نهضة الصناعات الدفاعية التركية.. التكنولوجيا في خدمة الاستقلال الاستراتيجي

ترك برس
يشهد قطاع الصناعات الدفاعية التركية خلال العقود الأخيرة تحولاً جذرياً جعله واحداً من أبرز القطاعات الاستراتيجية في تركيا وأكثرها تأثيراً على المستويين الإقليمي والدولي.
فمع بداية القرن الحادي والعشرين، تبنت أنقرة رؤية تقوم على تحقيق الاستقلال الدفاعي وتقليل الاعتماد على الخارج، عبر بناء بنية صناعية وتكنولوجية وطنية قادرة على تطوير الأنظمة العسكرية المتقدمة وتلبية الاحتياجات الأمنية للدولة بقدرات محلية.
وقد انعكس هذا التوجه في سلسلة من الخطط التنموية والاستراتيجيات المؤسسية التي أسهمت في تحويل الصناعات الدفاعية إلى أحد أهم محركات القوة التركية الحديثة.
وبحسب ما ورد في كتاب «من الجذور إلى الآفاق.. قصة صعود الصناعات الدفاعية التركية» الصادر عن دائرة الاتصال في الرئاسة التركية، فإن خطة التنمية التاسعة التي نُشرت عام 2006 وشملت الفترة بين 2007 و2013، شكلت نقطة انطلاق رئيسية في مسار التحول الدفاعي التركي.
فقد ركزت هذه الخطة على إنشاء هيكل إنتاجي تنافسي ومتكامل مع الصناعة الوطنية، يقوم على الاكتفاء الذاتي والمشاركة الفاعلة في مشاريع الإنتاج المشترك والتصميم والبحث والتطوير. كما هدفت إلى بناء بنية تحتية تكنولوجية وإدارية قادرة على تلبية احتياجات القطاع الدفاعي بصورة آمنة ومستقرة اعتماداً على الموارد الوطنية.
وأثمرت الخطوات التي جرى اتخاذها في إطار هذه الخطة عن تحقيق مكاسب ملموسة، خصوصاً في مجالات زيادة القدرة الإنتاجية المحلية، وتعزيز الاستقلالية في الصناعات الدفاعية، وتطوير التكنولوجيا الوطنية. وخلال هذه المرحلة، سجل القطاع الدفاعي التركي نمواً ملحوظاً في قدرات التصنيع والإنتاج، ما أسس لمرحلة جديدة مهدت لتحول تركيا إلى لاعب دولي مؤثر في الصناعات الدفاعية خلال السنوات اللاحقة.
وفي المرحلة التالية، ركزت خطة التنمية العاشرة التي غطت الأعوام بين 2014 و2018 على تعزيز البنية التنافسية للصناعات الدفاعية، وضمان تلبية احتياجات أنظمة الدفاع والخدمات اللوجستية بصورة متكاملة ومستدامة بالاعتماد على التصاميم الأصلية المحلية.
كما أكدت الخطة أهمية رفع نسبة الإنتاج المحلي، وزيادة الاستثمارات المخصصة للبحث والتطوير، والاستفادة من التقنيات ذات الاستخدام المدني والعسكري، إضافة إلى دعم هياكل الشبكات والتجمعات الصناعية المتخصصة في قطاع الدفاع.
وتماشياً مع هذه الرؤية، حددت الخطة الاستراتيجية للأعوام 2017 ـ 2021 أهدافاً طموحة تمثلت في تحويل تركيا إلى لاعب عالمي في مجالي الدفاع والأمن بفضل قدراتها التكنولوجية المتقدمة وتصاميمها الوطنية الخاصة. كما استهدفت إدارة البرامج الدفاعية بطريقة شاملة تعزز قوة البلاد وتضمن استدامة الصناعات الدفاعية على المدى الطويل.
وخلال هذه المرحلة، حققت تركيا تقدماً ملحوظاً في مسار التوطين والتطور التكنولوجي وتعزيز القدرة التنافسية الدولية. وارتفعت نسبة المساهمة المحلية في الصناعات الدفاعية بشكل كبير، ما أدى إلى تقليص الاعتماد على الخارج، إلى جانب تطوير حلول وطنية في مجالات استراتيجية مثل الطائرات المسيّرة، والمركبات البرية المدرعة، وأنظمة الدفاع الجوي.
أما خطة التنمية الحادية عشرة التي شملت الفترة بين 2019 و2023، فقد ركزت بصورة أكبر على تحقيق الاستقلال التكنولوجي الكامل وتعزيز الحضور التركي في الأسواق الدولية للصناعات الدفاعية.
وفي هذا السياق، جرى تحديد أهداف تتعلق برفع نسبة الإنتاج المحلي إلى أكثر من 70 بالمئة، وزيادة استثمارات البحث والتطوير في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والأنظمة المستقلة، وتقنيات الفضاء.
كما أولت الخطة اهتماماً خاصاً بالمشاريع الاستراتيجية الكبرى، مثل مشروع الطائرة المقاتلة الوطنية، وأنظمة الدفاع الجوي، والمركبات غير المأهولة، وتقنيات الأقمار الصناعية، إلى جانب تطوير القدرات التصديرية للصناعات الدفاعية التركية. كذلك تم التركيز على إعداد كوادر بشرية مؤهلة، وتعزيز التعاون الدولي في مجال الصناعات الدفاعية.
وفي إطار هذه الرؤية الشاملة، تواصل رئاسة الصناعات الدفاعية التركية قيادة عدد كبير من المشاريع الاستراتيجية التي تهدف إلى حماية «الوطن السماوي» و«الوطن الأزرق» و«الوطن السيبراني»، وذلك بالتعاون مع شبكة واسعة من الشركات المحلية والوطنية.
وتشمل هذه المشاريع مجالات متعددة تمتد من أنظمة الأسلحة الليزرية وتقنيات إطلاق الأقمار الصناعية، إلى تطوير الطائرات المسيّرة والصواريخ والقذائف ومحركات المروحيات وتصميم الطائرات المقاتلة.
ويشير الكتاب إلى أن الصناعات الدفاعية التركية تشهد حالياً تنفيذ أكثر من 1380 مشروعاً ومنتجاً ونظاماً دفاعياً، في مؤشر واضح على حجم التحول الذي حققته تركيا في هذا القطاع، وعلى سعيها المتواصل لترسيخ مكانتها كقوة تكنولوجية ودفاعية صاعدة على الساحة الدولية.



