مصطفى إدريس لـ “963+”: سوريا تدخل معركة إدارة لا بقاء
تقف سوريا اليوم أمام لحظة مفصلية تتداخل فيها الجغرافيا مع السياسة والاقتصاد، وتتحول فيها التحديات إلى اختبار حقيقي لقدرة الدولة على إعادة التموضع. وبين الفرص الإقليمية والضغوط الداخلية، يبرز مسار تحييد سوريا عن صراعات الشرق الأوسط عبر تبنّي مقاربة متوازنة تعيد ترتيب الأولويات نحو الاستقرار والتنمية وإعادة بناء الدولة.
وفي حوار خاص لـ”963+” مع مدير مركز رؤى للدراسات والأبحاث السياسية، مصطفى إدريس أجاب فيه على العديد من الأسئلة بهذا الإطار أبرزها هل يمكن أن نشهد خلال الفترة المقبلة “السلام المشروط بالطاقة” في المنطقة، وما مدى قدرة دمشق على المناورة في ظل التوازنات الدولية المعقدة؟
وفي ما يلي الحوار كاملاً:
كيف انعكست التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط على موقع سوريا بين الحياد النظري والواقع الجغرافي والسياسي؟
الحكومة الجديدة في سوريا ليس تفصيلاً عابراً في المشهد الإقليمي، بل هو نتيجة مباشرة لوصول الجميع إلى قناعة واحدة: إن استمرار سوريا كملف انفجار مفتوح لم يعد مقبولاً دولياً. فما كان يُدار سابقًا كأزمة مؤجلة، أصبح اليوم ملفاً يمس أمن أوروبا، وتوازنات الشرق الأوسط، وطرق التجارة، وحركة الهجرة، وحتى استقرار الطاقة.
هذا التحول في الإدراك لا يعني أن العالم أصبح أكثر كرماً، بل يعني أنه أصبح أكثر براغماتية. لا تزال أوروبا تربط المساهمة الواسعة في إعادة الإعمار بمسار سياسي وانتقال شامل، لكنها في الوقت نفسه تبعث بإشارات أوضح بأنها ترى في استقرار سوريا مصلحة مشتركة، لا مجرد شأن داخلي سوري.
لكن المشكلة الحقيقية لا تكمن فقط في الخارج، بل في كيفية تموضع الداخل السوري بهذه اللحظة. الخطر الأكبر هو أن تُضيع دمشق هذه الفرصة، إما عبر بطء القرار، أو عبر إعادة إنتاج اللغة القديمة نفسها: لغة الدفاع بدلًا من لغة المبادرة، ولغة التبرير بدلاً من لغة الإنجاز. فالنظام الجديد لا يُقاس بالشعارات، بل بقدرته على التحول إلى شريك يمكن الوثوق به: أمنياً، واقتصادياً، ومؤسساتياً.
والحل هنا واضح: على الدولة أن تنتقل فوراً من منطق “انتظار الاعتراف” إلى منطق “فرض الاعتراف عبر الأداء”. أي أن تقدم، خلال فترة قصيرة نسبياً، مؤشرات عملية، مثل: ضبط أمني، وتبسيط إداري، وانفتاح اقتصادي محسوب، ورسائل واضحة بأن سوريا الجديدة لا تريد أن تكون عبئاً على أحد، بل عقدة استقرار ومصلحة. عندها فقط يصبح الانفتاح الدولي نتيجة طبيعية، لا منة سياسية.
إلى أي مدى يمكن القول إن أزمة مضيق “هرمز” تحولت من تهديد إقليمي إلى فرصة استراتيجية لدمشق؟
نعم، سوريا ليست قادرة فحسب، بل مؤهلة جغرافياً بشكل لا يمكن تجاهله. فهي ليست دولة هامشية على الخريطة، بل تقع في الأصل عند نقطة عبور طبيعية بين الخليج وتركيا وأوروبا والبحر المتوسط. وكل من يتحدث عن التجارة والطاقة والنقل يدرك أن الجغرافيا السورية ليست تفصيلاً ثانوياً، بل عنصراً أساسياً من عناصر القوة.
