مؤتمر الأجندة الوطنية للشركات الناشئة التقنية: رهانٌ استراتيجي على المستقبل أم مسرحٌ للنوايا الحسنة؟
في قاعة مكتظة بالحواسيب المحمولة ولافتات الشركات الناشئة وسحب الطموح الشبابي، انطلقت في رحاب جامعة دمشق أعمال مؤتمر الأجندة الوطنية للشركات الناشئة التقنية، في حدث يُعدّ الأول من نوعه في سوريا، برعاية الأمانة العامة لشؤون مجلس الوزراء ودعوة من وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات، يحمل هذا المؤتمر ثقلاً مزدوجاً: إطلاق أول منصة وطنية لدعم الشركات الناشئة، واستعراض الأجندة الوطنية للتقانة 2025-2030.
ووفق تقديرات منظمات دولية متخصصة، غادر أكثر من 70% من كوادر التقانة السورية البلاد منذ 2011، وأسّس كثيرون منهم شركات ناجحة في برلين وإسطنبول ودبي والمونتريال.
هذا ويوجد500 شركة ناشئة تقنية، مسجّلة في سوريا، و200 خبير ورائد أعمال مشارك في المؤتمر الذي ضم 12 جلسة وورشة عمل في يومين، و2025-2030 هي سنوات الأجندة وخارطة طريق.
لكن السؤال الذي يتردد بين الحضور هامساً: هل هذا التاريخ يُكتب اليوم فعلاً، أم أنه يُعلَن فحسب؟
سوريا والتقانة في زمن التعافي: المؤتمر ماذا يعرض وماذا يخفي؟
لا تشبه دمشق اليوم المدينة التي يتخيلها كثيرون، في أحياء المالكي والمزة ووادي بردى، ثمة جيلٌ كامل من الشباب السوري الذي نشأ رقمياً، اختبر غرف الشات وأدوات الذكاء الاصطناعي، وبنى مشاريعه الأولى على الهاتف المحمول قبل أن يبني أي شيء آخر، هذا الجيل هو الوقود البشري للمؤتمر.
هكذا بدأ حديثه المهندس عدنان المسالمة أحد المنظمين المشاركين في المؤتمر، وتابع: غير أن هذا الوقود يحترق في الغالب خارج الحدود.
وأضاف مسالمة في تصريحات لـ”963+” إن المؤتمر ليس مجرد حدث، بل هو رسالة استدعاء لعقول مهاجرة ونداء لعودة محتملة أو استثمار عابر للحدود، إلا أن التحدي الحقيقي ليس إطلاق المنصة، بل إقناع المبدع السوري الموهوب بأن وطنه جاهز لاستقباله ودعمه.
وأشار مسالمة إلى أن الإعلان المحوري في المؤتمر هو إطلاق المنصة الوطنية لدعم الشركات الناشئة التقنية، وستُقدّم المنصة خدمات متكاملة تشمل: التسجيل والترخيص المبسّط، وربط الشركات الناشئة بالمستثمرين والموجّهين، والوصول إلى برامج التمويل الحكومي والخاص.
وأوضح مسالمة أن محاور الأجندة الوطنية 2025-2030 تتضمن البنية التشريعية والتنظيمية، وتطوير قوانين الشركات الناشئة والملكية الفكرية، والتمويل والاستثمار، حيث صناديق رأس المال المجازفة وبرامج المنح الحكومية، والبنية التحتية الرقمية، من خلال الربط بالإنترنت عالي السرعة ومراكز البيانات، وأيضاً التعليم وبناء القدرات بمناهج ريادة الأعمال في الجامعات، وضمت المحاور التكامل الإقليمي والاندماج في أسواق المنطقة العربية والعالمية، مع التركيز على قطاعات الأولوية: الصحة، التعليم، الطاقة، الخدمات الحكومية الرقمية.
وبين مسالمة برنامج المؤتمر تضمن ما لا يقل عن 12 جلسة وورشة عمل موزعة على يومين، تتناول موضوعات من بيئة التمويل وصولاً إلى حماية الملكية الفكرية.
وعقدت جلسة “صانعو القرار” وبحثت في السياسات والتشريعات في بيئة ريادة الأعمال في سوريا، كما ناقش رواد أعمال في المراحل الأولى، والتمويل الأولي للشركات الناشئة، بينما بحث المطورون والمبتكرون، التقنيات الناشئة والذكاء الاصطناعي وفرص التطبيق، وتحدثت ورشة عمل عن المرأة في ريادة الأعمال التقنية من حيث التمكين والشمول لرائدات الأعمال، وأيضاً تم بحث الإقليم كسوق: فرص التوسع والتسويق الإقليمي، للشركات في مرحلة النمو، كما ناقش المؤتمر التشريعات وحماية الملكية الفكرية والإطار القانوني ضمت عدداً من المحامين والمستثمرين.
