... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
211769 مقال 299 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 6906 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

مشروع جديد لتجاوز هرمز بين الطموح الجيوسياسي وحقائق الواقع الاقتصادي

سياسة
أمد للإعلام
2026/04/18 - 19:55 502 مشاهدة

مما لا شك فيه ان كافة المتضررين من إغلاق مضيق هرمز، يبحثون عن مخرج من عنق الزجاجة، في المشهد الجيوسياسي المضطرب لمنطقة الشرق الأوسط، يظل مضيق هرمز الشريان الأكثر حيوية وخطورة في آنٍ واحد لاقتصاد الطاقة العالمي. يمر عبر هذا الممر المائي الضيق يومياً ما يقرب من خمس إمدادات النفط العالمية، مما يجعله نقطة الاختناق الأكثر تأثيراً على الاقتصاد الدولي.

في هذا السياق، جاء هذا المقال المتواضع ليسلط الضوء على دراسة جادة ومكلفة تدرسها (دول خليجية بينها العراق)، تهدف إلى إنشاء شبكة أنابيب برية عملاقة لتجاوز المضيق، بتكلفة تقديرية تصل إلى خمسة وخمسين مليار دولار أمريكي. يضع هذا المشروع الضخم العراق في موقع مركزي على الخارطة، لكنه يطرح في الوقت ذاته أسئلة وجودية حول الجدوى الحقيقية والتكلفة الاستراتيجية لمثل هذا التحول الجذري في بنية تصدير الطاقة الإقليمية. هذا التحليل يسعى إلى تفكيك مكونات الخطة، وتقييم جوانبها الإيجابية والسلبية، وصولاً إلى حكم موضوعي حول فرص نجاحها وتأثيرها المحتمل على الدولة العراقية عبر تحليل النقاط التالية:

أولاً : تشريح الخطة من الفكرة إلى المسار المقترح

لفهم أبعاد المشروع الجديد، لا بد من الوقوف على تفاصيله الأساسية كما يمكن استخلاصها من التقارير المتاحة؛ تدور الفكرة المحورية حول إنشاء ممر بري بديل وآمن لتصدير النفط الخام، متجاوزاً بذلك الحاجة المطلقة للمرور عبر المياه الإقليمية الإيرانية في مضيق هرمز.

المسار الجغرافي المقترح يبدأ من الحقول النفطية العملاقة في جنوب العراق، وبالتحديد من محافظة البصرة التي تمثل العمود الفقري للاقتصاد العراقي، بحيث يمتد خط الأنابيب من البصرة باتجاه الجنوب ليعبر الأراضي الكويتية، ثم يتوغل في عمق الصحراء السعودية، ليصل في نهاية المطاف إلى موانئ التصدير المطلة على بحر العرب في سلطنة عُمان، وتحديداً ميناء الدقم الاستراتيجي أو ميناء صلالة.

التكلفة الإجمالية المقدرة بخمسة وخمسين مليار دولار تمثل رقماً فلكياً بكل المقاييس، هذا المبلغ لا يقتصر على تكلفة مد الأنابيب الفولاذية فحسب، بل يشمل إنشاء شبكة معقدة من محطات الضخ العملاقة المنتشرة على طول آلاف الكيلومترات لدفع النفط الثقيل عبر التضاريس الصحراوية الوعرة، إضافة إلى إنشاء خزانات تخزين استراتيجية هائلة في نقطة التصدير النهائية على بحر العرب، وشبكات متطورة للمراقبة والتحكم والأمن السيبراني.

أما فيما يتعلق بنموذج التمويل، فتشير الدلائل إلى صيغة تشاركية تقوم على مبدأ "التمويل حسب الاستخدام". أي أن كل دولة مستفيدة ستتحمل جزءاً من التكلفة الإجمالية بناءً على حصتها المتوقعة من الطاقة التصديرية للخط، مع احتمالية إشراك صناديق سيادية خليجية أو شركات نفط عالمية كبرى كمستثمرين وشركاء تشغيليين. المدة الزمنية لإنجاز هكذا مشروع مهول لن تقل عن "سبع سنوات" في أكثر السيناريوهات تفاؤلاً، وقد تمتد إلى عقد ونصف من الزمان بالنظر إلى التعقيدات البيروقراطية والبيئية والهندسية.

