مسيّرات المخابرات وهدنة هشة.. 5 سنوات من "انتحارات" غامضة لضباط أمن!
بغداد/ تميم الحسن
في وقتٍ تتحدث فيه الأطراف عن "هدنة"، كانت بغداد تعيش واقعًا مختلفًا تمامًا. فالعلاقة بين "الإطار التنسيقي" والفصائل المسلحة باتت تُدار عبر ثلاثة مسارات متشابكة: تفاوض حكومي ضعيف، وتصعيد ميداني متسارع، وخيارات أكثر صرامة تلوّح بها بعض دوائر القرار.
ورغم إعلان ما تُعرف بـ"المقاومة العراقية" تمديد وقف الهجمات على القوات الأمريكية، إلا أن هذه الهدنة بدت هشة منذ لحظتها الأولى، مع تسجيل خروقات متكررة من الجانبين.
لكن التحول الأخطر جاء عندما غيّرت الفصائل اتجاه المواجهة، ونقلت ضرباتها نحو مؤسسات أمنية حساسة، مستهدفة جهاز المخابرات في قلب بغداد، وموجِّهة إليه اتهامات بوجود عناصر أمريكية داخل مقره.
هذا التصعيد لم يكن معزولًا، إذ تشير المعطيات إلى أن الفصائل نفّذت منذ مطلع آذار نحو 400 هجوم داخل العراق وخارجه، بعد إعلان انخراطها في المواجهة دعمًا لإيران في صراعها مع الولايات المتحدة.
في المقابل، تحاول الحكومة احتواء الموقف عبر القنوات السياسية. فقد كُلّف قاسم الأعرجي، مستشار الأمن القومي، بفتح باب التفاوض مع الفصائل لوقف الهجمات، غير أن مصادر سياسية تؤكد لـ(المدى) أن هذه الجهود "لم تحقق تقدمًا يُذكر حتى الآن"، في ظل إصرار الجماعات المسلحة على مواصلة استهداف المنشآت الدبلوماسية ومطار بغداد، قبل أن توسّع عملياتها لتطال مؤسسات أمنية سيادية.
ويعكس هذا المشهد تعقيد الموقف الحكومي. فقد أقر حسين علاوي، وهو مستشار للحكومة، بصعوبة السيطرة على الفصائل، مشيرًا في تصريحات صحفية إلى أن "الحرب أصبحت مباشرة"، بعد أن كانت الحكومة قادرة سابقًا على ضبط الإيقاع خلال جولات تصعيد محدودة.
في الأثناء، كشفت الفصائل عن كواليس ميدانية مختلفة، إذ أعلن متحدث باسم إحدى الجماعات أن القوات الأمريكية وحلف شمال الأطلسي طلبا هدنة مؤقتة عبر الحكومة العراقية مدتها 24 ساعة، لتأمين انسحاب قواتهم من قاعدة "فكتوريا" قرب مطار بغداد إلى تركيا، وسط تقارير عن بدء هذا الانسحاب فعلًا.
لكن هذه التهدئة المشروطة جاءت مقرونة برسائل تصعيدية، إذ أكدت الفصائل أن التزامها مرتبط بعدم استهداف مواقع "الحشد الشعبي"، ملوّحة بالعودة إلى التصعيد في حال خرق ذلك. كما تحدثت عن منع طائرات تابعة للناتو من الهبوط في القاعدة نتيجة "كثافة النيران".
وفي موازاة ذلك، أعلنت "كتائب حزب الله" تمديد تعليق هجماتها على السفارة الأمريكية لخمسة أيام إضافية، لكنها ربطت ذلك بمراقبة "سلوك" القوات الأمريكية، مؤكدة أن أي تصعيد سيُقابل برد ميداني "بحجم الانتهاكات".
ولم تكتفِ الكتائب بالجانب العسكري، بل شددت على ثقلها السياسي، مؤكدة أن أي حكومة جديدة "لن تُشكّل دون موافقة فصائل المقاومة"، في رسالة تعكس حضورها في معادلة السلطة، بالتوازي مع هجوم حاد على قوى سياسية اتهمتها بازدواجية المواقف.
كما أعادت الكتائب طرح شروطها لوقف الهجمات، والتي تشمل وقف القصف الإسرائيلي في لبنان، وتعهد واشنطن بعدم استهداف مناطق سكنية داخل العراق، إضافة إلى سحب عناصر وكالة الاستخبارات المركزية من محيط السفارة الأمريكية في بغداد.
هدنة على الورق
وسط هذه التطورات، تبدو "الهدنة" أقرب إلى هدنة على الورق، ولا تبدو أكثر من استراحة قصيرة في صراع مفتوح. فالفصائل سرعان ما خرقتها بهجمات على قاعدة "فكتوريا"، قبل أن تتجه نحو تصعيد غير مسبوق باستهداف مقر جهاز المخابرات، في خطوة تعكس انتقال المواجهة إلى عمق مؤسسات الدولة.
