... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
266929 مقال 299 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 6225 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانيتين

مشروع سكّة حديد الحجاز: من المبادرة الحميدية لحماية الوحدة الإسلامية إلى مشروع تكامل إسلامي عصري واعد

العالم
ترك برس
2026/04/26 - 20:44 501 مشاهدة

د. علي محمد الصلابي - خاص ترك برس

عمل السُّلطان عبد الحميد على كسب الشُّعوب الإِسلاميَّة عن طريق الاهتمام بكلِّ مؤسَّساتها الدِّينيَّة والعلميَّة، والتَّبرُّع لها بالأموال، والمنح، ورصد المبالغ الطَّائلة لإِصلاح الحرمين، وترميم المساجد، وزخرفتها، وأخذ السُّلطان يستميل إِليه مسلمي العرب بكلِّ الوسائل، فكوَّن له من العرب حرساً خاصّاً، وعيَّن بعض الموالين له منهم في وظائف كبرى منهم (عزَّت باشا العابد) ـ من أهل الشَّام ـ الَّذي نجح في أن ينال أكبر حظوةٍ عند السُّلطان عبد الحميد، وأصبح مستشاره في الشُّؤون العربيَّة، وقد لعب دوراً هامّاً في مشروع سكَّة حديد الحجاز الممتدَّة من دمشق إِلى المدينة المنوَّرة، وهو بهذا المشروع الَّذي اعتبره السُّلطان عبد الحميد وسيلةً من الوسائل الَّتي أدَّت لإِعلاء شأن الخلافة، ونشر فكرة الجامعة الإِسلاميَّة.

وفي المرحلة الراهنة، تعود «سكّة حديد الحجاز» اليوم إلى الواجهة لا بوصفها مشروعاً هندسياً عابراً، بل باعتبارها ذاكرةً تاريخيةً كبرى تتجدد في لحظة إقليمية فارقة. فالأخبار المفرحة عن مشروع ربط السعودية بتركيا مروراً بالأردن وسوريا يفتح الباب أمام قراءةٍ أعمق لهذا المشروع. فهو أشبه بحلم تاريخي قد يصبح واقعاً في الفترة المقبلة، وخاصة في ظل أزمات سلاسل الإمداد العالمية والتحولات الجيوسياسية في المنطقة.

إننا أمام إحياءٍ معاصر لفكرةٍ قديمة حملها السلطان عبد الحميد الثاني حين جعل من سكّة حديد الحجاز مشروعاً للوحدة، وتسهيل الحج، وربط أطراف العالم الإسلامي، وتعزيز التواصل السياسي والاقتصادي بين الشام والحجاز والأناضول. وقد بيّن الدكتور علي محمد الصلابي أن هذا المشروع لم يكن مجرد وسيلة نقل، وإنما غدا أداة استراتيجية لتعزيز الوحدة والربط بين الأقاليم، وتقوية الحضور السياسي للدولة.

-     أغراض مشروع سكة حديد الحجاز

أبدى السُّلطان عبد الحميد اهتماماً بالغاً بإِنشاء الخطوط الحديديَّة في مختلف أنحاء الدَّولة العثمانيَّة مستهدفاً من ورائها تحقيق ثلاثة أغراضٍ، وهي:

1 ـ ربط أجزاء الدَّولة المتباعدة، ممَّا ساعد على نجاح فكرة الوحدة العثمانيَّة، والجامعة الإِسلاميَّة، والسَّيطرة الكاملة على الولايات الَّتي تتطلَّب تقوية قبضة الدَّولة عليها.

2 ـ إِجبار تلك الولايات على الاندماج في الدَّولة، والخضوع للقوانين العسكريَّة؛ الَّتي تنصُّ على وجوب الاشتراك في الدِّفاع عن الخلافة بتقديم المال، والرِّجال.

3 ـ تسهيل مهمَّة الدِّفاع عن الدَّولة في أيَّة جبهةٍ من الجبهات الَّتي تتعرَّض للعدوان؛ لأنَّ مدَّ الخطوط الحديديَّة ساعد على سرعة توزيع القوَّات العثمانيَّة، وإِيصالها إِلى الجبهات (بني المرجة، ص 113).

