ميثاق “وحدة الخطاب الإسلامي”.. هل ينجح في حماية السلم الأهلي
موفق الخوجة | وسيم العدوي
تحت شعار “العلم رَحِم بين أهله”، أطلقت وزارة الأوقاف السورية ميثاق “وحدة الخطاب الإسلامي”، لتضع قواعد أخلاقية لتنظيم العمل الديني في سوريا، التي تشهد تنوعًا غاب عنها لسنوات، بفعل دخول مدارس كانت محظورة، وانفتاح غير مسبوق.
هذا الانفتاح الديني، إلى جانب السياسي، نتجت عنه حوادث سلبية أثّرت على مسار السلم الأهلي، الذي شدد عليه الميثاق، ما استدعى قوانين ناظمة للعاملين بالمسار الدعوي في سوريا.
تناقش عنب بلدي في هذا الملف أبرز بنود الميثاق، فضلًا عن الظروف التي أدت إلى إنشائه، مستعرضة الحالة الدينية في سوريا قبل وخلال وبعد الثورة السورية، والتغيرات التي طرأت عليها.
كما تتطرق مع خبراء ومختصين لمسألة تأثير الخطاب الديني الدارج حاليًا على السلم الأهلي في سوريا، وتحديات الوصول إلى صيغة الاعتدال الديني، خاصة بعد أحداث عنف دموية شهدتها البلاد في الساحل والجنوب السوري.
قراءة في المؤتمر والميثاق
دعوة لضبط الفتوى وتنظيم المنابر..
أعلنت وزارة الأوقاف، في 16 من شباط الماضي، عن إطلاق ميثاق ضمن مؤتمر “وحدة الخطاب الإسلامي” بحضور مئات رجال الدين الإسلامي، والرئيس السوري، أحمد الشرع.
وبحسب ما ورد في الميثاق، فإنه جاء ثمرة ﻟﻮرﺷﺎت ﻋﻠﻤﻴﺔ وﺣﻮارﻳﺔ بين اﻟﻤﺪارس اﻟﻌﻠﻤﻴﺔ واﻟﺪﻋﻮﻳﺔ، بحضور أكثر من 1500 عالم ورجل دين إسلامي سوري.
ووفق ما جاء في تعريفه، ﻳﻌﺪ ﻫﺬا اﻟميثاق ﻋﻘﺪًا وﻃﻨﻴًﺎ ﺟﺎﻣﻌًﺎ لأﻫﻞ اﻟﻌﻠﻢ والدعاة من أهل السنة والجماعة في سوريا، بمختلف مدارسهم، ويهدف إلى توحيد كلمتهم في القضايا العامة، تحت مظلة الآية القرآنية “إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون”.
ويرى الشيخ الدكتور أحمد عبد الرحمن إبراهيم، إمام وخطيب ومدرس في مساجد دمشق وريفها، أن مؤتمر “وحدة الخطاب الإسلامي” يمثل خطوة مفصلية في سياق إعادة تنظيم الخطاب الديني في البلاد، بعد سنوات من التحديات الفكرية والاجتماعية التي انعكست على المنابر والمؤسسات الدينية.
أهمية المؤتمر لا تقتصر على كونه اجتماعًا علميًا للدعاة والخطباء، بل تكمن في كونه محاولة لوضع إطار مرجعي جامع يعيد توجيه الخطاب الديني نحو قضايا المجتمع والوطن، بحسب الدكتور إبراهيم.
وفكرة توحيد الخطاب الديني ليست طارئة في الفكر الإسلامي، بحسب إبراهيم، بل لها جذور في تجارب الإصلاح الديني التي ظهرت في مراحل مختلفة من التاريخ الإسلامي، عندما سعى العلماء إلى تحقيق مرتكزات أساسية تمثلت بـ:
- ضبط الفتوى.
- تنظيم المنابر.
- منع الفوضى في الخطاب الديني.
وقال الدكتور أحمد إبراهيم، إن المؤتمر السوري جاء في هذا السياق، مستندًا إلى إرث علمي طويل في مدارس الشام التي عُرفت تاريخيًا بـ”الاعتدال والانفتاح الفقهي”.
توحيد الخطاب.. بين الحاجة الراهنة وتجارب التاريخ
يعتبر الشيخ الدكتور أحمد عبد الرحمن إبراهيم، أن الدعوة إلى توحيد الخطاب الإسلامي جاءت استجابة لحاجة واقعية فرضتها الظروف التي مرت بها سوريا خلال السنوات الماضية، حيث تعددت مصادر الخطاب الديني وتباينت رسائله في بعض الأحيان، الأمر الذي استدعى، كما قال، “إعادة تنظيم هذا المجال ضمن إطار علمي واضح”.