ماهي نقاط القوة والضعف في المؤتمر؟
الباحثة الاقتصادية ديالا الخطيب تقول في تصريح لـ”٩٦٣+” أن السياق الاقتصادي لا يمكن تجاهله في المؤتمر، فبعد سنوات من الضغوط والعزلة الاقتصادية، تحاول الحكومة السورية إيجاد محركات نمو بديلة، واقتصاد الشركات الناشئة جذّاب لأسباب عدة: يحتاج رأس مال بشري أكثر من رأس مال مادي، وينتج قيمة تصديرية عبر الخدمات الرقمية، ويوفر فرص عمل بتكلفة أقل نسبياً من المصانع التقليدية، ولكن هذا الجاذب ذاته هو ما يجعل الإخفاق، إن حدث، أكثر إيلاماً.
لكن ما يلفت النظر في قراءة البرنامج التفصيلي هو التفاوت بين الجلسات “الرؤيوية” الإطارية والجلسات التقنية التطبيقية، إذ تبدو الأولى أكثر حضوراً، في حين يتعطش كثير من رواد الأعمال الشباب لمعرفة: كيف أحصل على قرض؟ وكيف أسجّل شركتي في ثلاثة أيام بدلاً من ثلاثة أشهر؟
وتشير الخطيب إلى أنه وفي كل مؤتمر لريادة الأعمال حول العالم، يتردد السؤال ذاته: من أين يأتي المال؟ في السياق السوري، يكتسب هذا السؤال حدّة مضاعفة، بسبب غياب منظومة رأس المال المجازف المحلية، والقيود على التحويلات المصرفية الدولية، وشحّ المنح الحكومية المخصصة للشركات الناشئة، وكلها تُضيّق خيارات التمويل أمام رائد الأعمال السوري.
وتتساءل الخطيب: من يدعم رواد الأعمال السوريين اليوم؟ فتجيب قبل المؤتمر وبعيداً عن خطابه، ثمة منظومة دعم متشكّلة جزئياً وهشّة جزئياً، تعمل في دمشق وبعض المدن السورية حاضنات أعمال محلية، بعضها مدعوم أممياً وبعضها نشأ بمبادرات فردية، وفي الخريجين الشباب من كليات الهندسة والمعلوماتية، ثمة مواهب حقيقية تنتظر الفرصة، لكنها تنتظر طويلاً، إلا أن “مجتمع الشتات السوري” يُشكّل الرهان الأكبر للتمويل، ما يُقدَّر بملايين الدولارات في أيدي سوريين ناجحين خارج الوطن، قسمٌ كبير منهم يُفضّل الاستثمار في سوريا بدوافع وطنية وعاطفية، ولكنه يحتاج ضمانات قانونية وبيئة استثمارية آمنة، ولعل المنصة الوطنية، إن نجحت في تنظيم هذه الصلة، ستكون أهم إنجازاتها.
وتبين الخطيب نقاط القوة في المؤتمر، بوجود كوادر بشرية تقنية مؤهّلة، وتكاليف تشغيل منخفضة نسبياً، وإرادة حكومية معلنة لدعم القطاع، ورابط قوي مع مجتمع الشتات التقني، ونمو ملحوظ في الوصول للإنترنت، إلا أن التحديات البنيوية المتمثلة بغياب منظومة رأس مال المجازفة المحلية، وتعقيد الإجراءات التسجيلية والترخيص، ومحدودية الوصول للأسواق الإقليمية والدولية، وهجرة الكفاءات التقنية المستمرة، وضعف البنية التحتية الرقمية في بعض المناطق، ماتزال تشكل عائقاً فعلياً.
قطاعات الأولوية.. أين الرهانات الحقيقية؟
سلّط المؤتمر الضوء على أربعة قطاعات بوصفها محاور ريادية أولى: الصحة، والتعليم، والطاقة، والخدمات. اختيار هذه القطاعات ليس عشوائياً؛ إنها الأكثر حاجةً للحلول التقنية والأقل تشبعاً بالاستثمار التقليدي في السياق السوري، كما يقول رائد الأعمال زاهر المصطفى في تصريحات لـ”٩٦٣+” مستعرضاً التجربة المصرية في الصحة الرقمية والتطبيب عن بُعد وإدارة السجلات الطبية، مشيراً إلى أن التحديات المحلية هي في البنية التحتية وثقة المريض، فعندما تُصبح شركة ناشئة واحدة في قطاع الصحة قادرة على خدمة مليون مريض سوري بتكلفة أقل، نكون قد أعدنا تعريف الكفاءة الحكومية.