لكن الحقيقة التي يجب قولها بوضوح هي أن الجغرافيا وحدها لا تصنع المعجزة. فهناك دول كثيرة تمتلك مواقع استراتيجية مميزة، لكنها بقيت متأخرة بسبب سوء الإدارة، وضعف البنية التحتية، وارتباك القرار السياسي. وبالتالي، فإن العقبة ليست في الموقع، بل في جاهزية الدولة لتحويل هذا الموقع إلى مشروع اقتصادي فعلي.
وهنا تبرز الحلول العملية: أولًا: يجب التعامل مع ملف النقل واللوجستيات والطاقة بوصفه قطاعًا سياديًا استراتيجيًا، لا مجرد ملف خدمي تقليدي. ثانياً: يجب إطلاق خريطة وطنية واضحة للممرات الاقتصادية، تشمل الطرق، والموانئ، ومناطق التخزين، والعقد الجمركية، وربطاً برياً حديثاً. ثالثاً: يجب منح هذا القطاع إدارة احترافية سريعة القرار، لأن السوق لا ينتظر البيروقراطية.
إذا فعلت سوريا ذلك، فلن تكون مجرد ممر عبور، بل مركزاً إقليمياً للتنظيم والتوزيع والخدمات. أما إذا تأخرت، فالمشكلة لن تكون في ضياع الجغرافيا، بل في أن الآخرين سيبنون بدائل مؤقتة، ثم يفرضونها كأمر واقع.
ما الدور الذي تلعبه القوى الإقليمية والدولية في تعقيد المشهد السوري بالوقت الراهن؟
القوى الإقليمية ليست مجرد داعم خارجي في الحالة السورية، بل هي جزء من إعادة تشكيل المشهد بأكمله. ودول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، تتحرك اليوم من زاوية أبعد من التعاطف السياسي، إذ تنطلق من منطق المصلحة الاستراتيجية. فاستقرار سوريا يعني تقليل الفوضى الإقليمية، وفتح مسارات للتجارة والطاقة، وتخفيف أعباء عدم الاستقرار الممتد من المشرق إلى المتوسط.
في هذا السياق، برزت تحركات سعودية مباشرة نحو الاستثمار في قطاعات سورية، مثل الاتصالات والطيران والبنية التحتية، إلى جانب جهود سياسية أسهمت في تخفيف القيود الدولية على دمشق.
لكن من الخطأ تصوير هذا الدور وكأنه إنقاذ مجاني، فدول الخليج لا تستثمر في الفراغ، ولا تضخ الأموال في بيئات غير قابلة للحياة. لذلك، فإن الدور الخليجي مهم جداً، لكنه مشروط ضمنياً بالنتائج: استقرار أمني، وشفافية أعلى، وقدرة على التنفيذ، ومناخ قانوني معقول.
والحل هنا أن تبني سوريا علاقتها مع الخليج على أساس الشراكة، لا الاستهلاك، أي أن تقدم مشاريع واضحة، وجدوى اقتصادية محددة، وأولويات معلنة، بدلاً من أن تطرح نفسها كساحة مفتوحة للوعود. عندها فقط يصبح الخليج شريكاً في بناء محور اقتصادي جديد يمتد من الجزيرة العربية إلى المتوسط، لا مجرد ممول مؤقت.
هل نشهد اليوم ما يمكن تسميته “السلام المشروط بالطاقة” في المنطقة، حيث يصبح الاقتصاد والطاقة مدخلًا لإعادة تعريف الاستقرار؟
العقبات كثيرة، لكن أخطرها ليس ما يُقال في الإعلام، بل ما يتراكم داخل مؤسسات الدولة بصمت. نعم، هناك تدخلات إقليمية، وضغوط سياسية، وأطراف لا تريد لسوريا أن تستعيد مركزيتها بسهولة. لكن العقدة الأكبر داخلياً هي أن الدولة تحتاج إلى عقل جديد يدير مرحلة جديدة.
وقد وصف البنك الدولي الاقتصاد السوري بأنه يواجه تحديات هيكلية حادة، مع شح في السيولة، وضعف في النمو، واستمرار في هشاشة الأمن والخدمات، ما يعني أن أي حكومة لا تملك رفاهية التأجيل.
