوا على علم أصلًا بحراك “السترات الصفراء” تلك، فهناك الكثير من الفرنسيين (كغيرهم من الشعوب) الذين لا يهتمون بالسياسة.
الأمر ذاته تكرر في سياقات أخرى، أذكر هنا مثلًا عرض بعض القنوات المصرية، في إحدى الفترات، صور خيام على أطراف باريس يسكنها بعض المهاجرين، أو مشاهد لتوزيع الطعام المجاني في الشوارع من قبل جمعيات خيرية، لتُقدَّم هذه الصور وكأنها تعكس “حال الفرنسيين اليوم”، صور حقيقية، نعم، لكنها مقتطعة من سياقها، ومحمّلة بتعميم يتجاوزها بكثير، فهي تخص أطرافًا محددة من المدينة وعددًا محدودًا من الناس.
المشكلة إذًا لا تكمن في الصورة بحد ذاتها، بل في طريقة معالجتنا لها، فالصورة تلتقط لحظة، بينما يميل الذهن إلى تحويلها إلى حالة، بل أحيانًا إلى واقع كامل، هنا، لا نكون فقط ضحايا خطاب إعلامي قد يكون موجّهًا أو انتقائيًا (وهو كذلك في كثير من الحالات)، بل شركاء في إنتاج المعنى الذي نحمله عنها، وبمعنى أدق، نحن نسهم في تضليل أنفسنا.
الأكثر إرباكًا أنني، رغم مشاركتي في جلسات علمية ونفسية تناولت هذه الآليات، ونقاشي هذا الأمر مع مختصين بارزين في فرنسا، سواء من الناحية العلمية الطبية، أو آلياتها النفسية، وجدت نفسي أقع فيها، كأن المعرفة لا تكفي لتعطيلها، أو كأن شيئًا في طريقة اشتغال الذهن يسبقها دائمًا، فالأمر لا يتعلق بجهل يمكن تصحيحه، بل ببنية أعمق، حيث لا تكون الذات، كما يقول فرويد، “سيدة في بيتها”، بل خاضعة لآليات تفرض اختزال الواقع قبل أن تمنحنا فرصة لفهمه.
من هذا المنظور، يمكن فهم التعميم لا كخطأ عابر في الحكم، بل كآلية نفسية راسخة، فالذهن، في سعيه إلى تقليل التعقيد، يميل إلى اختزال الواقع في صور بسيطة قابلة للاستيعاب، ما نراه يتحول بسرعة إلى ما “نعتقد أنه الحقيقة”، لا لأننا ساذجون، بل لأننا غير قادرين دائمًا على تحمّل التعدد والتناقض في الواقع، هنا، تأخذ الصورة مكان التفكير، ويحلّ الانطباع محل التحليل.
بهذا المعنى، تتحول الصورة إلى نقطة التقاء بين عرض انتقائي للواقع، واستعداد نفسي لتلقيه بوصفه حقيقة كاملة، فالصورة لا تفرض معناها من تلقاء نفسها، بل تجد فينا قابلية لاستقبالها بهذه الطريقة، وأحيانًا كثيرة رغمًا عنا.
التحدي الحقيقي هنا لا يكمن في الشك بكل ما نراه، بل في استعادة القدرة على التمييز بين الجزء والكل، وعلى إعادة إدخال الصورة في سياقها الأوسع، فليس المطلوب أن نرفض الصور، بل أن نقاوم إغراءها حين تدّعي أنها تختصر العالم، لأن ما نراه في النهاية ليس الواقع، بل جزء منه، وغالبًا ما يكون جزءًا مجهريًا، وله حيثيات كثيرة لا نعلمها.
والخطأ لا يبدأ حين تُلتقط الصورة، بل حين نصدق أنها كل الحكاية.
