متحف الفنون الإسلامية بفاس.. تاريخ للإبداع المغربي وصيانة لـ"فن العيش"
في الخريطة المتحفية المغربية يغطي متحف الفن الإسلامي بفاس جانب التراث الثقافي المغربي في العصر الإسلامي، واستمرارية عصور سالفة فيه، مع إطلالة على التمايزات والتشابهات في تراث دول أخرى ذات أغلبية مسلمة.
بالمدينة العتيقة بفاس صار “متحف البطحاء” “متحف الفنون الإسلامية” بعد الإصلاح والتجديد اللذين عرفهما هذا القصر التاريخي، الذي ينسجم مع موضوع معروضاته، بهندسته، ومواد بنائه، وترصيعه، ونافوراته، بل وحديقته أيضا.

المتحف الذي صار تابعا للمؤسسة الوطنية للمتاحف أصبح جزءا من سياسة المتاحف الموضوعاتية التي جعلته متخصصا في جانب التراث الإسلامي، أو تراث العهد الإسلامي، في المغرب خاصة، بعدما اعتمدت بجارة فاس، مكناس، متحفا وطنيا للموسيقى، وبالرباط متحفا وطنيا للفوتوغرافيا، وآخرين للحي وللفنون الحديثة والمعاصرة، وبآسفي متحفا للخزف، وبطنجة متحفا للثقافات المتوسطية وآخر للأعمال الاستشراقية، ومتاحف أخرى.
“متحف الفنون الإسلامية” يسعى، وفق تقديمه، إلى “تعريف الزوار بالتراث الثقافي والتاريخي والفني للمغرب” عن طريق “مجموعة كبيرة من القطع الأثرية والإثنوغرافية، تغطي فترة زمنية تمتد من حضارات ما قبل الإسلام إلى العصر الحديث”، قصد “إبراز ثراء ونبوغ الفن المغربي الإسلامي المتجذر، وتنوع التأثيرات الثقافية المختلفة التي صاغت هوية المغرب”.
ويعتمد المتحف مفهوما واسعا للفنون، يشمل كل ما ارتبط بعيش المغاربة، من أماكن عيشهم، ولباسهم، وحليهم، وحرف كتابتهم، وآلاتهم، وأسلحتهم، وأوعية أكلهم، وترصيع مختلف وسائل عيشهم وعملهم، ووثائقهم القانونية حتى.

ولا يؤسطر المتحف التاريخ الجمالي بالمغرب، ببدء تاريخه من نقطة فريدة منبثّة في التاريخ، بل يُظهر الاستمرارية التي طبعت فنون المجال المغربي، عبر العصور، وصولا إلى فترة إسلام معظم ساكنته، منذ عصور ما قبل التاريخ، معززا عرضه بأحدث نتائج الاكتشافات الأثرية، علما أن أقدم إنسان عاقل وُجد بمجال البلاد، وكذلك أقدم حلي للإنسانية.
وفي شقّ الزليج المغربي مثلا، الذي يظهر المعرض كثيرا من تلاوينه الأكثر والأقل شهرة، تنبيه إلى فترة من تاريخ البلد وقع فيها تحت السيطرة الرومانية، وترومنت فيها كثير من نخبته وطرائق عيشه وتدبيره، حيث ينقل صدى نقاشات علمية بين المتخصصين في تلك الفترة: “ولعل الفسيفساء الرومانية، المكتشفة بالعديد من المواقع الأثرية القديمة، شكلت البوادر الأولى لتطور الزليج”.
كما يظهر المعرض تشابهات وتمايزات في فنون العالم الإسلامي، أو المنطقة ذات الأغلبية المسلمة، من خلال الأسلحة ونقوشها وتزاويقها، في السيوف والبندقيات والخوذات وأواعي البارود… من المغرب إلى أفغانستان مرورا بإيران، والإمبراطورية العثمانية، ومصر المماليك، وغيرها من مصادر اللقى التاريخية، الشاهدة على الإبداع الإنساني الذي يطال كل شيء، حتى أدوات البأس.

ويعتمد المتحف الجديد، في سينوغرافياهُ، تدبيرا متكاملا بين أمكنة العرض، يقسمها بين فضاءات ما قبل الإسلام، والفخار، والإسهام العلمي، والألبسة، وآلات الترفيه سماعا ولعبا، وإكسسوارات العيش، وأماكن العبادة، والزليج والفسيفساء، والعملة، والمعمار، وملحقات البناء من أبواب، ونوافذ، وغيرها.
ومن بين أغنى أماكن العرض بالمتحف الفضاء المخصص لـ”العلوم والمعارف”، الذي يعرض مخطوطات عبر القرون، خُطّت بخط مغربي عربي وخطوط أخرى، تهم مختلف جوانب المعرفة من رياضيات، ودين، وفيزياء، وجغرافيا، وعلم فلك، وطب، وغيرها مما ينظم العيش ويصونه، مع تعريف بأبرز العلماء والعالمات الذين عرفهم المغرب عبر مئات السنين، وتقديم لنماذج مادية عن الاختراعات التي دبّرت العيش قرونا، مثل: الأسطرلابات، والساعات المائية، ونظيرتها الشمسية.

وتستقبل الزائر في هذا الشق من المعرض خريطة الشريف الإدريسي السبتي، المغربي الذي احتلّ الأجانب بعد وفاته مسقط رأسه، ورسم أحد أبرز الخرائط في التاريخ الإنساني؛ وتستمرّ شهادة على رؤية خاصة لموقع المجال الفكري والجغرافي الذي ينتمي إليه معدّها، وتموقع بقية العالم بالنسبة له.
ويتيح “متحف الفنون الإسلامية” التعرف على غنى الجانب المادي في الفنون المغربية، أو الإبداع بالمغرب، مع امتداد يربط هذه الآثار المحفوظة بمجال عرضها “قصر البطحاء” وموقع الطبيعة والإبداع فيه، وبما هو أشمل: فن العيش، مقدما تصورات مغربية عبر التاريخ، للإبداع ومعاني الحياة، وكيف يمكن عيشها.
The post متحف الفنون الإسلامية بفاس.. تاريخ للإبداع المغربي وصيانة لـ"فن العيش" appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.





