ميراث الصدمة: شذرات من «اللي باقي منك»
تبدأ الحكاية بمراهق يخرج للتظاهر، ثم ننتقل إلى امرأة بوجه متعب وغامض تقول: «عشان أحكيلك قصة ابني، لازم أحكيلك قصة سيدُه». هُنا نعود في الزمن إلى داخل بيتٍ جميل لعائلة فلسطينية في يافا عام 1948. مع النكبة، تُقتلع العائلة وتلجأ إلى مخيّم في نابلس، ثم ننتقل إلى الانتفاضة الأولى حيث يصل الفيلم إلى ذروة مأساوية حين يُصاب الابن برصاصة في الرأس، وتُجبر العائلة على نقله إلى مستشفى في حيفا، حيث تأتي صدمة استحالة إنقاذه، فيُطرح خيار التبرع بأعضائه، ليصبح الجسد الفلسطيني محورًا مركزيًا للصراع.
منذ بداية الفيلم نُدرك أن الحكاية ليست عن فرد، بل عن امتداد عائلي وتاريخي يبدأ بالنكبة عام 1948 في يافا، وصولًا إلى اللحظة المعاصرة المجسّدة في الفيلم في 2022. هذه الأزمنة الثلاثة لا تشكّل مجرد خلفية لفيلم «اللي باقي منك»، من إخراج شيرين دعيبس، بل تُشكل الشخصيات وعلاقاتها وانفعالاتها.
شاهدتُ الفيلم في مسرح السرايا في يافا، المدينة التي تنطلق منها الحكاية أصلًا، وكأن التجربة لم تكن مشاهدةً لفيلم فقط، بل عودةً إلى مكان ما زال يسكن الذاكرة الجماعية رغم كل ما مرّ عليه. هذا التفصيل المكانيّ أضاف بعدًا آخر للفيلم؛ فالحكاية لا تمتد فقط من 1948 إلى 2022، بل تمتد رمزيًا إلى لحظة المشاهدة نفسها، في فلسطين اليوم، حيث لا تزال الأسئلة ذاتها معلّقة: ماذا يعني أن نكون أبناء هذا التاريخ؟ وكيف تُورَّث الصدمة، والانكسار، والقدرة على الاستمرار؟
ضد عزل «الجيل» عن سياقه
أجمل ما في الفيلم أنه يُعيد الاعتبار لأهمية السياق التاريخي في فهم الفرد. في فلسطين، لا يمكن أن تتعرّف إلى شخص دون أن تعرف شيئًا عن جدّه وعن قريته وعن شكل الفقد الأول في العائلة. وهذا يتناقض جذريًا مع النظرة المعاصرة التي تتعامل مع «الجيل» كوحدة تحليلية منغلقة على ذاتها، حيث يُختزل الإنسان في فئته العمرية: مراهقون، شباب، كبار سن، وتُبنى على هذا الأساس خطابات ثقافية كاملة، ومشاريع، وتمثيلات فنية، وكأن العمر هوية قائمة بذاتها ومنفصلة عن التاريخ والسياسة والطبقة والاستعمار.
هذا المنطق ليس بريئًا، بل يلتقي مع نقد فوكو للفلسفات التي شكّلت أرضية السلطة الحديثة، حيث يصبح التصنيف، والقولبة، والضبط، أدوات مركزية في إدارة المجتمعات، ومعها يتحول العمر إلى هوية منزوعة السياق، ليصبح من السهل تفكيك المجتمع إلى فئات «تديرها» سياسات وخطابات مختلفة.
الأسوأ أن هذا الخطاب يُعولِم تجربة العمر، فيُفترض أن القواسم المشتركة بين مراهق فلسطيني وآخر نرويجي أكبر من القواسم المشتركة بين هذا المراهق وجدّه الذي عاش النكبة واللجوء والانتفاضات. هنا تُقتلَع التجربة من جذورها السياسية والاستعمارية، وتحوّل إلى تجربة نفسية فردية عامة.