وظهرت فكرة توحيد المرجعية الدينية في تاريخ الدولة الإسلامية بأكثر من مرحلة، ومن أشهرها تنظيم الفتوى والقضاء في العهدين العباسي والعثماني، عندما كانت هناك مرجعية علمية تضبط الفتوى وتحافظ على وحدة المجتمع.
وأضاف إبراهيم أن كتب السياسة الشرعية عند العلماء، مثل الإمام ابن تيمية في كتابه “السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية”، والإمام الماوردي في كتابه “الأحكام السلطانية”، تحدثت عن أهمية تنظيم الشأن الديني بما “يحقق مصلحة المجتمع ويحفظ الاستقرار”.
المؤتمر الذي عقدته وزارة الأوقاف السورية يمثل محاولة معاصرة لاستلهام هذه التجارب التاريخية، من خلال وضع وثيقة مرجعية تساعد الخطباء والدعاة على توحيد خطابهم ضمن منهج الاعتدال والوسطية.
أحمد ابراهيم
مدرس وإمام في مساجد بدمشق
توجيه الخطاب نحو بناء الدولة والمواطنة
يرى الشيخ الدكتور أحمد عبد الرحمن إبراهيم، أن من أبرز ما جاء في وثيقة المؤتمر هو التركيز على تحويل الخطاب الديني من خطاب جدلي حول الخلافات التاريخية إلى خطاب يركز على قضايا الحاضر وبناء الدولة والمجتمع.
وقال إن عددًا من المفكرين المعاصرين تحدثوا في كتبهم عن ضرورة الانتقال من “فقه الجدل” إلى “فقه العمران”، أي أن يكون الدين عاملًا في بناء الحضارة لا في تعميق الخلافات.
وتؤكد وثيقة توحيد الخطاب الإسلامي على شعار مهم هو أن الوطن للجميع تحت ظل الدولة والقانون، وهو مفهوم يرى الشيخ إبراهيم، أنه يتوافق مع مقاصد الشريعة التي تدعو إلى حفظ المجتمع وتحقيق العدالة بين الناس.
ويعتبر أن الخطاب الديني عندما يتوجه إلى قضايا التعليم والتربية والعمل والإصلاح الاجتماعي فإنه يصبح جزءًا من مشروع نهضة المجتمع لا مجرد خطاب وعظي تقليدي.
المدارس الدينية “المعتبرة” بحسب “الميثاق.. فقهيًا وعقائديًا
شدد الميثاق على الاعتراف بجميع المدارس “المعتبرة” في الفقه والعقيدة، ضمن أسس العلاقة بين المدارس الإسلامية.
المذاهب الفقهية.. مدارس اجتهادية ضمن إطار واحد
قال المدرس والشيخ إبراهيم، إن من أهم الخلفيات العلمية التي يجب أن يدركها الناس أن المذاهب الفقهية الأربعة عند أهل السنة والجماعة، نشأت في إطار علمي قائم على الاجتهاد في فهم النصوص الشرعية.
ويعد المذهب الحنفي الذي أسسه الإمام أبو حنيفة النعمان (ت 150هـ) من أقدم المذاهب الفقهية، أضاف إبراهيم، وقد انتشر في العراق وبلاد الشام وتركيا وآسيا الوسطى، ويعتمد في منهجه على القياس والاستحسان إضافة إلى النصوص الشرعية.
أما المذهب المالكي الذي أسسه الإمام مالك بن أنس (ت 179هـ)، فهو يعتمد بشكل كبير على عمل أهل المدينة كمصدر من مصادر الاستدلال، وقد انتشر تاريخيًا في شمال إفريقيا والأندلس.
وبالنسبة للمذهب الشافعي الذي أسسه الإمام محمد بن إدريس الشافعي (ت 204هـ)، قال الدكتور أحمد عبد الرحمن إبراهيم، إنه لعب دورًا مهمًا في تقعيد علم أصول الفقه من خلال كتابه الشهير “الرسالة”، بينما جاء المذهب الحنبلي الذي أسسه الإمام أحمد بن حنبل (ت 241هـ) ليؤكد التمسك بالنصوص الشرعية والحديث النبوي.
وهذه المذاهب الأربعة (رغم اختلاف اجتهاداتها)، أوضح الشيخ أحمد إبراهيم أنها تتفق جميعها في أصول الدين ومصادر التشريع الأساسية، ولذلك فإن الاختلاف بينها كان “اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد”.