ثانيا: جوانب الإيجاب – المنفعة الاستراتيجية والتحوط من المخاطر

على الرغم من ضخامة التحديات، إلا أن فكرة المشروع تنطوي على مزايا استراتيجية عميقة تجعل منه خياراً مغرياً، خاصة بالنسبة لدولة مثل العراق تعاني من هشاشة مفرطة في منافذها التصديرية ويتجلى ذلك في الآتي:

-الميزة الأولى: والأكثر وضوحاً هي تأمين شريان الحياة الاقتصادي للبلاد؛ حيث يعتمد العراق بشكل شبه كلي على إيرادات النفط لتمويل موازنته العامة، ويعتمد في تصدير هذا النفط على موانئ البصرة التي تطل مباشرة على الخليج العربي. أي تصعيد عسكري يؤدي إلى إغلاق مضيق هرمز، ولو بشكل جزئي أو مؤقت، يعني توقف عجلة الاقتصاد العراقي بالكامل وانهيار الإيرادات، وبالتالي وجود منفذ بديل على بحر العرب يمنح بغداد ورقة ضغط ثمينة وتأميناً استراتيجياً ضد الصدمات الخارجية، ويحول دون استخدام الاقتصاد العراقي كرهينة في نزاعات لا صلة مباشرة للعراق بها.

-الميزة الثانية: تتعلق بالجدوى الاقتصادية طويلة المدى عند مقارنتها بتكاليف المخاطرة. يقدم التقرير المقترح لهذا المشروع الجديد، مقاربة منطقية حين يقارن كلفة المشروع البالغة خمسة وخمسين مليار دولار بحجم "رسوم المخاطرة" الافتراضية التي قد تتكبدها الدول المصدرة على مدى ربع قرن. هذه التكاليف تشمل أقساط التأمين البحري الباهظة التي ترتفع بشكل جنوني في أوقات التوتر السياسي والنزاعات الدولية المسلحة ، إضافة إلى الرسوم التي قد تفرضها القوى المسيطرة على المضيق في حال تفاقم النزاعات، ومن منظور تحليل التكلفة والعائد، قد يكون الاستثمار في بنية تحتية برية ثابتة أرخص على المدى البعيد من دفع "ضريبة الخوف" السنوية.

- الميزة الثالثة: تكمن في تعزيز التكامل الاقتصادي الخليجي.

لا شك أن نجاح مشروع بهذا الحجم يتطلب درجة غير مسبوقة من التعاون والتنسيق بين أربع دول على الأقل في المنطقة، هذا التعاون النفعي في قطاع الطاقة قد يتحول إلى لبنة أساس لشراكات اقتصادية أوسع، تمتد لتشمل الربط الكهربائي والسككي وتبادل الاستثمارات، مع الإشارة ان وجود خط أنابيب يربط نفط البصرة بالأسواق الآسيوية النامية عبر عُمان يعزز مكانة دول المنطقة ككل كمورد موثوق وآمن للطاقة في نظر المستهلكين العالميين، خاصة الهند والصين وكوريا الجنوبية.

-ثالثا: جوانب السلب – الفخاخ السيادية والتحديات الخفية

بالمقابل، بعد النظر في تفاصيل مشروع الأنابيب الجديد المقترح الذي سمتد من العراق إلى سلطنة عمّان،يكشف التحليل المعمق للخطة من منظور المصالح الوطنية العراقية عن مجموعة من التحديات الهيكلية والفخاخ السيادية التي قد تجعل من هذا المشروع المقترح عبئاً استراتيجياً بدلاً من أن يكون طوق نجاة. أولى هذه التحديات وأكثرها إلحاحاً هي معضلة التمويل.

لا شك ان الاقتصاد العراقي مثقل بديون داخلية وخارجية، ويعاني من عجز هيكلي في موازنته العامة بسبب الاعتماد شبه الحصري على عوائد النفط، وبالتالي توجيه مليارات الدولارات من الخزينة العراقية المنهكة لتمويل مد أنابيب عبر أراضي دول مجاورة، بينما تعاني مصافي التكرير المحلية وشبكات نقل المنتجات النفطية من تقادم وتهالك شديدين، يمثل سوء تخصيص حاد للموارد المالية النادرة.

وربما السؤال النقدي الذي يطرح نفسه؛ أليس من الأجدر استثمار هذه الأموال في بناء مصافٍ جديدة لتحويل النفط الخام إلى مشتقات عالية القيمة بدلاً من مد أنبوب طويل ومكلف جدا لتصدير الخام ذاته.

كذلك هناك عدة تحديات وربما أخطرها يتمثل في المخاطر السيادية واستبدال التبعية؛ بينما يوحي المشروع الجديد المقترح، بأن الأنبوب يبدأ من "جنوب العراق"، إلا أن الحقيقة الجغرافية الصارخة هي أن المسار يمر عبر أراضي دولتين على الأقل قبل الوصول إلى نقطة التصدير النهائية. هذا يعني أن العراق سيكون مضطراً لدفع رسوم عبور إلى الكويت والسعودية.