في السياق الفلسطيني، هذه ليست ظاهرة اعتباطية. في الانتفاضة الأولى، عندما تعامل العقل الاستشراقي الإسرائيلي مع الفلسطينيين اعتمدت الإدارة العسكرية على البنية التقليدية كالعائلات والمخاتير في إحكام سيطرتها على المجتمع لفترة غير قصيرة، وهو المنطق ذاته المكرّس قبلها في تشكيل روابط القرى، حيث استُخدِم رجال العائلات والآباء في السيطرة على أبنائهم، الأمر الذي أدى إلى انسلاخ الشاب الفلسطيني عن جذوره الأسرية وساهم في خلق شروخ داخل البنية الاجتماعية نفسها، وأعاد إنتاج صراعات داخلية على أساس الطاعة والتمرد. لاحقًا، بعد أوسلو، حلّت الخطابات النيوليبرالية مكان الخطاب الوطني الجامع، وبدأ «الشباب» يُقدَّمون كفئة لها مشاكلها الخاصة التي يُفترض حلها عبر المبادرة الفردية والمشاريع الريادية، لا عبر التغيير السياسي البنيوي. وهكذا يُعاد إنتاج الفرد ككائن ليبرالي معزول، مطالب بأن «ينجح» بدل المطالبة بتغيير النظام.
ما يفعله الفيلم بذكاء هو إلغاء هذه القطيعة المصطنعة بين الأجيال. لا يعرض المراهق كفرد منفصل عن تاريخه، بل كامتداد لجراح لم تبدأ معه. الانتفاضة ليست «حدث جيل»، بل لحظة انفجار لتاريخ مكبوت. وبهذا، يقدّم الفيلم طرحًا مضادًا للخطاب السائد: إذا أردنا فهم أي فئة عمرية، فعلينا قراءتها داخل تناقضات الواقع السياسي والاجتماعي والطبقي، لا خارجها.
الاستعمار كجرح نفسي بين الأب والابن
من أكثر المشاهد قسوة في الفيلم تلك التي يرى فيها الابن والده عاجزًا أمام الجنود، منصاعًا للأوامر، غير قادر على حماية نفسه أو حماية ابنه. هنا لا نتحدث فقط عن عنف مباشر يمارسه الاستعمار، بل عن عنف عميق يُصيب العلاقة بين الأب والابن في صميمها. في المخيال النفسي والاجتماعي، ليس الأب مجرد شخص، بل هو رمز للحماية وللأمان. حين يُكسر هذا الرمز أمام عين الطفل لا يُكسر الفرد فقط، بل تُكسر بنية نفسية كاملة.
لا يكتفي الاستعمار هنا بإخضاع الجسد، بل يتسلل إلى البنية العاطفية للعائلة. يهزّ صورة الأب، ويزرع في الابن شعورًا بالعار والخذلان والارتباك: كيف يمكن لمن يفترض أن يكون مصدر الأمان أن يبدو ضعيفًا إلى هذا الحد؟ وما أثر هذا على الأب الذي يعيش إذلالًا مركبًا: إذلال أمام الجنود، وإذلال مضاعف أمام ابنه الذي يشهد هذا الانكسار. هذا الشرخ لا يمرّ دون أثر، بل يتحول إلى جرح نفسي عابر للأجيال.
يمكن قراءة هذا المشهد من منظور علم النفس التحرري بوصفه مثالًا على كيفيّة إنتاج الاستعمار صدمات لا تُختزل في التجربة الفردية، بل تُعاد صياغتها داخل العلاقات الحميمية نفسها. العلاقة بين الأب والابن تصبح مسرحًا لإعادة تمثيل علاقات القوة الكبرى في المجتمع. فالسلطة التي تُمارَس على الأب تُعاد صياغتها داخليًا كعجز، كغضب مكبوت، أو كصمت طويل، وكلها أشكال من التكيّف القسري مع واقع لا يمكن تغييره بسهولة. وهنا لا يقدم الفيلم الشرخَ بوصفه فشلًا أخلاقيًا للأب، بل نتيجة مباشرة لبنية استعمارية تهدف تحديدًا إلى تفكيك الروابط الاجتماعية والنفسية التي تمنح الأفراد معنى وقوة. وهنا تكمن قسوة المشهد: لا يواجه الابن فقط جنودًا على الحاجز، بل يواجه انهيار صورة كان يحتاجها ليبني إحساسه بذاته وبالعالم.