-     بداية المشروع

وكانت سكك حديد الحجاز من أهمِّ الخطوط الحديديَّة الَّتي أنشئت في عهد السُّلطان عبد الحميد، ففي سنة 1900م بدأ بتشييد خطٍّ حديديٍّ من دمشق إِلى المدينة للاستعاضة به عن طريق القوافل الَّذي كان يستغرق من المسافرين حوالي أربعين يوماً، وطريق البحر الَّذي يستغرق حوالي اثني عشر يوماً من ساحل الشَّام إِلى الحجاز، وكان يستغرق من المسافرين أربعة، أو خمسة أيَّامٍ على الأكثر، ولم يكن الغرض من إِنشاء هذا الخطِّ مجرَّد خدمة حجَّاج بيت الله الحرام، وتسهيل وصولهم إِلى مكَّة، والمدينة، وإِنَّما كان السُّلطان عبد الحميد يرمي من ورائه أيضاً إِلى أهدافٍ سياسيَّةٍ، وعسكريَّةٍ، فمن النَّاحية السِّياسيَّة خلق المشروع في أنحاء العالم الإِسلامي حماسةً دينيَّةً كبيرةً؛ إِذ نشر السُّلطان على المسلمين في جميع أنحاء الأرض بياناً يناشدهم فيه المساهمة بالتَّبرُّع لإِنشاء هذا الخطِّ (بني المرجة، ص 113)، وقد افتتح السُّلطان عبد الحميد قائمة التَّبرُّعات بمبلغ (خمسين ألفاً ذهباً عثمانيّاً من جيبه الخاصِّ) وتقرَّر دفع (مئة ألفٍ) ذهباً عثمانيّاً من صندوق المنافع، وأُسِّست الجمعيَّات الخيريَّة، وتسابق المسلمون من كلِّ جهةٍ للإِعانة على إِنشائها بالأنفس، والأموال (حرب، ص 222).

وتبرَّع للمشروع الشَّخصيَّات الهامَّة في الدَّولة، مثل الصَّدر الأعظم ووزير الحربيَّة (حسين باشا) ووزير التِّجارة، والأشغال (ذهني باشا)، ورئيس لجنة المشروعات (عزَّت باشا).

وتبارى موظَّفو الشَّركات في التَّبرُّع، مثل موظَّفي شركة البواخر العثمانيَّة. وكذلك موظَّفو الدَّولة العموميُّون، والولايات، مثل ولاية بيروت، ودمشق، وحلب، وبورصة، وغيرها.

وشارك القصر الحاكم في مصر في حملة التَّبرُّعات، وشُكِّلت في مصر لجنة الدِّعاية للمشروع، وجمع التَّبرُّعات له برئاسة (أحمد باشا المنشاوي). كما شاركت الصَّحافة المصريَّة في حملة سكَّة حديد الحجاز بحماسٍ، ومثال على ذلك جريدة المؤيَّد. وجمعت جريدة (اللِّواء) المصريَّة تبرُّعاتٍ للمشروع بلغت ـ حتَّى عام 1904م ـ ثلاثة آلاف ليرة عثمانيَّة. وكان يرأسها مصطفى كامل باشا، كما جمع (علي كامل) مبلغ (2000) ليرة عثمانيَّة للمشروع حتَّى عام 1901م.

وأسهم في هذه الحملة، جريدة (المنار) وجريدة (الرَّائد المصري) وشُكِّلت لجان تبرُّع للمشروع في كلٍّ من القاهرة، والإِسكندريَّة، وغيرهما من مدن مصر.

وكان مسلمو الهند أكثر مسلمي العالم حماساً، وعاطفةً، وتبرُّعاً للمشروع. وقد تبرَّع أمير حيدر أباد بالهند بإنشاء محطَّة المدينة المنوَّرة في المشروع، كما تبرَّع شاه إِيران بمبلغ (50000) ليرة عثمانيَّة.