نحن أمام عدة مشكلات فعلية: أولها: نزيف الكفاءات. فقدت سوريا خلال السنوات الماضية جزءاً كبيراً من طاقتها البشرية، وليس من المنطقي أن يُطلب بناء إدارة حديثة بموارد بشرية مرهقة أو مهاجرة. ثانيها: البيروقراطية المتضخمة، وهي عدوٌّ قاتل في أي مرحلة إعادة بناء. ثالثها: الفساد، ليس بوصفه خللًا أخلاقيًا فقط، بل بوصفه آليةً لتدمير الاستثمار والثقة. ورابعها: فجوة التوقعات فالمجتمع يريد نتائج سريعة، بينما تتحرك مؤسسات الدولة بسرعة زمنٍ قديم.
هل يمكن أن يُعاد بناء الاستقرار في سوريا عبر المشاريع الاقتصادية والطاقة بدل الحلول السياسية التقليدية؟
أكبر خطأ يمكن ارتكابه هو الحديث عن إعادة الإعمار وكأنها حملة تبرعات. فسوريا لا تحتاج إلى منطق الإغاثة، بل إلى منطق الاستثمار المنتج. وتقول المعادلة الدولية الحالية بوضوح إن الأموال قد تتحرك عندما ترى هيكلًا يمكن الوثوق به، لا عندما تسمع خطابات عامة.
وهناك مؤشرات فعلية على أن تخفيف بعض العقوبات أو رفعها، وعودة الانخراط الخليجي، يمكن أن يفتح باب التمويل. لكن هذا التمويل لن يتدفق إلى فراغ مؤسساتي. فقد ربطت جهات أوروبية دعم إعادة الإعمار بمسار سياسي وانتقالي شامل، في حين دفعت السعودية، خلال عامي 2025 و2026، نحو تخفيف العزلة المالية والاستثمارية، بما في ذلك خطوات مرتبطة بديون سوريا ومشاريع استثمارية كبرى.
المشكلة هنا ليست نقص المال فحسب، بل غياب النموذج المقنع. والحل يتمثل في بناء نموذج تمويلي متعدد المسارات:
المسار الأول: مشاريع (BOT) والشراكات طويلة الأمد في قطاعات الطاقة والنقل والبنية التحتية.
المسار الثاني: صناديق استثمار وطنية موجهة للسوريين في الخارج، تتيح لهم الدخول كشركاء حقيقيين، لا كمتبرعين.
المسار الثالث: حصر الإنفاق الحكومي المباشر في القطاعات التي تعيد إنتاج الاقتصاد، لا في الإنفاق الاستهلاكي.
المسار الرابع: تقديم ضمانات قانونية واضحة للمستثمرين، إذ إن رأس المال يهرب من الغموض أكثر مما يهرب من الخطر.
وهنا لا بد من التأكيد على نقطة حاسمة: المال موجود في العالم، لكن الثقة نادرة. فإذا بُنيت الثقة، سيتحرك المال أما إذا بقيت الإدارة غامضة، فلن تكفي الوعود السياسية ولا المؤتمرات.
في ظل هذه المعادلات الجديدة، هل تمتلك دمشق هامشاً أوسع للمناورة أم أنها ما زالت رهينة التوازنات الدولية؟
سوريا لا تعاني من نقص في الفرص، بل من الحاجة إلى قرارٍ يحوّل هذه الفرص إلى وقائع. المشكلات القائمة حقيقية، نعم، لكنها ليست قدراً مغلقاً. فالعقوبات يمكن تجاوز آثارها تدريجياً إذا وُجدت إدارة ذكية، والهجرة يمكن عكس جزءٍ منها إذا توافرت الثقة، والاستثمار يمكن جذبه إذا وُجد قانون واضح، والاستقرار يمكن تثبيته إذا وُجدت دولة تعمل بعقل المرحلة، لا بعقل الأمس.
المعركة القادمة في سوريا ليست معركة بقاء فحسب، بل معركة إدارة. ومن يفهم ذلك مبكراً، هو من سيشارك فعلياً في صناعة سوريا القادمة.
The post مصطفى إدريس لـ “963+”: سوريا تدخل معركة إدارة لا بقاء appeared first on 963+.