المدارس العقدية.. الأشاعرة والماتريدية وأهل الأثر
يرى الشيخ الدكتور أحمد عبد الرحمن إبراهيم أن من الخلفيات المهمة لفهم الخطاب الديني معرفة المدارس العقدية الكبرى عند أهل السنة والجماعة.
مدرسة الأشاعرة التي أسسها الإمام أبو الحسن الأشعري (ت 324هـ) ظهرت للدفاع عن العقيدة الإسلامية باستخدام منهج يجمع بين النص والعقل، وقد انتشرت في كثير من بلاد العالم الإسلامي، بحسب ما بيّن ذلك الشيخ أحمد إبراهيم.
وقال إن مدرسة الماتريدية التي أسسها الإمام أبو منصور الماتريدي (ت 333هـ) ظهرت في بلاد ما وراء النهر، وكانت قريبة في منهجها من الأشاعرة مع بعض الاختلافات في المسائل الكلامية.
وفي الإطار ذاته، أكد الدكتور إبراهيم أن مدرسة أهل الأثر أو أهل الحديث تمثل الاتجاه الذي يركز على الالتزام بالنصوص الشرعية وفهمها وفق منهج السلف، وقد ارتبطت تاريخيًا بعلماء كبار مثل الإمام أحمد بن حنبل.
وتشترك هذه المدارس الثلاث في أصول الإيمان الكبرى، وقال إبراهيم، إن الخلاف بينها كان في “مسائل تفصيلية” ناقشها العلماء في كتب العقيدة والكلام، دون أن يؤدي ذلك إلى تكفير أو إخراج من دائرة أهل السنة والجماعة.
ضرورة تحري الدقة في نقل الأخبار والمعلومات
“المنبر الديني أمانة عظيمة”، والخطيب يجب أن يتحرى الدقة في نقل الأخبار والمعلومات، خاصة في زمن تنتشر فيه الأخبار بسرعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وفق ما قاله الشيخ الدكتور أحمد عبد الرحمن إبراهيم.
وقد وضع العلماء قاعدة منهجية في نقل العلم هي: “إذا كنت ناقلًا فالصحة، وإذا كنت مدعيًا فالدليل”، ويعتبر المدرس في مساجد دمشق وريفها، أن هذه القاعدة لا تزال صالحة لتنظيم الخطاب الديني والإعلامي في العصر الحديث.
وأضاف أن نجاح مشروع توحيد الخطاب الإسلامي يعتمد على تكامل جهود العلماء والمؤسسات الدينية، حتى يبقى الخطاب الديني في سوريا خطابًا معتدلًا يعبر عن روح الإسلام “السمحة” ويحافظ على وحدة المجتمع واستقراره.

الرئيس السوري أحمد الشرع يصافح مفتي الجمهورية الشيخ أسامة الرفاعي في مؤتمر توحيد الخطاب الإسلامي – 16 شباط 2026 (سانا)
الأشعرية والماتريدية ومكانتهما في أهل السنة
يرى الدكتور عبد القادر محمد الحسين، من مركز “إحياء علوم الدين”، في تسجيل مصور بمناسبة صدور وثيقة “توحيد الخطاب الإسلامي”، أن الأشعرية والماتريدية يمثلون مدارس راسخة ضمن إطار أهل السنة والجماعة، أما مسألة إدراج أهل الحديث (الأثرية) ضمن هذا الإطار فتحتاج إلى مزيد من الإيضاح والتفسير.
وشكلت إضافة المدرسة “الأثرية” إلى جانب الأشعرية والماتريدية في الميثاق، مثار نقاش بين المشايخ السوريين، إذ إنها المدرسة الوحيدة التي خرجت عن إطار المدارس التقليدية في سوريا، والتي ينتمي إليها معظم السوريين.
ويطرح الشيخ الحسين في هذا السياق سؤالًا: هل يمكن استبعاد علماء كبار مثل ابن عساكر والبيهقي وشيخ الإسلام النووي وشيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني والإمام ابن الصلاح من أهل الحديث، متسائلًا، “وإذا لم يكن هؤلاء جميعهم من أهل السنة والجماعة فمن يكون”.
كما أشار إلى أن مدارس أهل السنة والجماعة متعددة، ولا سيما في موقفها من الصحابة، وأن الحنابلة يعدون من أهل السنة، وكذلك التيار السلفي الوهابي من حيث الانتساب العام، غير أن الإشكال يظهر عندما يطرح بعضهم خطابًا إقصائيًا يقوم على قاعدة مفادها: “اجتهادي هو سيف يقطع ألسنة سائر المجتهدين”.