الجد شاهدًا على مهزلة التاريخ
يحمل التحوّل في شخصية الأب عبر الزمن، من آدم بكري في بداية الفيلم إلى محمد بكري في دور الجد، بعدًا نفسيًا وسياسيًا بالغ العمق. فالرجل الذي كان رزينًا، متمسكًا باللغة، رافضًا للألفاظ البذيئة، يتحول إلى شخصية ساخرة، فظة، تستعمل لغة حادة ومشحونة. هذا التحوّل لا تمكن قراءته فقط كتقدّم طبيعي في العمر أو كتحلّل أخلاقي، بل كأثر تراكمي لصدمة تاريخية لم تُحلّ.
تبدو شخصية الجد في الفيلم وكأنها تعيش حالة تثبيت (fixation)، والتثبيت مصطلح نفسي يشير إلى بقاء الفرد عالقًا نفسيًا في مرحلة زمنية لم تُستكمل فيها عملية التكيّف. في حالة الجد، هو عالق في لحظة 1948: يافا، بيارة البرتقال، البيت الذي لم يعد. أمّا السنوات التي تلت فإنها لا تُمحى، لكنها لا تتحول إلى «ماضٍ» مكتمل، بل تبقى كحاضر دائم. نرى هذا في مشهد يبدو فيه محمد بكري مرتبكًا في ساحة بيته في نابلس، مُعتقدًا أنه في بيته في يافا، حيث نعتقد أنه يعاني من الاَلزهايمر ومشاكل في الذاكرة. في هذا السياق، تمثّل مشاكل الذاكرة عَرَضًا سياسيًا لا عرضا صحيًا: الذاكرة لا تتآكل، بل ترفض أن تنتقل إلى زمن آخر.
هذه الحالة لاحظتها أيضًا في تجارب التوثيق الشفوي مع أشخاص عايشوا النكبة، حيث يتكرر النمط نفسه: الزمن عالق في سنة 1948. أتذكر حين سألت المرحومة حليمة خداش عن عمرها قالت: «لما طلعت من قريتي كان عمري 11، وهلّقيت مش متذكرة قديش صار». كأن الزمن توقّف عند تلك اللحظة، وكل ما بعدها أصبح امتدادًا مشوّشًا لها.
وضمن النمط نفسه من التثبيت نرى الجد يتحدث عن يافا وعن بيته في يافا وكأنه واقعٌ ما زال قائمًا، وذلك تجسيدًا لذاكرة لا تستطيع -ولا تريد- أن تُغلق الصفحة.
يمكن قراءة سخرية الشخصية، ولغتها الفظة، وتناقضها مع صورتها السابقة، كآليات دفاع نفسية أمام تاريخ لم يُنصف، ولم يُغلق، ولم يُعترف به. كُل هذا بمثابة تكثيف رمزي لمهزلة التاريخ التي تُجبر الإنسان على التعايش مع حياة غير عادلة. وهنا يعود الفيلم ليؤكد أن الصدمة الفلسطينية ليست حدثًا وقع ثم انتهى، بل بنية زمنية ممتدة تعيد تشكيل الأفراد والواقع.
