مسرح محمد الخامس
ترتيلة الجماليات في محراب الذاكرة الوطنية
يشمخ مسرح محمد الخامس في قلب العاصمة الرباط كأيقونة معمارية كلاسيكية وحية في فرادتها، تتجاوز في كينونتها مجرد الجدران والخشبة لتصبح وطناً رمزياً للفكر والوجدان. يجسد هذا الصرح، منذ انبثاق فجر الاستقلال، فلسفة الدولة في بناء الإنسان وتشييد صروح التنوير، حيث تعانقت فيه الأصالة المغربية بروح التحديث العالمي، ليكون مرآة تعكس أرقى تجليات الإبداع الإنساني. “المسرح هو المكان الذي تجد فيه الأمة روحها وتصقل فيه هويتها الجمالية وتتأمل فيه مصيرها المشترك” (عبد الكريم برشيد، المسرح الاحتفالي، 1980).
تاريخ تكتبه الفنون في فضاء الجماليات
يستقبل المسرح زواره بهيبة تليق بمقام الفن الرفيع، حيث تتلألأ قاعاته بذكرى أمسيات خالدة بصمت التاريخ الفني للمملكة. يحتضن هذا الفضاء، الذي نضح بعبق الموسيقى العالمية، عمالقة الطرب الذين وهبوا الرباط أجمل ألحانهم، فتحول المسرح إلى “محراب” تُتلى فيه تراتيل الإبداع. “الموسيقى هي اللغة التي تبدأ حيث تنتهي الكلمات، وفي مسرح محمد الخامس، شعرنا أننا في حضرة جمهور يمتلك ذائقة كونية” (أم كلثوم، تصريح لجريدة الأنباء، 1968).
تفيض خشبة هذا المسرح بذاكرة المسرح المغربي، حيث قدم الرواد روائعهم التي مزجت بين النقد الاجتماعي والعمق الفلسفي. لم يكن المسرح يوماً مجرد فُرجة عابرة، بل كان منبراً سياسياً وفكرياً، استضاف كبار الفلاسفة والمفكرين الذين بصموا التاريخ الوطني والعالمي. “إن الثقافة هي المحرك الأساسي للتحرر الفكري، والمؤسسة الثقافية هي المختبر الذي يُصنع فيه الوعي الجمعي” (محمد عابد الجابري، نقد العقل العربي، 1984). وفي هذا السياق، شهد المسرح ندوات ومحاضرات لأقطاب الفكر، حيث كانت الكلمة تكتسب في رحابه وزناً تاريخياً وقدرة على توجيه مسارات التحديث في المملكة.
دائماً ما كانت الإدارة في خدمة الفن
يرتكز هذا الصرح على إرث عظيم من التدبير والإدارة، وضعه موظفون ومدراء آمنوا برسالة الفن قبل إيمانهم بالمساطر، اللهم فيما ندر ولا يكاد يذكر. أسس هؤلاء الرواد لنموذج فريد في “حسن التدبير” القائم على دعم الفن والفكر والاحتفاء بالمبدعين، فكان المدير في مسرح محمد الخامس حامياً للمبدع وشريكاً في الفعل الثقافي. “ليست الإدارة الثقافية وظيفة بيروقراطية، وإنما هي رؤية حضارية تهدف إلى تذليل العقبات أمام الجمال” (الطيب الصديقي، حوار مع مجلة “فنون”، 1977). بفضل هؤلاء المدبرين وطواقمهم الشابة، ظل مسرح محمد الخامس ينضح بالحيوية والفعل المنتظم، ويقدم نموذجاً يحتذى به في المملكة المجيدة لمؤسسة ثقافية نموذجية وطنية، تزاوج بين الصرامة التنظيمية والمرونة الإبداعية، وتعادل بين المبادرة وتشجيعها في كل الأصناف الفنية، كما تجدد نفسها ونفَسها مع كل مجلس إداري.
القرار الإداري وآفاق الجماليات
تطرح التحولات الأخيرة تساؤلات هامة حول الفهم المعاصر لهيكلة وتدبير المؤسسة الثقافية، خاصة عندما نرى سحب وصف “الوطني” عن هذا المسرح العريق. يمثل هذا الفعل قراراً إدارياً غير مفهوم، ينم عن “فهم يغيب عنا” في تمثل الأبعاد الفكرية والجمالية والفلسفية التي يمثلها هذا اللقب. لم تكن “الوطنية” في مسرح محمد الخامس مجرد صفة تُمنح أو تُسحب بجرّة قلم، فلطالما كانت جوهر الوجود والارتباط الوثيق بهوية الدولة المغربية الحديثة. “إن المؤسسة التي تفقد ذاكرتها الرمزية تصبح هيكلاً بلا روح، والإدارة التي تقتل الرمز هي إدارة تفتقر للحس التاريخي” (عبد الله العروي، مفهوم الدولة، 1981).
