مصر الكنانة عطاءٌ لا ينضب
علي أبو قرين
مصر الكنانة خيرها سابق، وحاضرها شاهد، ومستقبلها امتداد لعطاءٍ لا ينقطع. هكذا علَّمنا التاريخ، وهكذا عشناها واقعًا نابضًا في قلوبنا وعقولنا. على أرضها تفتَّحت المدارك، وفي رحابها تشكَّلت البدايات، ومنها انطلقت خطوات العلم الأولى، التي لم تكن مجرد تعليم، إنما بناء إنسانٍ كامل. على مناهجها تعلَّمنا، وعلى أيدي معلميها تشكَّل الوعي، وفي جامعاتها العريقة تفتحت الآفاق، حيث لم يكن العلم حِرفة، بل رسالة، ولم تكن المعرفة ترفًا، إنما أساسًا للحياة. وفي مستشفياتها تدربنا وتخصصنا، وعلى أيدي أطبائها تعلمنا أن الطب مهنة ورحمةٌ ومسؤولية، وعهد مع الإنسان.
مصر التي احتضنت أبناءها وأبناء غيرها، لم تبخل بعلمٍ ولا بخبرة، ولم تغلق أبوابها في وجه طالب معرفة، بل كانت ولا تزال وطنًا للفكر، وميدانًا للعلم، وملاذًا لكل من قصدها بعزيمة التعلم والمعرفة والثقافة. وفي ساحات الفقه والشريعة يبقى الأزهر الشريف منارة للوسطية والاعتدال، يُنير العقول ويصون الهوية ويُرسخ القيم. وفي ميادين الثقافة والفنون، تتجلى روح مصر في مكتباتها ومسارحها ومعاهدها ودار الأوبرا المصرية، حيث يلتقي الإبداع بالأصالة، ويُعبر الإنسان عن ذاته في أرقى صورها.
ومصر الكنانة كما عُرفت بالعلم والحضارة، عُرفت كذلك بكرمها الأصيل، كرم الأرض وكرم الإنسان. شعبها العظيم لم يكن يومًا مجرد شاهدٍ على التاريخ، بل صانعًا له بطيبته وبساطته وسخائه الذي لا يسأل عن مقابل. في بيوتها يُفتح الباب قبل السؤال، وفي قلوب أهلها متَّسع للجميع، لا يُفرقون بين قريبٍ وغريب، ولا بين ابن الوطن وضيفه. ذلك الكرم لم يكن فقط في الطعام والضيافة، بل في العلم الذي يُمنح والخبرة التي تُشارك، والفرص التي تُتاح. كم من طالبٍ جاءها غريبًا، فعاد منها ابنًا، يحمل من فضلها ما يعجز عن رده، وكم من مريضٍ قصدها متألمًا، فوجد في أطبائها عناية لا تعرف الحدود، وفي إنسانها رحمة تسبق العلاج. هي مصر مدرسةٌ للحياة، لا تقتصر على تخصصٍ أو مجال، بل تمتد إلى كل مناحي الوجود علمًا، وفكرًا، وثقافةً، وإنسانية. منها تعلَّمنا أن العطاء لا يُقاس بالكثرة، بل بالاستمرار، وأن الحضارة ليست لحظة عابرة، بل تراكم ممتد عبر الزمن.
مصر الكنانة لم تكن يومًا مجرد مكان، إنما كانت وما زالت وستبقى حالةً حضارية، وروحًا متجددة، وذاكرة حية. عاشت العصور وتجاوزت التحديات، وبقيت ثابتة في عطائها، شامخة في مكانتها، كأنها تقول للتاريخ إن ما يُبنى على العلم والقيم لا يزول. وما دامت الحياة، سيبقى لمصر عهدها، عهد العلم وعهد الكرم، وعهد العطاء، وعهد المجد الذي لا ينطفئ.
The post مصر الكنانة عطاءٌ لا ينضب appeared first on الموقف الليبي.