ويعرض المصطفى قصة نجاح يُمكن الاستلهام منها: في الأردن المجاور، أطلقت حكومة 2017 “مبادرة الاقتصاد الرقمي” فأسهمت في ولادة أكثر من 300 شركة ناشئة تقنية ناجحة خلال خمس سنوات، وأسهم القطاع في تنويع مصادر الدخل الوطني. هذا النموذج هو ما يستحضره المنظمون السوريون، ولكن تحقيقه يستلزم ما هو أبعد من مؤتمر.
ويؤكد المصطفى أنه إذا كان ثمة إجماع واحد بين رواد الأعمال الذين شاركوا في هذا المؤتمر، فهو أن البيئة التشريعية تمثّل العائق الأكبر أمام نمو الشركات الناشئة، فالقوانين الحالية التي تُنظّم الشركات صيغت في حقبة مختلفة كلياً، ولا تُعالج مفاهيم جوهرية كالأسهم التفضيلية، وخيارات الأسهم للموظفين، وعقود الاستثمار الأولي (SAFE)، وآليات الخروج، فالإصلاحات التشريعية ذات الأولوية القصوى، والتي تبدأ من قانون الشركات الناشئة، وهو إطار قانوني مخصص يُميّز الناشئة عن الشركة التقليدية، وحماية الملكية الفكرية بتسريع تسجيل براءات الاختراع والعلامات التجارية الرقمية، وتنظيم رأس المال المجازف، والسماح لصناديق VC بالعمل وحماية المستثمرين، وإقرار قوانين العمل المرنة، من حيث عقود للعمل عن بُعد وللمستقلين والمنتسبين للشركات الناشئة، والتشريع المالي الرقمي، والمدفوعات الإلكترونية وبوابات الدفع الدولية.
ويشير المصطفى إلى أن المفارقة المُحرجة هي أن الحكومة تُطلق منصة وطنية لدعم الشركات الناشئة في الوقت الذي لا تزال فيه البيئة القانونية تُعامل هذه الشركات معاملة المحلات التجارية التقليدية، لذلك يُطالب المشاركون في المؤتمر بأن تُواكب الإصلاحات التشريعية إطلاق المنصة، لا أن تأتي لاحقة.
الصوت النقدي من خارج الحدود.. عندما تُطرح أسئلة صعبة
يرى عثمان العلي رائد أعمال سوري مقيم في ألمانيا، ومشارك عن بُعد، أن السوري في الخارج لا يريد فقط إرسال أموال، بل يريد أن يبني شيئاً يحمل اسمه في بلده، لكنه يحتاج منظومة تحميه لا تستهلكه، وأن المنطق المنهجي يقتضي إصلاح البيئة التشريعية أولاً، ثم إطلاق المنصات، فالإعلان عن المنصة دون حزمة قوانين مرافقة يُشبه “شراء طائرة دون أن تُجهز المطار”.
ويتساءل في حديثه لـ”963+” عن الاستدامة المالية للمنصة، ومن أين ستُموَّل المنصة؟ هل ستكون خدماتها مجانية؟ وإن لم تكن كذلك، فمن يتحمل تكلفتها؟ الإجابات ضبابية حتى الآن، وهو ما يُقلق المستثمرين المحتملين ورواد الأعمال على حدٍّ سواء، ثم يطرح تساؤلات حول التمثيل الجغرافي فالمؤتمر يُعقد في دمشق وكثيرٌ من المتحدثين من دمشق، لكن سوريا ليست دمشق وحدها، هناك حمص وحلب والحسكة، مدن فيها كفاءات وطموحات مُهمَلة، والأجندة الوطنية التي لا تُعالج عدم التمركز الجغرافي ستُعيد إنتاج الفجوات لا تجاوزها، وماذا عن غياب القياس والمحاسبة، فهناك أطر استراتيجية كثيرة أُطلقت على مدى عقود في المنطقة العربية، وقليل منها خضع لتقييم حقيقي. كيف ستُقيَّم الأجندة 2025-2030؟ من يحاسب من؟ وما مصير المنصة إذا مرّت ثلاث سنوات دون تحقيق أهدافها؟
أصوات الجيل الجديد.. من منصات المؤتمر إلى واقع الشوارع
التقى “963+” بعدد من الشباب المشاركين في المؤتمر، ممن يمثلون الجيل الذي يُفترض أن الأجندة الوطنية صُمِّمت من أجله. تباينت آراؤهم بشكل لافت:
سلام أحمد، 27 عاماً، مؤسس تطبيق تعليمي يقول: جئت لأسمع خبراً حقيقياً واحداً: متى ستسمح البنوك بتحويل أرباحي للخارج؟ باقي الكلام مهم لكنه ثانوي.