وفي هذا الإطار يتساءل أيضًا: هل كانت لدى أهل السنة والجماعة مشكلة مع ابن تيمية تدفعهم إلى محاولة إزالته؟
ويجيب بأن المشكلة لم تكن في وجوده، بل في الخطاب الاستئصالي الإقصائي الذي جاء به، حتى إن المدرسة الحنبلية نفسها لم تأخذ بجميع آرائه في مسائل الصفات أو في موقفه من الأشاعرة، وقد صرح الإمام السفاريني، وهو من كبار الحنابلة، بأن أهل السنة والجماعة ثلاث مدارس.
أهل الحديث والخلاف مع السلفية المعاصرة
تظهر الإشكالية، بحسب طرح الشيخ محمد الحسين، عندما يُراد جعل “أهل الحديث” زمرة خاصة، لأن بعض المنتسبين إليها تورطوا في الطعن بالأشعرية التي تعد جزءًا من أهل السنة والجماعة، وهو أمر لا يُقبل، مؤكدًا أن أهل الحديث كانوا ولا يزالون جزءًا من المدرسة الإسلامية الواسعة.
كما لفت إلى أن السلفية المعاصرة وضعت قواعد خاصة في العقيدة، وأدخلت فيها مسائل فقهية مثل اعتبار التبرك بالقبور أو التوسل بدعة، وأشار إلى أن بعض من يخالف هذه الرؤية يُتهم بـ”القبورية”، رغم ثبوت التبرك بقبور الصالحين عند علماء كبار مثل ابن حبان وابن خزيمة، ما يقتضي قبول المدرسة الواسعة لأهل الحديث وعدم حصرها في اتجاه واحد.

الرئيس السوري أحمد الشرع يصافح مفتي الجمهورية الشيخ أسامة الرفاعي في مؤتمر توحيد الخطاب الإسلامي – 16 شباط 2026 (سانا)
مواجهة خطاب التكفير والتطرف
أكد الدكتور عبد القادر محمد الحسين أن موقفه يقوم على اجتناب التعصب، وأنه لا يملك مصالح سياسية مع الدولة السورية القديمة أو الجديدة، وأنه “لا يخشى في الله لومة لائم”، مشيرًا إلى أن الدافع الأساسي لخطابه كرجل دين، كان ما حدث عندما دخل تنظيم “الدولة الإسلامية” إلى سوريا عام 2014.
فقد أجبر التنظيم، بحسب الحسين، كثيرًا من أتباع المدارس الإسلامية المختلفة، مثل الأشاعرة والماتريدية وأتباع المذاهب الفقهية كأبي حنيفة والشافعي، وكذلك أتباع الطرق الصوفية كطريقة أبي الحسن الشاذلي أو النقشبندية، على التبرؤ من مدارسهم والاعتراف بالكفر، بل وأجبر بعضهم على إعلان أنهم دخلوا الإسلام من جديد.
وأشار إلى أن هذا التنظيم أعلن معارضته للدولة السورية وله خلايا، كما كفّر الأشاعرة واتهمهم بالابتداع في الدين، وهو ما شكّل خطرًا حقيقيًا على وحدة المسلمين وعلى استقرار المجتمع.
دعم الدولة ووثيقة “وحدة العالم الإسلامي”
قال الدكتور الحسين، إن سجن “تدمر” وغيره من السجون السورية سيئة الصيت، ضمّت سجناء من مختلف المكونات الإسلامية، وكان العدد الأكبر منهم من أتباع المذاهب الأربعة والأشاعرة والماتريدية وأهل الحديث.
ومن بين هؤلاء العلماء ذكر الشيخ هاشم المجذوب، والشيخ سعيد حوّى، والشيخ حسن حبنكة الميداني، والشيخ أديب غيلاني الذي توفي في مواجهة مع النظام.
وأكد أن هؤلاء العلماء كانوا من الصوفية والأشاعرة، وليسوا من الوهابيين أو السلفيين، ما يدل، بحسب طرحه، على تنوع التيارات الإسلامية التي عانت من القمع في تلك المرحلة.
في ضوء ذلك، أكد الدكتور الحسين دعمه للجهود التي تبذلها الدولة السورية في محاولة رأب الصدع وجمع الصفوف في مواجهة التحديات والأعداء، وشدد على أهمية السلم الأهلي بين جميع مكونات الشعب السوري.
