نار بلا توقف.. ماذا يعني تصعيد القتل اليومي في غزة؟
السبيل – خاص
لم يعد ما يجري في قطاع غزة مجرد تصعيد عابر أو رد فعل ميداني محدود، بل بات نمطاً يومياً من القتل المنهجي الذي تمارسه قوات الاحتلال الإسرائيلي بلا انقطاع، والذي أدى في يوم واحد (أمس الإثنين) إلى استشهاد 12 فلسطينيا، 10 منهم وسط القطاع، واثنان في الشمال.
الأرقام المتصاعدة للشهداء، وطبيعة الأهداف المستهدفة، وتكرار المشهد ذاته في أكثر من منطقة، كلها مؤشرات على تحول خطير في سلوك الاحتلال، من إدارة مواجهة عسكرية إلى فرض واقع دموي دائم على المدنيين، لا يمكن قراءته بمعزل عن سياق أوسع يتداخل فيه الميداني بالسياسي، والتكتيكي بالاستراتيجي.
القتل اليومي كسياسة ميدانية ممنهجة
ما يلفت الانتباه في هذا التصعيد ليس فقط عدد الضحايا، بل طبيعة الاستهداف نفسه. فإطلاق النار على مركبات مدنية، واستهداف دراجات كهربائية، وارتقاء شهداء في مناطق لا تشهد اشتباكات مباشرة؛ يعكس نمطاً متكرراً يتعامل مع المدنيين كأهداف مباحة.
والأخطر أن هذا القتل اليومي يتم في وضح النهار، وأمام عدسات الكاميرات، ما يعني أن الاحتلال لا يشعر بأي ضغط أو محاسبة، بل يتصرف بثقة كاملة في الإفلات من العقاب. وهذا بحد ذاته مؤشر على خلل عميق في البيئة السياسية والدولية التي تسمح باستمرار هذا السلوك.
وفي المحصلة؛ يمكن القول إننا أمام انتقال من “عمليات عسكرية محدودة” خلال فترة اتفاق وقف إطلاق النار؛ إلى “سياسة قتل” تُدار بشكل يومي بهدف ترسيخ واقع من الرعب الدائم في غزة، وكسر أي إحساس بالأمان لدى السكان.
بين الردع وكسر الإرادة
ولا يمكن فصل هذا التصعيد عن محاولة الاحتلال إعادة فرض معادلات ردع جديدة، بعد أن فشل في تحقيق حسم واضح خلال فترتي الحرب واتفاق وقف إطلاق النار. فالقتل اليومي هنا ليس فقط فعلاً ميدانياً، بل رسالة سياسية تقول إن الاحتلال قادر على الاستمرار في الضغط دون سقف.
لكن هذه الرسالة تحمل في طياتها اعترافاً ضمنياً بالفشل. فلو كان الاحتلال قد نجح في كسر إرادة المقاومة؛ لما احتاج إلى هذا النمط المتواصل من الاستهداف.
من جهة أخرى؛ يسعى الاحتلال إلى نقل المعركة من مواجهة مع المقاومة إلى استنزاف المجتمع المدني، عبر خلق حالة إنهاك نفسي واجتماعي مستمر. وتقوم هذه الاستراتيجية على الضغط المتراكم، على أمل أن يؤدي ذلك إلى إضعاف الحاضنة الشعبية للمقاومة.
غير أن التجارب السابقة تشير إلى أن هذه السياسة غالباً ما تأتي بنتائج عكسية. إذ أن الدماء اليومية بدل أن تكسر الإرادة؛ تعمّق حالة الغضب، وتعيد إنتاج دوافع المقاومة بشكل أشد، ما يجعل الاحتلال عالقاً في دائرة تصعيد لا يستطيع الخروج منها.
دلالات التوقيت ومستقبل المشهد
يأتي هذا التصعيد في ظل حالة من الجمود السياسي، وغياب أي أفق حقيقي للحلول، ما يدفع الاحتلال إلى استخدام الميدان كأداة لتعويض هذا الفراغ. بمعنى آخر؛ حين تفشل السياسة؛ يتقدم العنف ليملأ الفراغ.
كما أن هذا التصعيد يعكس محاولة لفرض وقائع جديدة على الأرض، قبل أي تحرك سياسي محتمل. فالاحتلال يسعى دائماً إلى تحسين شروطه التفاوضية عبر الضغط الميداني، حتى لو كان الثمن دماء المدنيين.
وفي المقابل؛ يحمل هذا السلوك مخاطر كبيرة على المدى المتوسط. فاستمرار القتل اليومي دون أفق واضح قد يؤدي إلى انفجار أوسع، سواء عبر تصعيد من قبل المقاومة، أو عبر انزلاق الوضع إلى مواجهة شاملة لا يمكن السيطرة عليها.
الأهم أن هذا المشهد يكشف حدود القوة العسكرية للاحتلال. فالقوة التي تحتاج إلى قتل يومي للحفاظ على حضورها؛ هي قوة تعاني من أزمة عميقة، وليست في موقع الحسم كما تدّعي.
The post نار بلا توقف.. ماذا يعني تصعيد القتل اليومي في غزة؟ appeared first on السبيل.





