نجاة المستهدف بشقة عين سعادة.. الحرب دخلت الأحياء السكنية
بين الجناح، الحي الشعبي المكتظ على أطراف بيروت، وعين سعادة، المنطقة المرتبة في المتن، يتكرر المشهد نفسه: وجهان مختلفان لمدينة واحدة، يلتقيان تحت عدوان واحد.
يستيقظ اللبنانيون يوميا على وقع مجازر جديدة. عائلات كاملةٌ مُسحت من سجلّ الحياة دفعةً واحدة، وأحياءٌ مدنيّةٌ مأهولة تحوّلت فجأة إلى خرائط دمار. كلّ المؤشّرات تقول إنّ وتيرة العدوان تتسارع. وكلّ الوقائع الميدانيّة توحي بأنّ لبنان قد يكون أمام مرحلة ضغطٍ بالنار، تحمل في طيّاتها مخاطر مفتوحة على احتمالاتٍ أكبر.
عين سعادة: ضربة في حيّ هادئ خارج خرائط الاستهداف
على طول الطريق إلى عين سعادة، لا شيء يوحي بملامح حرب. منطقة تحيط بها التلال والبحر والشجر، وتطل على مناظر هادئة تبدو بعيدة عن أي إيقاع عسكري. لكن عند الوصول إلى الحي المستهدف في أعالي التلال، يتبدل المشهد فجأة. تعيش المنطقة تحت وطأة الصدمة والهلع والخوف.
ثلاثة شهداء سقطوا في غارة استهدفت مبنى سكنيا في حي يعد من المناطق الهادئة والمرتبة في المتن، البعيدة تقليديا عن مسار الاستهداف المباشر. حي مكشوف بطابعه السكني الصرف، وبأبنائه المقيمين فيه منذ سنوات طويلة، ما جعل الضربة فيه أكثر إرباكا ووقعا على سكانه، كأن الحرب وصلت إلى مكان لم يكن يفترض أن تصل إليه.
الناس يتحدثون بصوت منخفض، وبعضهم يفضل عدم الكلام إطلاقا. في الشوارع المحيطة بالمبنى المستهدف، كان الصمت أكثر حضورا من أي رواية. الخوف لا يزال يسبق القدرة على تفسير ما حدث، وكأن السؤال الأول الذي يمر بين البيوت ليس ماذا جرى، بل لماذا هنا.
بحسب معلومات أمنيّة لـ"المدن"، كان هناك شخص داخل الشقّة المستهدفة، ويُرجّح أنّ خطأً في تحديد الهدف أدّى إلى سقوط الضحايا الثلاث، فيما تمكّن الشخص المقصود من الفرار مباشرة بعد الضربة.
وتشير رواية ابنة الشهيد بيار معوّض إلى أنّ "والدها كان قد دخل قبل يومين في خلاف مع مالك الشقّة، بعدما تبيّن أنها مؤجرة بمبلغ 4 آلاف دولار لشخص غير معروف بالنسبة إلى سكّان المبنى".
أما رئيس بلدية عين سعادة موريس الأسمر يقول لـ"المدن" إنه دعا الأهالي إلى التواصل مع البلدية عند الاشتباه بأي تحركات غير مألوفة، مشيراً إلى عدم وجود أيّ تسجيل رسمي للإيجار في المبنى، في مؤشر إضافي على الالتباس الذي رافق الضربة.
نقولا صباغة، أحد الناجين من المبنى المستهدف، كان يتحدث بصوت متعب ومقطوع، كمن لا يزال يحاول أن يفهم ما حدث أكثر مما يحاول أن يرويه. قال: "البيت كله راح… أنا مصاب، وزوجتي وبنتي أيضا مصابتان… وجيراننا توفوا. آخر شيء كنت أتوقعه أن يحصل هذا عندنا."
لم يعد يتحدث عن منزل تضرر، بل عن حياة كاملة انقطعت دفعة واحدة. لم يكن يروي مشهدا من حرب بعيدة، بل لحظة اقتحمت حياته الخاصة من دون إنذار، وبدلت كل شيء في ثوان.
أمّا جوزيف، أحد سكّان الحيّ، فاختصر المشهد بما يشبه خلاصة التجربة المدنيّة في هذه الحرب: "لم نكن في البيت. أتينا أمس بعد الغارة ثم غادرنا، واليوم عدنا لنضبضب ونبقى… لا مكان نذهب إليه. الرواية الوحيدة أنّنا نحن الذين أكلناها… بتروح دائماً على الأبرياء".