مما يعني عملياً استبدال رسوم مضيق هرمز "الافتراضية" للحرس الثوري الايراني برسوم "فعلية" اخرى، لا يملك العراق سلطة التفاوض عليها بشكل منفرد؛والأخطر من ذلك هو أن أي خلاف حدودي أو سياسي مستقبلي مع أي من دول المرور يمنح تلك الدولة القدرة التقنية على إغلاق الصمامات أو خفض ضغط الضخ، مما يعني أننا ببساطة نكون قد استبدلنا تهديداً إيرانياً بتهديد جوار إقليمي آخر، قد يكون أكثر هدوءاً في الوقت الراهن لكنه لا يقل خطورة على المدى الاستراتيجي في المستقبل البعيد.

أيضاً من ضمن التحديات للمشروع المقترح، هو تعارض الأولويات مع المشاريع الاستراتيجية الوطنية القائمة؛ حيث يستثمر العراق حالياً مليارات الدولارات بجهد حثيث في تطوير ميناء الفاو الكبير، وهو مشروع سيادي يهدف إلى تحويل البلاد إلى ممر عالمي للتجارة ومنصة تصدير نفطية عملاقة عن دول الخليج.

بهذا يعتبر الاندفاع نحو مشروع "تجاوز هرمز" عبر عُمان من شأنه أن يقلل من الأهمية الاستراتيجية لميناء الفاو العراقي في نظر المستثمرين والمجتمع الدولي، يخلق هذا الأمر تناقضاً صارخاً في السياسة العامة للدولة العراقية، حيث يتم الترويج لمشروعين متناقضين (أحدهما يثبت الأقدام في الخليج، والآخر يخطط للهروب من الخليج).

كذلك من ضمن التحديات يتعلق الأمر بالجانب الأمني واللوجستي، باعتبار خط الأنابيب المقترح هو هدف استراتيجي ثابت وممتد لآلاف الكيلومترات في صحراء مكشوفة، وبالتالي هو أكثر عرضة للهجمات التخريبية والارهابية، سواء من خلايا نائمة أو بطائرات مسيّرة رخيصة الثمن، مقارنة بممر مائي دولي تحميه اتفاقيات وأساطيل بحرية عالمية.

حيث بضربة واحدة موفقة لإحدى محطات الضخ الرئيسية قد تعطل تدفق النفط لأسابيع إن لم يكن لأشهر، مما يحول المشروع من مصدر للأمان إلى مصدر للقلق والاستهداف الدائم، ورغم كل هذه التحديات يبقى عامل الزمن هو العدو الخفي للمشروع المقترح انجازه في مدة من سبع سنوات إلى 15 عام، مع التنبيه ان المشاريع البينية العملاقة في الشرق الأوسط تستغرق عقوداً لتتحقق، بينما الأزمات الجيوسياسية تحدث في غمضة عين، والاعتقاد بأن بناء أنبوب هو حل دائم لواقع شديد التقلب والديناميكية قد يكون وهماً استراتيجياً.

-رابعا: تقييم مدى النجاح بين أمل دراسة المشروع المقترح ويقين الواقع.

بعد استعراض جوانب القوة والضعف للمشروع المقترح، هناك تخوف من فرص نجاح هذه الخطة فعلياً على ارض الواقع، بسبب كثرة العقبات، تحديدا عندما نجد أن التكلفة المالية وحدها تشكل عائقاً هائلاً؛ مبلغ خمسة وخمسين مليار دولار يتجاوز بكثير ميزانيات استثمارية كاملة لدول مثل العراق والكويت.

كما أن الجدوى الاقتصادية مبنية على افتراض استمرار التهديد الإيراني لعقود قادمة، وهو افتراض قد ينهار فجأة في حال حدوث انفراجة دبلوماسية مع دول المنطقة، مما يجعل الاستثمار غير قابل للاسترداد؛ أيضا التعقيدات الجيوسياسية تمثل عائقاً آخر لا يقل صعوبة، حيث أن إدارة خط أنابيب عابر للحدود من قبل أربع دول ذات مصالح متضاربة أحياناً يتطلب إطاراً قانونياً وسياسياً متيناً لم نره بعد في المنطقة؛ إضافة للبعد الأمني والضعف الهيكلي للخط كمشروع بنية تحتية ثابتة يجعله عرضة للابتزاز والتهديد.