كما ثمّن الجهود التي بذلتها وزارة الأوقاف والمفتي العام، والرئيس السوري، أحمد الشرع، في إنجاز ميثاق “وحدة العالم الإسلامي”، معتبرًا أنه خطوة مهمة ينبغي تطبيقها عمليًا.
المشهد الديني في سوريا.. مراجعات وجنوح نحو الاعتدال
تغير المشهد الديني في سوريا بشكل كبير بعد سقوط النظام السوري السابق، فبعد أن اقتصر على المدارس التقليدية، التي تتخذ طابعًا صوفيًا، وتعتمد العقيدة الأشعرية، ظهرت مدارس أخرى، تتبع المنهج السلفي، أو يقاربه، من اليمين واليسار، وصولًا إلى التيار الجهادي المتشدد.
هذه المدارس، غير القليدية، كانت غائبة عن المشهد الديني في سوريا خلال عهد النظام السابق، حيث ضيّق الأخير الخناق عليهم، وزجّ معظمهم في السجون، مما أدى إلى ظهور تيارات أكثر تشددًا، كانت تعمل في الخفاء، ضمن تنظيمات أو فرادًا، غير أنها عادت للظهور بشكل ملحوظ مع بداية الثورة السورية وتسلحها في عام 2012.
ومع تشكل ما سمي حينها بـ”المناطق المحررة” التي ضمت مناطق نفوذ المعارضة السورية المسلحة، ظهرت هذه المدارس بشكل جلي وسيطرت على المشهد الديني، إذ انتمى معظم قادة الفصائل لهذه المدارس، ومن أبرزها، نواة السلطة الحالية، السياسية والعسكرية، المتمثلة بـ”هيئة تحرير الشام”، والتي كان يقودها الرئيس السوري، أحمد الشرع، بالإضافة إلى فصائل تقترب منها في المنهج، مثل “حركة أحرار الشام” و”نور الدين الزنكي” وغيرهما التي تباينت في بعض الأفكار، إلا أنها اجتمعت على مبدأ السلفية الجهادية، مع اختلاف درجات الاعتدال والتشدد.
ويجمع هذه الفصائل المنهج الذي اعتمدته، والذي ضم أدبيات معينة، أبرزها عقيدة “الولاء والبراء”، التي تحتم على معتنقها أن يوالي أبناء مذهبه السني، ويتبرأ ممن يخالفه، إلا أن هذه البراءة اختلفت المدارس في تفسيرها، بين من يراها بشكل سملي، في حين جنحت تيارات أكثر تشددًا إلى منحى عنفي، يصل إلى قتل أبناء الطوائف الأخرى، لا سيما تنظيمات مثل تنظيمي “الدولة الإسلامية” و”القاعدة” ومن قاربها فكريًا.
واختلفت هذه الأدبيات عما اعتادته المدارس المشيخية التقليدية، التي كان يحاول النظام السابق قيادتها وتسويقها على أنها مثال الإسلام المعتدل الصحيح، التي كانت تبتعد عن الخوض في المسائل السياسية، بينما اقتصر جدالها العقدي على مناظرات ومؤلفات، مبتعدة عن السلاح.
بالمقابل، فإن العديد من الفصائل، ومنظري التيارات ذات الطابع السلفي، أجروا مراجعات فكرية خلال سنوات الثورة، أبرزها ما أعلنته “حركة أحرار الشام”، وما جرى من اعتذار القيادي “أبو يزن الشامي”، الذي يعتبر مهندس الحركة (قتل في تفجير قادة حركة أحرار الشام، في 9 من أيلول 2014).
“الشامي” اعتذر عن إدخال الشعب السوري في معارك “دونكيشوتية” بسبب تعنتهم بمنهج السلفية الجهادية وانغلاقهم عن بقية التيارات في سوريا، ما أشار حينها إلى تغيير جذري في البنية الفكرية للحركة، وهو ما جرى أيضًا لفصائل أخرى.
بالنسبة إلى “هيئة تحرير الشام”، لم يكن التغيير معلنًا، بل جاء بشكل تدريجي، حيث فكت بيعتها بداية بتنظيم “القاعدة” عام 2016، ثم ضمت إلى صفوفها فصائل أقل تشددًا، مثل “جيش الأحرار” (منشق عن حركة أحرار الشام).
كما أبدت “الهيئة” مرونة في أيامها الأخيرة، لا سيما خلال معركة “ردع العدوان” التي انطلقت في 27 من تشرين الثاني 2024، وأطاحت بحكم الأسد في 8 من كانون الأول في العام ذاته.