يُظهر هذا التوجه كيف يمكن للمنطق التكنوقراطي الصرف أن يحاصر الفعل الثقافي، ويحول المؤسسات السيادية في الفن إلى مجرد أرقام وإجراءات تخلو من النفَس الإبداعي. إن تغليب “الإدارية” على “الحضارية” يعكس غياب الوعي الفلسفي بدور الفن كقاطرة للسيادة الثقافية للمملكة.
عندما يبتلع الظل الإداري وجه الإبداع
يتجلى ما تحدثنا عنه من هيمنة للإداري على الفكري والفني، وهذا المثال واضح ومسعف لفهم الوضع الحالي، عند تأمل راهن قطاع السينما في المملكة. فقد عرف حقل السينما تحولات إبداعية جعلت من الفيلم المغربي سفيراً عالمياً، رغم عدم اكتمال البنيات الشاملة لسينما وطنية جديرة باسمها لحد الآن. هكذا شهدت السنوات الأخيرة هيمنة واضحة للقرار والخطاب الإداري على حساب الفعل السينمائي الحقيقي، ذلك أن “السينما فن الحُلم والدهشة، وإذا ما تحولت إلى ملفات تقنية جافة، فقدت قدرتها على التأثير في الوجدان” (نور الدين الصايل، محاضرات في السينما والجمال، 1995).
وصلت درجة هيمنة الإدارة في قطاع السينما حداً غير مسبوق تحت يافطات شتى، ليس هنا مجال ذكرها، فقد أصبح المركز السينمائي مجرد ظل جانبي في صور وقرارات تتمركز فيها الإدارة بسلطة “الولاية”، بشكل دال وغير مسبوق في تاريخ السينما المغربية. أزاح هذا التمركز التقني الفعل السينمائي الخالص، فغدا المخرج والسيناريست والممثل والناقد أشباحاً، وأصبحت لغة المساطر واللجان والوثائق والبطاقات ومعارك الدعم، وما تتضمنه من سلطات، هي البطل الحقيقي في المشهد. فتوارى كل ما يتعلق بالفن وبالمبادرة والفعل السينمائي المستقل إلى الخلف، ليحل محله الإنجاز التقني، والرضوخ لشروط الإنتاج المشترك خليجياً وأوروبياً، ولسلطات تنفيذ الإنتاج، ليظل الإنتاج الجنيني يقاتل بشجاعة بعض الشباب دون تركيز على جماليات واعية، بل بخضوع كبير لشعار مصري قديم عن شباك التذاكر وعاميته. يمثل هذا الوضع تراجعاً عن المكتسبات التي حققها المبدعون المغاربة عبر نصف قرن من النضال الجمالي، حيث كانت الإدارة تدير الموارد لتفتح الآفاق، لا لتغلقها لوائح تصنف بضوء أخضر وآخر أحمر غير مُعلن.
استعادة الروح للمحراب الثقافي
يبقى مسرح محمد الخامس بالرباط، رغم كل التحديات وتطورات الإنتاج والإنجاز في مجاله، ذلك المكان الذي ينضح بالجمال والمجد، والذاكرة الملتصقة بالفعل وبالثقافة وبالفنون المغربية. تتطلب تقوية هذا الصرح الشامخ المزيد من العمل على الوعي الجمالي والفلسفي الذي أسس له الرواد، والرفع من اعتبار هذه المؤسسة العتيدة كفاعل ثقافي أولاً، ثم الرفع من إمكانيات إنجازها كمرفق إداري، فالشعوب “لا تبني حضارتها بالتقارير الإدارية، بل بالخيال المبدع وبالفكر الحر” (محمد بنونة، في الثقافة المغربية المعاصرة، 1990).
يستحق مسرح محمد الخامس، بموظفيه وتاريخه وجماله، البقاء “وطنياً” بالفعل والممارسة، وأن يظل منارة تشع بالنور والجمال في مغرب الإبداع والمستقبل. إن الوفاء لمسرح محمد الخامس هو وفاء لكل القيم الجمالية التي بصمتِ التاريخ الوطني، ودعوة ملحة لتقوية حضور الفن فيه في صدارة المشهد، ليقود هو الإدارة في خدمة المزيد من غنى جمالياته، ذاكرة وطنية ومرابا للفنون ولجماليات فضاءاته التي احتضنت منها ولا تزال ما يمتع العين والأذن.
The post مسرح محمد الخامس appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.





