منطق المقاومة في مواجهة وهم “منطق الدولة” تفنيد شامل لمقالة غسان صليبي
باسم الموسوي
أولاً: المغالطة التأسيسية — الدولة التي لا وجود لها
يبني صليبي كامل بنيانه الحجاجي على افتراض ضمني لم يُثبته ولم يناقشه: أن ثمة “دولة” لبنانية قائمة فعلاً، تملك مؤسسات سيادية حقيقية، وتحتكر العنف المشروع، وتؤدي وظائفها الحمائية تجاه مواطنيها. وهذا الافتراض هو بالضبط ما تُكذّبه وقائع المئة عام الأخيرة من تاريخ لبنان.
فالدولة بالمعنى الفيبري — أي الكيان الذي يحتكر الاستخدام المشروع للقوة داخل حدود إقليمية معينة — لم تتحقق في لبنان يوماً. ما نسميه “الدولة اللبنانية” هو في حقيقته ترتيب طائفي لتوزيع الغنائم والنفوذ، نشأ بإرادة الانتداب الفرنسي، وحافظت عليه الطبقة السياسية التي يمثّلها صليبي ضمنياً في خطابه. وهذا الكيان الهش فشل فشلاً موثّقاً في أبسط واجباته: حماية الجنوب اللبناني الذي احتلّته إسرائيل سبعةً وعشرين عاماً، بينما قدّمت هذه “الدولة” استقالتها السيادية كاملةً.
فكيف يطالب صليبي المقاومةَ بالخضوع لـ”منطق” دولة عاجزة عن سكّ نقودها، وتوفير الكهرباء لمواطنيها، وحماية حدودها، وملاحقة الفاسدين من حكّامها؟
ثانياً: قلب العلاقة التاريخية بين الدولة والمقاومة
يتظاهر صليبي بأن “حزب الله” نشأ في فراغ إرادوي، كأنه قرار سياسي مفتعل، لا استجابةً موضوعية لخلل بنيوي في منظومة الدولة ذاتها. لكن التسلسل التاريخي يقول العكس تماماً:
أولاً جاء الغياب السيادي للدولة، ثم جاءت المقاومة سدّاً لهذا الفراغ. الاجتياح الإسرائيلي عام 1978، ثم الاجتياح الشامل عام 1982 الذي بلغ العاصمة بيروت، ثم الاحتلال المديد للجنوب — كل ذلك جرى والدولة اللبنانية شاهدةٌ عاجزة، بل متواطئة أحياناً. في هذا السياق التاريخي المحدد نشأت المقاومة، لا كتحدٍّ للدولة، بل كتعبير عن إفلاس مشروع الدولة في وظيفتها الأولى.
يصوّر صليبي المسألة كأن “حزب الله” اغتصب قرار الحرب والسلم من دولة كانت قادرة على ممارسته. لكن الحقيقة أن هذه الدولة لم تمارس هذا القرار قط في مواجهة إسرائيل، لا قبل المقاومة ولا في غيابها. التاريخ العسكري اللبناني في مواجهة إسرائيل صفحة بيضاء، بينما التاريخ الدبلوماسي للدولة حافل بالاتفاقيات المجحفة والتنازلات المذلّة، من اتفاق مايو 1983 إلى ما تلاه.
ثالثاً: ديمقراطية منقوصة في غياب السيادة
يستدعي صليبي مفهوم الديمقراطية استدعاءً انتقائياً، كأنها إجراء شكلي منفصل عن شروطه الموضوعية. غير أن الفكر الديمقراطي في أرقى تجلياته — من روسو إلى هابرماس — يربط مشروعية القرار الجماعي بشرطين لا غنى عنهما: المساواة الفعلية بين المشاركين، والاستقلالية السيادية للوحدة السياسية التي يُتخذ فيها القرار.
أما الديمقراطية في ظل احتلال أجنبي أو تهديد وجودي مستمر، فقد عالجها الفكر السياسي منذ أرسطو: لا يُحتجّ بإجراءات التصويت على شعبٍ مهدَّد في وجوده. وقد أقرّ بذلك الفكر الليبرالي ذاته في سياقات المقاومة الأوروبية ضد النازية، حين دافع الفلاسفة والمثقفون عن شرعية المقاومة المسلحة خارج أي إطار دستوري.
بل الأكثر إشكالاً: إن الديمقراطية اللبنانية التي يتمسك بها صليبي هي ديمقراطية طائفية بامتياز، أي ديمقراطية تحفظ التوزيع الطائفي للسلطة قبل أن تعبّر عن إرادة شعبية حرة. فأي “منطق ديمقراطي” هذا الذي تنتجه مؤسسات مبنية هيكلياً على تمثيل الطوائف لا المواطنين؟
رابعاً: المفارقة الكبرى — من يرفع راية “منطق الدولة”؟
ثمة مفارقة صارخة يتجاهلها صليبي تجاهلاً لافتاً: الطبقة السياسية التي تتبنى خطاب “منطق الدولة” هي ذاتها التي أفقدت الدولةَ سيادتها وموارد وجودها. بنوك الدولة التي نهبت ودائع المواطنين، ومرفأ بيروت الذي فجّره الإهمال والفساد، والانهيار الاقتصادي الذي محا مدخرات جيل كامل — كل ذلك من إنتاج الطبقة السياسية نفسها التي يُدافع عن “منطقها”.