وخلال المعركة، أرسلت “إدارة العمليات العسكرية” (الجسم الذي أدار دفة المعركة) رسائل طمأنة للطوائف والأديان في سوريا، لا سيما الشيعة والمسيحيين، مما وشى بنقلة نوعية في البنية الفكرية لأحد أبرز الفصائل الجهادية في المنطقة.
بعد سقوط النظام.. صراع مع الأقليات والصوفية
هل يهدد الخطاب الديني السلم الأهلي؟
بعد سقوط النظام، وسيطرة فصائل “ردع العدوان” على معظم البلاد، انفتحت المحافظات على بعضها، واصطدمت المدارس ببعضها، فالمدرسة السلفية كان يقتصر نشاطها على “المناطق المحررة”، في حين انخفض عمل التيار المشيخي التقليدي في مناطق المعارضة، أو اندمج معها، مشكّلًا مدارس بين المنهجين.
وبعد تسلم الإدارة الجديدة للحكم في سوريا، بادر أبناء المدرسة التقليدية إلى إظهار الولاء للسلطة، كما أن الأخيرة لم تجافيهم، بل منحتهم مناصب ضمن وزارة الأوقاف، أو مجلس الإفتاء الأعلى في سوريا، لا سيما المفتي العام للجمهورية، الشيخ أسامة الرفاعي، بل تعدى الأمر إلى منح مناصب لبعض المشايخ الذين كانوا في مناطق سيطرة النظام.
وبالرغم من ذلك، حدثت بعض الصدامات بين أتباع المنهج السلفي والأشاعرة، لكنها كانت على مستوى محدود، أبرزها ما حدث للشيخ محمد خير الشعال، الذي تعرض للطرد من مساجد في ريف دمشق.
قال الدكتور أحمد عبد الرحمن إبراهيم، إن المجتمعات التي تمر بأزمات أو صراعات تحتاج إلى مؤسسات قادرة على إعادة بناء الثقة بين الناس، وقد كان العلماء عبر التاريخ يلعبون دورًا محوريًا في هذا المجال.
ويرى أن كتب التاريخ الإسلامي تذكر نماذج عديدة لعلماء قاموا بدور الوساطة الاجتماعية وإصلاح ذات البين، ومنهم علماء الشام الذين كانوا يتدخلون لحل النزاعات بين الناس أو بين الفئات المختلفة داخل المجتمع السوري الواحد.
ويؤكد التراث الإسلامي نفسه على هذا الدور، بحسب إبراهيم، مستشهدًا بالآية القرآنية: “لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس”، وهو ما يراه أساسًا شرعيًا لدور العلماء في ترميم العلاقات الاجتماعية.
مؤتمر “توحيد الخطاب الإسلامي” ركز على هذه النقطة تحديدًا، أضاف الشيخ أحمد عبد الرحمن إبراهيم، إذ دعا إلى خطاب ديني يسهم في تعزيز السلم الأهلي ويبتعد عن إثارة الخلافات المذهبية أو الطائفية.
الباحث والكاتب حسام جزماتي، أشار إلى أن الخطاب الديني التقليدي السابق في سوريا حمل اختلافات بين المذاهب، من الناحية العقائدية والسياسية، إلا أن هذا الخلاف لا يثمر عادة عن تحركات دموية.
“فزعات” الساحل والسويداء
على جانب آخر، نشبت أحداث دموية، ذات بعد طائفي ومذهبي، بعضها على يد عناصر ينتمون للدولة، وبعضها الآخر على شكل “فزعات” من مدنيين ناصروا الحكومة، ما أدى إلى حدوث انتهاكات في صفوف المدنيين.
ناشطون أرجعوا سبب هذه الانتهاكات إلى الخطاب الديني السائد في سوريا، الذي تخللته دعوات ذات بعد طائفي، تحرض على الأقليات، من منطلق “المظلوميات” من جهة، ومن منطلق عقائدي من جهة أخرى.
من جانبها، ركزت وزارة الأوقاف في الميثاق الذي أصدرته خلال مؤتمر “وحدة الخطاب الإسلامي” على عصمة الدم وعدم جواز استحلال الدماء والأموال والأعراض تحت أي ذريعة فكرية أو مذهبية.
كما جاء ضمن السمات العامة للميثاق أنه: “ﺧﻄﺎب ﻋﻤﻠﻲ ﻳﺮﺑﻂ اﻟﺪﻋﻮة واﻟﺘﻌﻠﻴﻢ ﺑﺨﺪﻣﺔ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ واﻟﺘﻨﻤﻴﺔ، وإﻗﺎﻣﺔ اﻟﻌﺪل وﺗﻌﺰﻳﺰ السلم الأهلي، وﺗﺮﺳﻴﺦ ﻗﻴﻢ المواطنة اﻟﺼﺎﻟﺤﺔ التي أﻣﺮ ﺑﻬﺎ الإسلام”.