ورغم احتياج المشروع لبعض الفنِّيِّين الأجانب في إِقامة الجسور، والأنفاق، فإِنَّهم لم يُستخدموا إِلا إِذا اشتدَّت الحاجةُ إِليهم، مع العلم بأنَّ الأجانب لم يشتركوا إِطلاقاً في المشروع، ابتداءً من محطَّة الأخضر ـ على بعد 760 كيلو متراً جنوب دمشق ـ وحتَّى نهاية المشروع. ذلك لأنَّ لجنة المشروع استغنت عنهم، واستبدلتهم بفنِّيِّين مصريِّين.

وبلغ عدد العمَّال غير المهرة عام 1907م (7500) عامل. وبلغ إِجمالي تكاليف المشروع (4283000) ليرة عثمانيَّة. وتمَّ إِنشاء المشروع في زمنٍ وتكاليف أقلَّ ممَّا لو تعمله الشَّركات الأجنبيَّة في أراضي الدَّولة العثمانيَّة (حرب، ص 222). وفي أغسطس سنة 1908م وصل الخطُّ الحديديُّ إِلى المدينة المنوَّرة، وكان مفروضاً أن يتمَّ مدُّه بعد ذلك إِلى مكَّة، لكن حدث أن توقَّف العمل فيه لأنَّ شريف مكَّة ـ وهو الحسين بن علي ـ خشي على سلطانه في الحجاز من بطش الدَّولة العثمانيَّة، فنهض لعرقلةِ مدِّ المشروع إِلى مكَّة، وكانت مقرَّ إِمارته، وقوَّته. فبقيت نهاية الخطِّ عند المدينة المنوَّرة، حتَّى إِذا قامت الحرب الكبرى الأولى عمل الإِنكليز بالتَّحالف مع القوَّات العربيَّة الَّتي انضمَّت إِليهم بقيادة فيصل بن الحسين بن عليٍّ على تخريب سكَّة حديد الحجاز، ولا تزال هذه السِّكَّة معطَّلةً حتَّى اليوم، والمأمول أن تبذل الجهود لإِصلاحها حتَّى تعود إِلى العمل في تيسير سفر حجَّاج بيت الله الحرام.

-     قيمة المشروع الاستراتيجية

وصف السَّفير البريطانيُّ في القسطنطينيَّة في تقريره السَّنوي لعام 1907م أهمِّيَّة الخطِّ الحجازي، فقال: (إِنَّ بين حوادث السَّنوات العشر الأخيرة عناصر بارزةً في الموقف السِّياسيِّ العامِّ، أهمُّها خطَّة السَّلطان الماهرة الَّتي استطاع أن يظهر بها أمام ثلاثمئة مليون من المسلمين في ثوب الخليفة الَّذي هو الرَّئيس الرُّوحي للمسلمين، وأن يقيم لهم البرهان على قوَّة شعوره الدِّينيِّ، وغيرته الدِّينيَّة ببناء سكَّة حديد الحجاز؛ الَّتي ستمهِّد الطَّريق في القريب العاجل أمام كلِّ مسلمٍ للقيام بفريضة الحجِّ إِلى الأماكن المقدَّسة في مكَّة، والمدينة). فلا غرو إِذا ما لمسنا حنق الإِنكليز على ذلك الخطِّ الحديديِّ، وافتعالهم الأزمات لإِعاقته، وانتهازهم أوَّل فرصةٍ لتعطيله، ونسفه؛ لقطع الطَّريق على القوَّات العثمانيَّة (بني المرجة، ص 114).

وكان أوَّل قطار قد وصل إِلى محطَّة سكَّة الحديد في المدينة المنوَّرة من دمشق الشَّام يوم 22 آب (أغسطس) 1908م، وكان بمثابة تحقيق حلم من الأحلام بالنِّسبة لمئات الملايين من المسلمين في أنحاء العالم كافَّةً، فقد اختصر القطار في رحلته الَّتي استغرقت ثلاثة أيَّام، وقطع فيها 814 ميلاً مشقَّات رحلةٍ كانت تستغرق في السَّابق أكثر من خمسة أسابيع، كما خفقت في ذلك اليوم التَّاريخي قلوب أولئك الَّذين كانوا مشتاقين إِلى القيام بأداء فريضة الحجِّ المقدَّسة (بني المرجة، ص 114).