الجناح: ضربة في قلب حيٍّ مدنيّ
في منطقة الجناح، بدا المشهد مختلفا تماما، لكنه يحمل القسوة نفسها. هنا، استهدفت الغارة حيّ آل المقداد المكتظ بالسكان. حي شعبي ضيق الأزقة، متداخل الأبنية. أبوابه مفتوحة على بعضها، وشرفاته متقاربة إلى حد أن الحياة اليومية فيه تُعاش على مرأى الجميع.
على عكس عين سعادة، حيث الصدمة جاءت إلى حي هادئ ومنظم وبعيد تقليديا عن مسار الاستهداف، في الجناح كان الخوف أكثر التصاقا بالحياة اليومية نفسها. هنا، لا يحتاج الناس إلى تفسير طويل لما حدث. صوت الغارات اليومية موجودة في تفاصيل يومهم، بين الجرحى في المستشفى القريب، في المحال وحركة العائلات التي تعيش في مساحة ضيقة ومكشوفة.
شهداء وجرحى ودمار واسع في الأبنية والممتلكات. مركز عمليات طوارئ الصحة أعلن في حصيلةٍ نهائية سقوط خمسة شهداء، بينهم طفلة تبلغ 15 عاماً، إضافة إلى ضحيتين من الجنسية السودانية، و52 جريحاً بينهم ثمانية أطفال. لكنّ ما كشف حجم الكارثة أكثر ما قاله السكان لـ "المدن": لولا الإنذار الذي سبق استهداف المبنى المجاور لتلفزيون الميادين، وغادر على أثره بعض الأهالي المنطقة، لكان عدد الضحايا تجاوز 200.
الحيّ الذي يضمّ لبنانيين وسوريين وسودانيين وجنسيات أخرى، بدا بعد الضربة أشبه بخارطة نزوح مصغّرة. بدأ عمّال إزالة الردم بفتح الطرقات، فيما حضر عمّال الكهرباء والإنترنت لإصلاح الأعطال، وكأنّ الحياة تحاول أن تستعيد إيقاعها وسط الركام.
بعض السكان عادوا مسرعين لأخذ حاجياتهم، محاولين استعادة شيء من حياتهم اليومية قبل أن تختفي تحت الركام، وبعضهم غادروا بلا عودة، كأن الغارة لم تترك لهم سوى ذاكرة الألم. وهناك من قرّر البقاء، ببساطة لأنّه لا يملك مكاناً آخر يلجأ إليه، فلا خيار سوى مواجهة الخوف والصدمة اليومية. يقول عباس، وهو أحد أبناء الحي: "هذا الحي كبرنا وربينا فيه، اللي استشهدوا منعرفهم… كل زاوية تحمل ذكريات، كل بيت له وجه مألوف". صوته يختلط بالهمس، وكأن الكلمات تحاول أن تثبّت ما تبقى من إنسانية وسط الخراب.
الحجّة أمّ صلاح، التي استقبلت أقاربها الناجين في منزلها القريب، اختصرت المشهد بجملة واحدة: "الصوت؟ لا تسألي عنه…" ثم توقفت، وعيناها تنطقان بما لا يمكن للكلمات أن تحمله. وعن المغادرة تقول بمرارة: "هل من شخص يرى الموت ويبقى؟" كل كلمة فيها محملة بصدى الألم والفقد، وكأنها مرآة لمئات العائلات التي لا تعرف أين ستنام الليلة القادمة.
معوّض علي، المقيم السوداني منذ ثماني سنوات في لبنان، جلس قرب المبنى المدمّر، جسده مصاب وروحه مثقلة بالخسارة. قال بصوت خافت: "إنتشلوني من تحت الركام… أصدقائي استشهدوا… البيت تدمر، وأنا الآن ذاهب لأقيم عند أصدقاء". الحزن يلتصق بملامحه، وكل حركة له تبدو محاولة لاستعادة شيء من توازنه بعد انهيار عالمه الصغير.
هكذا، سواء في عين سعادة أو في الجناح، يختلط الصمت بالصرخات المكتومة، والخوف بالامتداد الإنساني للتعاطف، والخراب بالذاكرة. في الشوارع الضيقة وبين المباني المدمّرة، تصبح وجوه السكان شاهدة على واقع واحد: فقدوا كل شيء، إلا حضورهم البشري الصامد، الذي يرفض أن يُمحى رغم النار والدمار.
The post نجاة المستهدف بشقة عين سعادة.. الحرب دخلت الأحياء السكنية appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.