الباحث والكاتب حسام جزماتي، أكد في حديث إلى عنب بلدي، أن الخطاب الديني السائد حاليًا في سوريا هو أحد الأسباب الرئيسة في أعمال العنف التي حصلت بعد سقوط النظام السابق.
وقال إن سنوات الثورة صعدت خطابًا ذا طابع جهادي وسلفي متشدد، كان أحد أجزاء التحريض ضد العلويين وثم الدروز وصولًا إلى الكرد، الذين كانوا يصفونهم بـ”الملاحدة”، إذ يقولون إنهم يقصدون المرتبطين بحزب “العمال الكردستاني” (PKK).
بالمقابل، لا يمكن أبدًا إغفال العامل السياسي، وفق جزماتي، وخاصة أن دوامة العنف بدأت تجاه العلويين، بصيغة أنهم فلول الرئيس المخلوع، بشار الأسد، وتركة “نظام البراميل”، الذين يريدون أن يرجعوا البلد لـ”صيدنايا”، وفق تعبير أصحاب هذا الخطاب.
كما أن العامل الثأري كان مؤثرًا، لأن كثيرًا من الناس رأوا أن العدالة الانتقالية لم تأخذ مجراها بالدرجة الكافية والمطلوبة، فبالتالي قرروا أن يتصرفوا بأيديهم عندما أتيحت لهم الفرصة، وحصلت الفزعات.
مجموع هذه العوامل، إضافة إلى الاعتداد الذي يشعر فيه العربي السنّي، خلال نحو عام ونصف من سقوط النظام، هذا الاعتداد يجعلهم متعالين على الآخرين، ويستسهلون إهانتهم وقتلهم والاعتداء على حقوقهم، وفق جزماتي.
هل تغاضت الحكومة عن الخطاب التحريضي؟
تعرضت الحكومة لاتهامات بالتغاضي عن الخطاب التحريضي أو تسهيله، والذي نتجت عنه الأحداث الدامية، لا سيما في الساحل السوري والسويداء، خاصة أن هذا الخطاب صدر من شخصيات دينية ضمن الحكومة أو محسوبة عليها، ولم تتعرض لأي مساءلة.
من جانبه، يعتقد جزماتي أن الحكومة تغاضت أو استعانت بأصحاب خطاب الكراهية كجماعات رديفة لها في معركتين، الأولى تجاه العلويين والثانية باتجاه الدروز، التي شهدت فزعة عشائرية مخصصة.
لكن الفوضى التي نتجت عن ذلك والانتهاكات الكبيرة والمجازر أوقعت الحكومة في حرج خارجي، في حين أن الأخيرة تركز دائمًا على الخارج أكثر ما يكون عينها على الداخل، فتحاول علاج الملفات التي تسبب لها حرجًا داخليًا، وفق جزماتي.
هذا الخطاب الديني الذي كانت تحمله الحكومة أصلًا عندما كانت سابقًا في “هيئة تحرير الشام” والفصائل المتحالفة معها بشكل وثيق، هو خطاب كراهية ضد الطوائف الأخرى الموجودة في سوريا، ولكن هذا انقلب بشكل شبه كلي مع عملية “ردع العدوان” وما تلاها، لأنهم أدركوا أن العالم لن يقبلهم بصيغتهم، وبالتالي، فهم متعجلون إلى إنشاء الصيغة المعتدلة.
حسام جزماتي
باحث وكاتب سياسي
بذات الوقت، يرى جزماتي أن هذا التحول ليس سهلًا، لأن عددًا كبيرًا من العناصر والكوادر، وعلى مستويات عديدة، وحتى القادة، مشكّلون فكريًا على طريقة معينة، (يشير إلى أنهم ينتمون إلى التيار السلفي الجهادي).
فالحكومة الآن تريد فعلًا تغيير هذا الخطاب الديني، حفاظًا على السلم الأهلي، وفق ما يراه جزماتي، وبنفس الوقت تؤيده من الباطن نسبيًا، لأنه يشكل “عصًا غليظة” يلوح فيها بالخفاء ضد الأقليات الطائفية في سوريا، بالتالي، فإن نيتها في تحقيقه ليست صافية بالكامل، لأن التأسيس النظري الذي كان يعطى للعناصر بالدورات الشرعية للذين انتسبوا لـ”هيئة تحرير الشام” لا ينسجم مع هذا الطرح.