هذا التصعيد يضع الحكومة أمام مسار ثانٍ أكثر حساسية، تدفع به بعض أطراف "الإطار التنسيقي"، يقوم على خيار الاعتقال وملاحقة الجماعات المسلحة، بعد فشل مسار التفاوض في كبح الهجمات.
وفي ظل هذا التوتر، تتحدث مصادر أمنية لـ(المدى) عن ما وصفته بـ"اشتعال بغداد بالمسيّرات"، في إشارة إلى هجمات طالت أهدافًا داخل العاصمة، بينها فندق الرشيد، ويُعتقد أنها مرتبطة بشبكات تقف خلف التصعيد الأخير.
على الأرض، بدأت السلطات تنفيذ خطة أمنية جديدة، ترافقت مع تغييرات في قيادات العمليات في بغداد ومدن أخرى، بالتزامن مع إجراءات مشددة في جانب الكرخ، حيث أُغلقت مداخل أحياء سكنية بالكتل الكونكريتية، وكثّفت عمليات التفتيش.
وفي تطور لافت، عثرت القوات الأمنية خلال عطلة العيد على منصة الصواريخ التي استهدفت محيط مطار بغداد، وكانت مخبأة داخل سيارة مدنية في حي الجهاد غربي العاصمة.
في هذا السياق، أكد عبد الأمير الشمري، وزير الداخلية، جاهزية القوات الأمنية، مشددًا في بيان على استمرار العمليات الاستباقية وتعزيز الجهد الاستخباري، في محاولة لاحتواء التصعيد.
بالمقابل، رفعت الحكومة من لهجتها، ووصفت الهجمات على البعثات الدبلوماسية بأنها "أعمال إرهابية"، فيما حذر فائق زيدان من أن العقوبات قد تصل إلى الإعدام.
اختراق صامت
بالتوازي مع التصعيد الميداني، تتحدث مصادر سياسية لـ(المدى) عن محاولة الفصائل إحداث اختراق داخل الأجهزة الحساسة لتسهيل تحركاتها، وفي مقدمتها جهاز المخابرات، الذي تعرض لأول هجوم مباشر منذ بداية الحرب الأخيرة، وأسفر عن مقتل ضابط وإصابة آخرين.
هذه الحادثة تعيد إلى الواجهة ملفًا أكثر غموضًا، إذ تشير المصادر إلى سلسلة "تصفيات غير معلنة" طالت ضباطًا ومنتسبين في الجهاز منذ عام 2021، غالبًا ما سُجلت كحالات انتحار. وتقدّر الأرقام الأمنية عدد الضحايا سنويًا بين 8 و15 حالة، مع تصاعد لافت خلال عامي 2024 و2025.
في المقابل، صعّدت الفصائل خطابها، إذ اتهمت "كتائب حزب الله" جهاز المخابرات بالارتباط بجهات خارجية، بما فيها "الموساد" والأمريكيون، داعية إلى إعادة تقييم "ولاء" ضباطه، في تصريحات تعكس مستوى غير مسبوق من التشكيك بالمؤسسة الأمنية.
بالتزامن، زار محمد شياع السوداني مقر الجهاز المستهدف، داعيًا القوى السياسية إلى اتخاذ موقف "واضح وصريح" من الهجمات التي تطال مؤسسات الدولة، في إشارة إلى تباين داخل "الإطار التنسيقي"، حيث تتحدث مصادر عن وجود "مسار ثالث" يقوم على دعم غير معلن لبعض الفصائل.
الهجوم الأخير يعيد أيضًا استحضار سوابق دموية، بينها اغتيال ضباط في المخابرات خلال السنوات الماضية، في ظل اتهامات قديمة طالت الجهاز عقب مقتل قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، وهو ما فتح باب التشكيك بدوره آنذاك.
وفي سياق متصل، كان قيس الخزعلي "زعيم العصائب" قد أثار جدلًا واسعًا عام 2021، عبر حديثه عن تدخلات خارجية داخل جهاز المخابرات، وهي اتهامات ردّ عليها الجهاز رسميًا، معتبرًا أنها "تتجاوز السياقات المهنية"، ومؤكدًا احتفاظه بحقه القانوني في ملاحقة من يسيء إليه.
ووسط هذا المشهد المعقد، يرى غازي فيصل، رئيس المركز العراقي للدراسات الستراتيجية، أن استهداف جهاز المخابرات والتصعيد ضده يعكسان "أزمة سيادة عميقة".
وقال لـ(المدى): "تحولت الفصائل إلى كيان موازٍ يمتلك قرارًا مستقلًا، في ظل عجز الدولة عن فرض سلطتها، ما يضع العراق أمام خطر الانزلاق إلى صراع مفتوح".
The post مسيّرات المخابرات وهدنة هشة.. 5 سنوات من "انتحارات" غامضة لضباط أمن! appeared first on جريدة المدى.