كانت سياسة عبد الحميد الإِسلاميَّة محصَّنةً، فأراد أن يجمع قلوب المسلمين حواليه باعتباره خليفة المسلمين جميعاً، فكان مدُّ خطِّ السِّكَّة الحديدي بين الشَّام، والحجاز من الوسائل الجميلة في تحقيق هدفه المنشود (بني المرجة، ص 114).

كان كرومر المعتمد البريطانيُّ في مصر (1301 - 1325هـ ـ 1883 - 1907 م) من أوائل من ألَّب أوربَّة على الجامعة الإِسلاميَّة، وحرص على أن يتحدَّث في تقاريره السَّنويَّة عن الجامعة الإِسلاميَّة ببغضٍ شديدٍ، وفي الوقت نفسه نشرت جريدة الأهرام (المصريَّة) تصريحاتٍ مثيرةً لوزير فرنسيٍّ هو (هانوتو) هاجم فيها الجامعة الإِسلاميَّة. وكانت مهاجمة الجامعة الإِسلاميَّة تُستتبع بالتَّالي بمهاجمة الدَّولة العثمانيَّة؛ حتَّى تتفرَّق الوحدة الَّتي تجمع من حولها الدُّول الإِسلاميَّة لتواجه النُّفوذ الاستعماريَّ الزَّاحف الَّذي قد رسم مخطَّطه على أساس التهام هذه الوحدات، والحيلولة دون التقائها مرَّةً أخرى في أيِّ نوعٍ من الوحدة؛ ليستديم سيطرته عليها؛ فاتَّخذوا لذلك عدَّة أعمالٍ أساسيَّةٍ:

1 ـ تعميق الدَّعوات الإِقليميَّة، والخاصَّة بالوطنيَّة، والأرض، والأمَّة، والعرق.

2 ـ خلق جوٍّ فكريٍّ عامٍّ لمحاربة الوحدة الإِسلاميَّة، وتصفيتها.

وكلُّ هذا مقدِّمةٌ لإِلغاء الخلافة العثمانيَّة نهائيّاً، وبالتَّعاون مع الصَّهيونيَّة العالميَّة ويهود الدُّونمة، وأذنابهم من جمعيَّات تركيَّا الفتاة، والاتِّحاد والتَّرقِّي (المصري، 1/101).

إن إعادة إحياء سكّة حديد الحجاز برؤيةٍ عصريةٍ هو دلالة تاريخية عميقة على أن الجغرافيا لا تموت، وأن الطرق الكبرى تعود حين تنضج شروطها. ولقد أراد السلطان عبد الحميد من هذا المشروع أن يكون جسراً للوحدة والتكامل بين أطراف العالم الإسلامي، وأن يخدم الدين والدولة معاً في آنٍ واحد. واليوم، ومع تصاعد الأزمات في الممرات البحرية الدولية، وإغلاق بعض الطرق الحيوية، يعود هذا المشروع ليطرح نفسه كبديلٍ استراتيجيٍّ يعيد رسم خريطة النقل والتجارة في المنطقة، ويمنح دوله فرصةً جديدة لبناء تكاملٍ اقتصاديٍّ يتجاوز حدود السياسة التقليدية. وبين عهد السلطان عبد الحميد والمرحلة الراهنة، لا يبدو مشروع سكّة حديد الحجاز استعادةٍ لرؤية حضارية تاريخية فقط، وإنما هو امتدادٌ حيٌّ لفكرةٍ لم تمت، بل تأجّلت حتى تجد زمانها المناسب.

المصادر والمراجع:

([1]) بني المرجة، موفق. صحوة الرَّجل المريض، دار البيارق، الطَّبعة الثَّامنة، 1417هـ ـ 1996م.

(2) حرب، محمد. السُّلطان عبد الحميد الثَّاني، دار القلم دمشق، الطَّبعة الأولى، 1410هـ ـ 1990م.

(3) المصري، جميل عبدالله محمد. حاضر العالم الإِسلامي، جامعة المدينة المنوَّرة.

(4) الصلابي، علي محمد. السلطان عبد الحميد الثاني وفكرة الجامعة الإسلامية، ط1، 2024.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