وقال إن الحكومة تتكلم دائمًا بفكرة الانتقال من عقلية الثورة إلى عقلية الدولة، “لكن لا أدري إذا كان هذا كافيًا لإعادة برمجة الآلاف، أو ربما عشرات الآلاف من الأشخاص الذين تعتمد عليهم، والذين يتسلمون مناصب في وزارتي الدفاع والداخلية، والمناصب المدنية، بمقابل أشخاص جدد، منسجمين مع المشروع الذي يطلبه الغرب”.
السلم الأهلي والتعايش بين مكونات المجتمع
يشدد الخطاب في مؤتمر “وحدة الخطاب الاسلامي” على أن السلم الأهلي مسؤولية مشتركة تقع على عاتق جميع مكونات الشعب السوري.
وقال الدكتور عبد القادر محمد الحسين، من مركز “إحياء علوم الدين”، إن هذا المؤتمر يتابعه أيضًا غير المسلمين من أبناء الوطن السوري، الذين يُنظر إليهم باعتبارهم مواطنين وشركاء في الوطن.
وأكد أن الاختلاف الديني مع غير المسلمين واضح وصريح، ولا مجال للمجاملة فيه، مستشهدًا بالآية القرآنية: “لكم دينكم ولي دين”، ومع ذلك، فإن هذا الاختلاف لا يمنع من التعاون المشترك في إطار المواطنة.
كما دعا إلى التعايش السلمي بين جميع المكونات الدينية والمذهبية في سوريا، وحتى مع الفرق التي شهد التاريخ بينها وبين المسلمين صراعات وعداوات، ما داموا اليوم يقبلون العيش شركاء في الوطن ولا يشكلون خطرًا على الدين.
ضرب الدكتور الحسين مثالًا بالدروز والعلويين، مشيرًا إلى أن التاريخ شهد بين المسلمين وبينهم مشكلات كثيرة، كما توجد بينهم أنفسهم خلافات حادة، إلا أن الأوضاع هدأت في الوقت الحاضر.
وأكد أنهم لا يسعون اليوم إلى فرض دين جديد داخل الإسلام لمحاربة المسلمين، كما أن المسلمين لا يسعون إلى إزالتهم أو محوهم من الوجود، وهو أمر غير ممكن أصلًا، ولا يرتضيه المسلمون ولا يقبلون به.
وأشار إلى أن التاريخ العثماني شهد أشكالًا من التعايش، حتى إن بعض الأمراء في الدولة العثمانية كانوا من الدروز حتى عصور متأخرة، رغم أن بعضهم “خان” الدولة العثمانية في مراحل معيّنة.
وحدة المجتمع والتنوع الحضاري في سوريا
أكد الحسين أن الوحدة الوطنية والسلم الأهلي يجب أن يشملا جميع المكونات، وليس المسلمين فيما بينهم فقط، وضرب مثالًا بالشيعة، مشيرًا إلى أن الخلافات التاريخية لا تعني بالضرورة الصراع الدائم، خاصة إذا كان الطرف الآخر مسالمًا ولا يحمل السلاح.
واستشهد بالقاعدة القرآنية: “لا إكراه في الدين”، مؤكدًا أنه لا يمكن إجبار أحد على اعتناق الإسلام إن كان من دين آخر، فكيف بمن هو مسلم لكنه يختلف في بعض الأمور أو الاجتهادات.
ويعتبر هذا المؤتمر خطوة في الاتجاه الصحيح، مع التأكيد على أن الناس ينتظرون الأفعال لا الأقوال، وأن الدولة السورية، بحسب رأي الحسين، لا تسعى إلى الفتنة بل إلى تجنبها.
سوريا كنموذج للتنوع الديني
وصف الدكتور الحسين التنوع الديني الموجود في سوريا بأنه تنوع حضاري مفرح، ويشبه المجتمع السوري بنسيج فسيفسائي واحد يجمع الأفكار والأصناف والألوان المختلفة، مؤكدًا أنه لا يمكن لأي طرف أن يفرض فكره ورأيه على الآخرين أو أن يلغيهم من الوجود، لأن طبيعة المجتمع السوري قائمة على التعدد.
كما انتقد محاولات بعض الأطراف وضع الأشاعرة والصوفية والماتريدية وأتباع المذاهب الأربعة جميعًا في سلة واحدة، واتهامهم بالولاء للنظام السابق، معتبرًا ذلك ظلمًا كبيرًا، حيث عانى الكثير من شيوخهم وأئمتهم في مواجهة النظام وأتباعه.




