كما يسلط الضوء على دور الكتاب في مجتمع بلاد الرافدين، حيث كانوا يشكلون طبقة من النخبة المرتبطة بالمؤسسات الدينية والإدارية، وارتبطت هذه المهنة بالمجتمع طبقيا، فقد كان الكاتب غالبا من الكهنة أو من أبناء الطبقات العليا، ويتلقى تعليما متخصصا في مدارس ملحقة بالمعابد، تعرف بـاسم "بيت الألواح". كان تعلم الكتابة عملية معقدة تتطلب جهدا كبيرا، وكان من يتعلمها يحظى بفرص كثيرة للوظائف الإدارية والمناصب الرفيعة.

تنطوي حضارة بلاد ما بين النهرين على مراحل تعليمية مختلفة، من المدارس الابتدائية التي تعلم القراءة والكتابة والحساب، إلى المدارس المتقدمة التي تدرس العلوم كالفلك والطب والأدب. كما يشرح الكتاب الهيكل الإداري للمدارس، ودور المعلمين والمشرفين في تدريب الطلاب وتعليمهم وضبط سلوكهم.
ومن الجوانب المهمة التي يناقشها المؤلف تطور مهنة الكتابة واتخاذها تخصصات: مثل كاتب المعبد، وكاتب الملك، وغيرهما، حيث كان لكل كاتب دور محدد في إدارة شؤون الدولة أو المؤسسة الدينية. ثم ينتقل إلى إبراز التحولات اللغوية التي شهدتها المنطقة كانتشار اللغة الآرامية التي أصبحت لاحقا هي اللغة السائدة.
إن الكاتب يقدم صورة غنية عن حضارة بلاد ما بين النهرين، ويظهر كيف أسهمت الكتابة في بناء مؤسسات الدولة وتطوير الفكر الإنساني. والكتاب يتجاوز السرد التاريخي ليبرز القيمة الحضارية لهذه الإنجازات، ويؤكد أن ما وصلنا اليوم من معرفة عن تلك الحضارة إنما يعود إلى تلك الألواح الطينية التي حفظت ذاكرة الإنسان الأولى.
الكتاب: أيام الفاطمي المقتول
الكاتب: نزار شقرون
الناشر: دار مسكيلياني للنشر والتوزيع – تونس
ينتمي "مختار الفاطمي"، بطل الرواية، إلى أسرة تحمل إرثا مرتبطا بحقبة الفاطميين، وضمن إحساسه العميق بالضياع والبحث عن الذات، ينطلق في رحلة شاقة للبحث عن جذوره وتاريخ أجداده، في محاولة لإيجاد معنى لوجوده في الحاضر الذي تتبدد فيه الهوية وتتلاشى القيم الثابتة، وليس بحثا عن النسب بالمعنى التقليدي للكلمة.
هذه الرحلة التي يخوضها "مختار الفاطمي"، في رواية "أيام الفاطمي المقتول" للروائي التونسي نزار شقرون، ليست رحلة جغرافية فقط، على الرغم من أنه ينطلق فيها من تونس وصولا إلى مصر، إنما هي أيضا رحلة وجودية في أعماق الزمن والذاكرة. في مصر، وضمن سياق مليء بالاضطرابات السياسية والاجتماعية، ينغمس في بحث تاريخي ويكشف أسرارا تتعلق بالفاطميين، الأمر الذي ينتهي به إلى وفاة غامضة، اعتقد محيطه أنها كانت نتيجة حادث طبيعي، لكنها في الحقيقة كانت أكثر تعقيدا من ذلك بكثير.
من هنا فإن الرواية تكثف تجربة سردية خاصة تمزج بين التاريخ والخيال والفكر الفلسفي.
لا تختتم القصة بانتهاء حياة البطل، بل تبدأ من لحظة موته، حين تتحرر روحه من جسده، ليصبح هو الراوي الميت الذي يعيد سرد أحداث رحلته وما مر به من تحولات. وبهذه التقنية السردية يتحول الموت من نهاية إلى منطلق سردي جديد، تنكشف من خلاله علاقات القوة والسلطة والذاكرة، وتطرح الرواية أسئلة وجودية حول معنى الحياة، والموت، والحقيقة، والهوية. فالمتكلم ليس هو مختار الفاطمي، بل روحه.