في المقابل، هناك عوامل قوية قد تدفع المشروع قُدماً، خاصة في ظل الظروف الإقليمية الراهنة والحرب الأمريكية الاسرائيلية على ايران التي اشتعلت في 28-2-2026 وثم توقفت بعد 40 يوم من الحرب والعدوان على ايران وما زالت الأوضاع غير مستقرة لعدة عوامل منها:
أول هذه العوامل هو الإرادة السياسية التي يولدها الخطر المشترك وهي التهديدات الإيرانية المتكررة التي خلقت حالة من الذعر الاستراتيجي لدى عواصم الخليج العربي. هذا الشعور بالخطر الوجودي المشترك قد يدفعها لتجاوز الخلافات البينية الثنائية وتقديم تنازلات غير مسبوقة لتمويل المشروع وإنجازه.

ثاني هذه العوامل هو توفر السيولة المالية في بعض الدول الخليجية مثل السعودية والإمارات، والتي قد ترى في المشروع مصلحة استراتيجية عليا تستحق تحمل الجزء الأكبر من التكلفة، خاصة أنه سيخدم صادراتها إلى الشرق أيضاً.

ثالث هذه العوامل، الضغط الجيوسياسي من القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة وأوروبا، التي تخشى من سيطرة دولة واحدة(ايران) على شريان الطاقة العالمي في مضيق هرمز، قد يترجم إلى دعم سياسي ولوجستي وحتى تمويلي من مؤسسات مالية دولية تسعى لضمان استقرار أسواق الطاقة العالمية وتحديدا من دول اسيا.

بناءً على هذا التحليل، يمكن استخلاص حكم متوازن بشأن فرص النجاح لهذا المشروع المقترح، على المدى القريب الذي يتراوح بين خمس إلى سبع سنوات أو 15 عاما، تبدو فرص تنفيذ المشروع بكامل طموحه ضعيفة للغاية، وحول التحديات المالية والقانونية والأمنية هي أكبر من أن تحل بسرعة، وسيبقى المشروع على الأرجح حبيس الدراسات الاستشارية وأدراج المكاتب الحكومية بين الدول الأعضاء في هذا المشروع الجديد.

أما على المدى البعيد الذي قد يمتد لعقد ونصف مدة 15 عاماً من التنفيذ لإنجاز المشروع النهائي، فإن فرص النجاح ترتفع إلى مستوى متوسطة إلى ضعيفة، ولكنها ليست معدومة، ولكن الأقرب للواقع هو أن يشهد العالم نسخة معدلة ومجزأة من المشروع، تتمثل في تطوير وتوسعة البنى التحتية القائمة حالياً، مثل الخط السعودي الشرقي-الغربي والخط الإماراتي إلى الفجيرة، وربطها بحقول جنوب العراق عبر أنابيب قصيرة نسبياً، بدلاً من مد خط عملاق جديد تماماً عبر الصحراء يبدأ من الصفر.

ختاما، يمكن القول أن المشروع يحتاج إلى عقلانية استراتيجية وليس إلى استجابة انفعالية، وفي المحصلة النهائية، يمثل مشروع تجاوز هرمز حلاً هندسياً جذاباً لمعضلة سياسية شائكة ستبقى قائمة طويلا في المنطقة، وربما هذا يعكس وعياً عميقاً بمخاطر الاعتماد على منفذ بحري وحيد، ويقدم بديلاً ملموساً لمواجهة التهديدات؛ ومع ذلك، بالنسبة للعراق تحديداً، يجب التعامل مع هذه الفكرة بحذر استراتيجي بالغ.

الخطة المقترحة لا تخلو من فوائد، لكنها محفوفة بمخاطر قد تؤدي إلى استبدال تبعية بأخرى، والرهان الأكثر أماناً وجدوى لصانع القرار العراقي لا يكمن في وضع البيض كله في سلة (مشروع إقليمي) ضخم مجهول المصير، بل في تبني استراتيجية شاملة تقوم على مبدأ تنويع منافذ التصدير.

كما يجب أن تكون الأولوية القصوى للعراق هي استكمال مشروع ميناء الفاو الكبير، وتأهيل خط أنابيب كركوك-جيهان التركي، والمضي قدماً في مشروع أنبوب البصرة-العقبة الأردني.

اخيراً، على ضوء هذه الخيارات السيادية المتعددة للعراق، يصبح مشروع "تجاوز هرمز" مجرد خيار تكميلي ينبغي النظر إليه كأداة إضافية في صندوق العدة الاستراتيجي، وليس كحل سحري وحيد، بل العراق بحاجة إلى عقلية استراتيجية باردة ومنفتحة تزن بين مكاسب المرونة اللوجستية وخسائر الارتهان لمسارات عبور جديدة، قبل الإقدام على أي التزام مالي أو سياسي طويل الأجل في مغامرة 55 الخمسة وخمسين مليار دولار في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية في العراق.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