سارة الجوهر، 24 عاماً، مهندسة برمجيات تقول لـ”963+”: المؤتمر ملهم حقاً، ولكن حلمي الحقيقي ليس الشركة الناشئة في دمشق، بل جذب عميل ألماني وخدمته من هنا دون عوائق، هل الأجندة تُعالج هذا؟
ويقول فادي يونس، 31 عاماً، مؤسس أعاد للتو من الإمارات لـ”963+”: رجعت لأني صدّقت أن الفرصة موجودة، وأحتاج من الحكومة أن تكون شريكاً لا عائقاً، المؤتمر بداية جيدة إن أعقبه عمل.
الإطار الإقليمي.. سوريا بين تجارب الجوار
ترى هند رمزي وهي رائدة أعمال في مجال البرمجيات أن الأجندة السورية لا تعيش في فراغ، فالمنطقة تضج بتجارب ناجحة وأخرى إشكالية يمكن الاستلهام منها والتعلم من أخطائها.
وتقول في تصريحات لـ”٩٦٣+” إن التجربة الأردنية في استراتيجية التحول الرقمي والتي انطلقت 2018 تضم اليوم 700 شركة ناشئ، وهو قطاع تقني ينمو بـ12%، وممكن الاستفادة من ربط الاستراتيجية بإصلاح قانوني فوري، اما في مصر فقد حصل قانون الشركات الناشئة 2022 على أكبر منظومة ناشئة في الوطن العربي، وهذا يعني أن التشريع المتخصص يصنع الفارق، وفي العراق مبادرة بغداد للابتكار 2019، هناك نجاحات محدودة بسبب عدم الاستقرار، أي أن الاستدامة السياسية شرط لا غنى عنه، ولبنان له تجربة في نظام بنك لبنان 331 للدعم ، حيث حقق نجاح ثم انهيار مع الأزمة المالية، ونستنتج أن الربط بالبنية المالية خطر إذا كانت هشّة.
وتبين رمزي أن الدول الأكثر نجاحاً في بناء منظوماتها للشركات الناشئة جمعت ثلاثة عناصر معاً ومتزامنة: إرادة سياسية مستدامة، وإصلاح تشريعي حقيقي، وتمويل أولي مكفول، وسوريا تمتلك الأولى أو تُعلنها، لكن العنصرين الآخرين لا يزالان في طور التشكّل.
والمطلوب الانتقال من المؤتمر إلى الواقع عبر توصيات للعمل تقوم على إصدار حزمة لوائح مؤقتة تُبسّط تسجيل الشركات الناشئة وتختصره لأسبوع واحد، وتخصيص صندوق بذر حكومي بلا أسهم بقيمة لا تقل عن مليون دولار للمرحلة الأولى، وإطلاق النسخة التجريبية للمنصة الوطنية مع آلية واضحة لتلقي التغذية الراجعة، وتأسيس لجنة تشريعية مشتركة لصياغة “قانون الشركات الناشئة”.
وتضيف رمزي بالتأكيد على إبرام اتفاقيات مع مسرّعات أعمال إقليمية لتسهيل وصول الشركات الناشئة لأسواقها، ودمج مناهج ريادة الأعمال التقنية في ثلاث جامعات حكومية على الأقل، وتنظيم مبادرة “اتصل بالشتات” لربط المستثمرين السوريين خارجياً بمنظومة المنصة، وإنشاء فروع جهوية للمنصة في حلب وحمص وطرطوس ودير الزور مبدئياً.
وتختم رمزي بالقول: الرهان على مؤتمر الأجندة الوطنية للشركات الناشئة التقنية يُمثّل لحظة نادرة في تاريخ السياسة الاقتصادية السورية: لحظة يُقرّ فيها صانعو القرار صراحةً بأن المستقبل رقمي، وأن الشباب هو الرأسمال الحقيقي الذي تمتلكه البلاد، وهذا وحده ليس قليلاً في سياق إقليمي ودولي يشهد منافسةً محمومة على الكفاءات، ولكن الاعتراف بالتشخيص ليس علاجاً. والمنصة الوطنية ليست بحد ذاتها ثورة ريادية، والمحك الحقيقي سيظهر بعد ستة أشهر من الآن: هل ستُيسَّرت إجراءات التسجيل فعلاً؟ هل وصل تمويل حقيقي إلى يد مؤسس لأول شركة ناشئة له؟ هل رجع الكفاءات السورية في المهجر لأن المنظومة صارت جاهزة؟
The post مؤتمر الأجندة الوطنية للشركات الناشئة التقنية: رهانٌ استراتيجي على المستقبل أم مسرحٌ للنوايا الحسنة؟ appeared first on 963+.