ويذهب صليبي إلى أبعد من ذلك حين يُلمح إلى أن تقاعس الدولة عن نزع سلاح “حزب الله” قد أتاح لإسرائيل “معالجة” المسألة بطريقتها. وهنا ينكشف المضمر الحقيقي للخطاب: إسرائيل حين تقتل اللبنانيين وتدمر بنيتهم التحتية وتحتل أراضيهم تؤدي في نهاية الأمر وظيفة “دولتية” مشروعة يفشل “حزب الله” في قبولها! وهذا الموقف يشبه ما وصفه فرانز فانون بـ”تكاملية المستعمَر مع منطق المستعمِر”.
خامساً: ثنائية كاذبة في توصيف “الثنائيات”
يختتم صليبي مقالته بالتحذير من “الثنائيات القاتلة” — الشرق/الغرب، إسرائيل/سوريا، السعودية/إيران — ويدعو اللبنانيين إلى التحرر منها. وهذا موقف يبدو متوازناً في شكله، لكنه ينطوي على تحيّز عميق في مضمونه.
فالثنائية الحقيقية التي يتهرب منها صليبي ليست بين محورين إقليميين متكافئَين، بل بين مشروع استعماري إحلالي — هو المشروع الصهيوني الذي تدعمه أقوى قوة عسكرية في التاريخ — وبين شعوب تقاوم هذا المشروع. التسوية بين هذا وذاك، والدعوة إلى “الحياد” بينهما، هي في الواقع انحياز إلى الأقوى وإضفاء للشرعية على الاستعمار. وهذا بالضبط ما يصفه سيف دعنا في نقده لـ”المخبر الأصلي” الذي يجعل من “الحياد” شرطاً للمشروعية الأخلاقية.
إن وصف التناقض بين المقاومة والاحتلال كـ”ثنائية قاتلة” يُساوي بين الجلاد والضحية، ويُحمّل المقاومةَ مسؤولية الصراع بالتساوي مع المحتل. وهو إطار تحليلي يفيد إسرائيل أكثر مما يُعبّر عن الحقيقة التاريخية.
سادساً: حدود “منطق الدولة” في الفكر السياسي ذاته
حتى في الفكر السياسي الغربي الذي يستند إليه صليبي ضمنياً، ثمة تقليد راسخ يُشرعن المقاومة خارج “منطق الدولة”. من جون لوك الذي أسّس لحق المقاومة ضد الحاكم المستبد أو العاجز، إلى هنا آرنت التي ميّزت بين السلطة المشروعة والعنف المفروض، إلى تقليد “القانون الطبيعي” الذي يعلو على القانون الوضعي حين يفشل هذا الأخير في تحقيق العدالة.
والأهم: القانون الدولي ذاته — الذي يُمثّل الصياغة المعاصرة لـ”منطق الدولة” على المستوى الكوني — يُكرّس صراحةً حقَّ الشعوب في مقاومة الاحتلال بما في ذلك الكفاح المسلح. فكيف يكون “منطق الدولة” الدولية مع المقاومة، بينما يكون “منطق الدولة” اللبنانية ضدها؟
خلاصة: الدولة أداةً لا غايةً
الخطأ المنهجي الأعمق في مقالة صليبي هو معالجة “الدولة” كغاية في ذاتها لا كأداة لتحقيق أهداف إنسانية وسيادية. الدولة — أي دولة — لا تستحق الولاء المطلق إلا بقدر ما تؤدي وظيفتها في حماية مواطنيها وصون كرامتهم وضمان سيادتهم. حين تفشل في ذلك، يبقى حق الشعب في الدفاع عن نفسه خارج مؤسساتها المعطوبة أمراً مشروعاً لا مجرد “منطق مضاد” بل هو المنطق الأول والأصيل الذي منه تنبثق الدول أصلاً.
“منطق الدولة” الذي يدافع عنه صليبي هو في واقعه منطق دولة غائبة يُستدعى لنقد مقاومة حاضرة. والأجدى من هذا الاستدعاء هو السؤال: لماذا غابت الدولة أصلاً؟ ولماذا انتجت هذه الغيبة ما انتجته؟ والإجابة الأمينة على هذين السؤالين لن تُبرّئ الطبقة السياسية التي يستبطن خطابُ صليبي حمايتَها
The post منطق المقاومة في مواجهة وهم “منطق الدولة” تفنيد شامل لمقالة غسان صليبي appeared first on Beirut News Center.