فخ الاستجداء
بعد عقود من الصدمات المتراكمة التي عاشتها العائلة يُصاب أحد الأبناء برصاصة في الرأس خلال الانتفاضة، فتضطر العائلة للانتظار طويلًا للحصول على تصاريح تسمح لهم بنقله إلى مستشفى في حيفا لتلقي العلاج. تصل العائلة إلى المستشفى أخيرًا لتكتشف أن حالته ميؤوس منها. في هذه اللحظة تدخل الممرضة وتقترح على العائلة التبرع بأعضاء الابن، هُنا تكون العائلة في مواجهة مباشرة مع سؤال صارخ: من سيحصل على هذه الأعضاء؟ هل هم إسرائيليون؟ أم فلسطينيون من أراضي 48؟ وكيف يمكن التأكد؟ مما يكشف عن هشاشة الوضع الفلسطيني وكون الجسد نفسه خاضعًا لنظام السيطرة الذي تسبب في موته.
يمكن قراءة هذا المسار على أنه مثال واضح على الفخ السردي الذي يقع فيه الفيلم: حين يُحوَّل البعد الإنساني إلى أداء يطلب من الفلسطيني إثباته، لتأكيد «الإنسانية» أمام جمهور خارجي، وخاصة غربي. تتحول التجربة الفلسطينية هنا إلى مادة لإثبات الأخلاق، بينما يبقى العنف البنيوي والاحتلال خارج نطاق المساءلة. وهكذا يصبح البعد الإنساني استراتيجية لإقناع الآخرين واستجداء عاطفتهم في مساحة إثبات أن الفلسطيني، رغم كل ما عاناه، لا يزال قادرًا على تقديم العطاء. وهو ما ينسجم مع خطاب الذات الأخلاقية الجيدة عند سارة أحمد: لا يكفي أن تكون الضحية متألّمة، بل يُتوقع منها أن تكون متسامحة ومعطاءة، وأن تحوّل خسارتها إلى مورد أخلاقي يطمئن الآخرين، بينما يبقى العنف الحقيقي خارج التحليل.[1] ويتقاطع مع نقد فرانز فانون للإنسانية الاستعمارية، حيث يُوضع المستعمَر في موقع الامتحان الدائم لأهليته الأخلاقية بدل أن تُطرح أسئلة العدالة والمساءلة.[2]
يتجلى هذا الفخ بشكل فَج في المشهد الذي تجلس فيه الأم مع الشاب الإسرائيلي الذي زُرع في صدره قلب ابنها. تحكي الأم القصة كاملة، محاوِلة انتزاع اعتراف وامتنان، وكأن الاعتراف الأخلاقي هو التعويض الرمزي عن غياب أي عدالة حقيقية. إلا أن رد الشاب يكون: «إنه مجرد قلب، لا جنسية له». في هذه اللحظة تتضح الطبيعة الحقيقية للاستجداء: تُستَنزف الأم عاطفيًا في محاولة لإثبات إنسانيتها أمام الطرف المستفيد، إذ يتحوّل البعد الإنساني من قوة سردية داخلية تعكس الصدمة والمعاناة، إلى أداة لضمان استجابة أخلاقية من الجمهور الخارجي، وهو ما يُضعف القوة النقدية والسياسية للفيلم ويحوّل الألم الفلسطيني إلى أداء أخلاقي مطلوب، بدل أن يكون حقيقة ملموسة أو قوة نقدية تصدم المتلقي.
لا يمكن فصل هذا المسار السردي عن الخطاب الإنسانوي الذي طالما وسم جزءًا من تمثيلات الفلسطيني في السينما الموجّهة للمهرجانات الدولية والجمهور الغربي. في هذا الخطاب، يُعاد إنتاج الفلسطيني بوصفه ذاتًا متألّمة ومسالمة وقادرة على تحويل فقدانها إلى فعل عطاء، بينما يتم تحييد البعد السياسي للصراع، أو دفعه إلى الخلفية بوصفه سياقًا عامًا لا موضوعًا للمساءلة. هكذا تُستبدل أسئلة العدالة والاستعمار والعنف البنيوي بأسئلة أخلاقية فردية عن التسامح والتضحية، ما يخلق نموذجًا مريحًا للمتلقي الخارجي: ضحية تستحق التعاطف لأنها لا تطالب بشيء سوى الاعتراف الأخلاقي.
-
الهوامش
