“نهائي الفوضى” يصل إلى الحسم: هل تكسر “الطاس” منطق الإفلات من العقاب أم تُكافئ العبث؟
انتهت، يوم السبت، المهلة القانونية التي حددتها محكمة التحكيم الرياضي (الطاس) لتبادل المذكرات الجوابية في واحد من أكثر الملفات إثارة للجدل في الكرة الإفريقية، ليُطوى بذلك الشق الإجرائي، وتُفتح أبواب الحسم ابتداء من يوم الاثنين. لكن ما يجري اليوم ليس مجرد نزاع قانوني تقني، بل اختبار صريح لهيبة القوانين في القارة: هل نحن أمام قضاء رياضي يحمي الانضباط، أم أمام سابقة تُشرعن الفوضى؟
المعطيات المتداولة تكشف عن جبهة قانونية متماسكة تقودها الاتحاد الإفريقي لكرة القدم إلى جانب الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، في مواجهة طعن سنغالي يقوم، في جوهره، على إعادة صياغة الوقائع لا مناقشتها. فالمشهد الذي تابعه الجميع ـ خروج جماعي للاعبين من أرضية الملعب واحتجاج دام دقائق طويلة ـ يُعاد تقديمه اليوم كـ”احتجاج عابر”. هنا تحديداً يبدأ الانزلاق الخطير حين تتحول الوقائع الواضحة إلى مادة للتأويل السياسي والقانوني، لا بحثاً عن العدالة، بل عن مخرج يُبقي على تتويج مشكوك في شرعيته.
الدفاع السنغالي يراهن على فكرة “الاحتجاج المؤقت” وعلى استئناف المباراة لاحقاً وتسلم الميداليات، وكأن العودة إلى الملعب تمحو المخالفة الأصلية، لكن هذا المنطق، إن قُبل، لن يكون مجرد انتصار قانوني ظرفي، بل دعوة مفتوحة لكل منتخب مستقبلاً لابتزاز التحكيم، اخرج، اضغط، ثم عد وكأن شيئاً لم يكن. أي رسالة هذه؟ وأي كرة قدم ستبقى إذا أصبح الانضباط خياراً لا قاعدة؟
في المقابل، تتمسك “الكاف” بنصوصها، خصوصاً المادتين 82 و84، التي تعتبر مغادرة أرضية الملعب دون إذن الحكم مخالفة جسيمة قائمة بذاتها، لا تُلغى بعودة لاحقة.
والأخطر أن تقرير الحكم في الوثيقة الأكثر حسماً، يتحدث عن مغادرة دامت أكثر من 16 دقيقة، وهذا ليس احتجاجاً عابراً، بل تعطيل صريح لمباراة نهائية قارية. محاولة تلطيف هذا السلوك لا تُضعف فقط موقف “الكاف”، بل تضرب فكرة العدالة الرياضية في مقتل.
أما الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، فهي لا تتحرك هنا بدافع خصومة كروية بقدر ما تدافع عن حق سُلب في وضح النهار.
فالتتويج ليس مجرد كأس تُرفع، بل مسار تنافسي تحكمه قواعد واضحة. وعندما تُخرق هذه القواعد دون محاسبة صارمة، يصبح الحديث عن تكافؤ الفرص مجرد وهم. المطالبة بتنفيذ قرار الاستئناف ليست تشدداً، بل الحد الأدنى من احترام القانون. وحتى الحديث عن تعويضات محتملة يعكس حجم الضرر المعنوي والمؤسساتي الذي لحق بصورة الكرة المغربية.
الموقف السنغالي، الرافض لتسليم الكأس أو إعادة المنحة، يكشف بدوره عن أزمة أعمق: منطق فرض الأمر الواقع إلى أن يقول القضاء كلمته، مع محاولة كسب الوقت وتثبيت “شرعية ميدانية” مفترضة، لكن الشرعية في الرياضة لا تُبنى بالصور التذكارية، بل بالالتزام بالقواعد. وكل يوم يمر دون حسم واضح، يُفاقم الشك ويُضعف ثقة الجماهير في مؤسسات يفترض أنها حامية للعدالة.
الحقيقة التي لا يريد البعض قولها بصوت عالٍ هي أن هذا الملف أكبر من مباراة نهائية؛ إنه اختبار لقدرة المنظومة الكروية الإفريقية على وضع حدّ لثقافة الاحتجاج الفوضوي، فإذا خرج قرار “الطاس” متساهلاً، فسيكون ذلك بمثابة ترخيص غير معلن للفوضى. أما إذا كان حاسماً، فسيعيد رسم خط أحمر واضح: اللعب يُحسم في الملعب، والاحتجاج له مساراته، لا أن يتحول إلى وسيلة ضغط داخل المستطيل الأخضر.





