مراكش بين الملايير المهدورة وغرق جامع الفنا.. فشل مشاريع التأهيل يفضح تدبير المجلس الجماعي
يبدو أن ما يُسمى بـ”أوراش التأهيل” في مراكش لم يكن سوى واجهة خطابية لتبرير صرف ميزانيات ضخمة، سرعان ما انكشفت هشاشتها مع أول اختبار حقيقي، فالمدينة الحمراء التي رُوّج لها كوجهة عالمية متجددة، عادت لتكشف واقعاً مغايراً تماماً، بعد أن تحولت ساحة جامع الفنا إلى مشهد من الفوضى والغرق إثر تساقطات مطرية لم تتجاوز دقائق معدودة.
هذه الأمطار القصيرة كانت كافية لإسقاط كل الشعارات التي رافقت مشاريع التأهيل، وكشف محدودية البنية التحتية التي قُدمت على أنها “نقلة نوعية” في تدبير المدينة.. قنوات صرف صحي غير قادرة على تصريف المياه، وأرصفة حديثة تحولت إلى مساحات مغمورة، وصور متداولة تعكس حجم الاختلال بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني.
المعطيات المرتبطة بالميزانيات المرصودة تطرح بدورها علامات استفهام ثقيلة، في ظل حديث عن ملايير تم ضخها في مشاريع التهيئة، من بينها مبالغ ضخمة خصصت لساحة جامع الفنا، دون أن يظهر أثرها بشكل يحمي مدينة مراكش من أبسط التساقطات، هذا الوضع لا يمكن اختزاله في “اختلال تقني”، بل يضع مباشرة ملف تدبير المال العام تحت المجهر.
وفي قلب هذا الجدل، يبرز اسم رئيسة المجلس الجماعي، فاطمة الزهراء المنصوري، التي تواجه انتقادات متصاعدة من داخل المجلس نفسه، بعد اتهامات وجهها مستشارون جماعيون بوجود محاباة في تدبير بعض الصفقات لفائدة مقاول ينتمي سياسياً إلى حزبها، وهو ما زاد من حدة الشكوك حول طريقة تدبير المشاريع الحضرية بالمدينة.
الأكثر إثارة للانتباه أن “أوراش التأهيل” التي رُوّج لها كعلامة على تحول حضري كبير، تبدو اليوم وكأنها أعادت إنتاج نفس الاختلالات التي يفترض أنها جاءت لمعالجتها، فبعد تبخر وعود الجودة والمتانة، ظهرت في الفترة الأخيرة أشغال صيانة جديدة داخل الساحة، في اعتراف غير مباشر بفشل التدخلات الأولى التي عرتها الأمطار.
هذا المشهد يعيد طرح سؤال جوهري يتعلق بجدوى التخطيط الحضري في المدينة، وبمدى احترام معايير الجودة في الصفقات العمومية، خاصة حين يتعلق الأمر بمدينة ذات طابع سياحي عالمي تستقبل ملايين الزوار سنوياً.
مصادر من داخل جماعة مراكش، أكدت أن الأمر لا يتعلق فقط بتساقطات مطرية كشفت هشاشة البنية التحتية، بل بمنظومة تدبيرية كاملة تبدو عاجزة عن تحويل الميزانيات الضخمة إلى نتائج ملموسة على الأرض، وأن مراكش اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى مساءلة حقيقية تعيد الاعتبار للمال العام ولثقة المواطنين في تدبير مدينتهم.


