ميزانية الغرف المغلقة
بقلم / عفاف الفرجاني
اليوم، وأنا أشاهد إقرار الميزانية، أخذني التساؤل بين رقم يُقال إنه يوحِّد، وواقع يُثبت أنه يُقسِّم.
ما وجدته ظاهرًا أن الميزانية الليبية الجديدة تبدو وكأنها اتفاق مالي، بينما حقيقتها أعمق بكثير؛ فهي، حسب تقديري، إعادة تشكيل للقرار السيادي خارج أعين الليبيين.
بعد أكثر من 13 سنة من الانقسام، يُعلن عن إنفاق مالي موحد، برعاية أمريكية وبحضور أطراف متنازعة تمثل شرق البلاد وغربها، بين حكومة عبد الحميد الدبيبة وحكومة أسامة حماد.
لكن السؤال الحقيقي ليس: هل توحَّدت الأرقام؟ بل: من الذي كتبها؟ ومن الذي صاغ أولوياتها؟ ومن الذي سيستفيد فعليًّا منها؟
حين تصل ميزانية دولة إلى أكثر من 200 مليار دينار، في بلد لا يتجاوز عدد سكانه 7 ملايين، فنحن لا نتحدث عن نقص موارد، بل عن خلل عميق في الإدارة. هذا الرقم يعني نظريًّا أكثر من 28 ألف دينار سنويًّا لكل مواطن، لكن المواطن لا يرى شيئًا من ذلك، لا في الخدمات، ولا في الاستقرار، ولا حتى في السيولة التي أصبحت أزمة يومية.
في سنة 2010، بلغت الميزانية نحو 59 مليار دينار، ورغم حجم المشاريع التي كانت ولاتزال أطلالها تشاهد إلي اليوم، كانت الدولة تسير ضمن إطار سيادي واضح. كانت الميزانية تُعرض على المؤتمرات الشعبية الأساسية في كل المدن، ثم تُناقش في المؤتمر الشعبي العام بشكل علني ومباشر، وكان المواطن حاضرًا في المشهد.
بعد 2011، قفزت الميزانية إلى نحو 68 مليار دينار في 2012، ثم استمرت في التضخم سنة بعد أخرى، دون أن يقابل ذلك تحسن حقيقي في حياة الناس. بل على العكس، تضاعفت الأزمات، وتراجع مستوى الخدمات، وأصبح الإنفاق يذهب في معظمه إلى الرواتب والدعم دون أثر تنموي واضح.
اليوم، تُقرُّ الميزانيات في غرف مغلقة، عبر تفاهمات سياسية وبرعاية خارجية، دون شفافية ودون رقابة شعبية حقيقية. وهنا تكمن المشكلة: ليس في حجم الإنفاق، بل في من يديره، ولصالح من يتم توجيهه.
الفرق ليس بين 59 مليارًا و200 مليار، بل بين دولة تملك قرارها ودولة يُدار قرارها من الخارج؛ بين ميزانية تُصاغ أمام الناس، وميزانية تُمرَّر باسمهم.
حين تكون النية وطنية، قد يكفي القليل لبناء دولة، أما حين تضيع السيادة، فلن تكفي خزائن الأرض كلها. وصرنا نتأرجح بين من يتصارعون على السلطة، ومن يتصارع مع لقمة العيش، وكأن الوطن ساحة لهم وعبء علينا.
The post ميزانية الغرف المغلقة appeared first on الموقف الليبي.





