منذر عيسى يمهّد “الرّحيل إلى النّدم” على حماقات لم يقترفها
قيل في النّدم الكثير، ولعلّ أشدّ ما قيل رسوخاً في البال هو ما اختصرته “هيلين رولاند”: “الحماقات التي يندم عليها المرء في حياته أشدّ النّدم هي تلك الحماقات التي لم يرتكبها عندما أُتيحت له الفرصة”، وعلى هذا المنوال يسير الشّاعر منذر يحيى عيسى في مجموعته الشّعرية الأخيرة “الرّحيل إلى النّدم” الصّادرة عن “دار المتن” العراقية في عام 2025، إذ يفرد كثيراً من الوقت والمشاعر لـ”الرّحيل إلى العدم”، وكأنّه يمهّد “الرّحيل إلى النّدم”، ما يدفعنا للتّساؤل عمّا إذا النّدم شعور إراديّ أم لاإراديّ، أي هل يملك الإنسان خيار النّدم؟ هل يقرر أنّه سيندم على فعل ارتكبه أم لم يرتكبه؟، يقول عيسى: “الآن فقط، وأنا أقترب من محطّتي الأخيرة أستطيع القول: إنّها كانت تجربةٌ فاشلة”، ويتابع تحت عنوان “هامش للقصيدة”: “والخريف يفرض سطوته، بعد أن أهدى ثماره، وعمل طوال الصّيف حارساً للنّضج، وقد ابتعد اللصوص خارج أسوار الحقول، وترك الأحلام تزهر فراشات في هوامش العمر.. وفضاءات العنب”.
ثمّ يسأل عيسى روحه: “بعد مضي سنوات العمر “الحلم”، أيّ شيء أنا نادم عليه؟ هي محاولة عبثية للدّخول في الماورائيات، وعلم النّفس ودروبه المتعرّجة كمتاهات أعمارنا” ويجيبها: “الجواب يختلف بين شاب في مقتبل العمر، وبين من يلهث من تعب، وهو في المقلب الآخر”، وأمّا زمن السّؤال فلا يفضّل تحديده فـ “قد يكون الآن، أو بعد حين، والقطار يطلق صفارة الرّحيل”، وهنا نعود إلى ما بدأنا فيه، وهو النّدم على الأشياء التي لم يرتكبها، يقول عيسى: “وقد يكون الجواب: لست نادماً على أيّ فعلٍ قمت به، أو دربٍ سلكت.. ولكن قد يكون النّدم على أشياء كثيرة لم أقم باقترافها في زمنها النّدي”.
ثمّ نجده يستعرض أشياء ندم عليها، وكأنّه يجرد حساباً مؤجّلاً، لكن بعد فوت الأوان، يقول: “وإذا كان زمن السّؤال بعد الموت، فالنّدم ندم ممضٌ وقاتل قد يكون! بحالة تخيّل للموت، وهل الموت غير نقلة إلى أبدية اليقظة؟.. سأعرض ألم النّدم في حالات عليها ندمت، ولكن بعد موت مفترض”… موت يخافه ولا يخاف الإفصاح عنه كالبعض: “أكره الموت.. وكأنّه سفر مباغت.. في مهبّ رياح عاتية.. وفي الموت شوقٌ لقيود الحياة.. التي رحلت كانحسار موجة.. على صدر الرّمال”..

ولنتوقّف قليلاً عند بعض الحماقات التي لم يقترفها الشّاعر وسيندم عليها، والبداية مع “حماقة الطّفولة”، ونقرأ: “سأندم على أعشاشٍ.. كانت تحنو على فرح واعد.. خربتها حماقة الطّفولة.. وهجرت في مداراتها صغارها.. وكأنّي لا أزال أسمع زقزقة.. كأنّها العويل”، “الضّوء وشهوة الفراشات” حماقة أخرى ستشعل نار النّدم: “سأندم في الموت الجليل.. على الإثم الذي اقترفته يداي.. زمن جاهلية غادرة.. وللحبّ الذي ضاع.. كما تضيع نقود في جلسة مقامرة.. وللشّهوات المجنحة الهاربة.. للضّوء الذي قارب الأفول في داخلي”، لكنّه وعلى الرّغم من لحظة الصّمت وجلالة الحدث سيذكر حكمةً يتبنّاها كثيرون ممّن يجلسون جلسة صفاء مع أرواحهم، وهي: “أنّ الأشياء التي كنتُ أرغبها.. لم تأت في الوقت الجميل.. وحين جاءت.. جاءت عارية من دهشتها.. كأنّها أطياف بقامات منحنية.. وخطاها الوئيدة.. لم تكسر صمت الخواء..”، وسيذكر: “وبكثير من نقاء الصّدى.. ضوءاً خبّأته في جعبتي.. ساعة الرّحيل.. كان وجهه.. حضناً دافئاً في غربتي.. ولمّا يزل ينير السّبيل”.
تقع المجموعة في مئة وثلاث صفحات، وتضمّ تسعة وثلاثين نصّاً شعرياً، تمتد من عام 2009 إلى 2024، نذكر مثلاً “صوفيّ على طريقته” و”حضور في الغياب” نصّان يعودان إلى عام 2009، و”الوهم” و”كأس وطيف” يعودان إلى عام 2010، وبعيداً عن الرّحيل إلى النّدم والعدم، نقرأ نصوصاً في الحبّ والشّوق كـ”حضور في الغياب”، يقول: “لأنّك تؤثرين كما تعوّدت على الحضور.. الغياب.. وعطر الورد.. يستحضر طيفك.. في أمسيات الصّيف الحزينة.. زرعتُ على شرفة وقتي.. كرمى لعينيك والهاً.. شجرة الحنين”..
ونقرأ بعض النّصوص الموجّهة إلى أصدقاء الدّرب والشّعر، ويذكرهم صراحة، كـ”الخمرة في سرّها.. خمرتان”، ويهديها إلى الشّاعر عبد الحميد علي “بدوي السّاحل” يقول فيها: “سأصغي إليك ترتّل شعرك وأنت شاعر في كلّ ما تقول.. أراك سيدي، تدخل فضاء القصيدة المفتوح.. كأنّك تأتي من لا مكان.. أو من مكان تتكاثف فيه وتتكثّف عليه وبه وفيه من أجل.. عينيه”.
يتمسّك عيسى بالأشياء والأشخاص خشية الفقد، وهنا نعود إلى الموت والخوف منه وجردة الحساب المتخيّلة، يقول في “رهاب الفقد”: “لماذا أتشبّث بثوبك.. في لحظة توهّج.. طفلاً.. يخشى حالة الفقد.. في ازدحام مفترض”، ومثل هذا النّص نقرأ نصوصاً قصيرة جدّاً غيره، يقدّم من خلالها بعض الأفكار بتكثيف واختصار، كـ”رسائل قصيرة”: “لا شيء يميّز هذا العيد.. سوى أنّه يكرّر الأيّام.. ومبادلة الرّسائل القصيرة.. عبر الهواتف النّقالة.. ويعيد أيضاً برودة العواطف..
في هذا الجوّ الحارّ”، وفي هيامه بالطّبيعة وتفاصيلها وروحانيتها وبشريتها، يشبّه الليل بـ: “خيمة بدوي.. في مهبّ صحرائها.. يدخلها شاعر.. برهافة سيف.. يبدأ شغبه.. بوجبة من دسم أشيائه.. ويختمها بوجبة من شهوة جاهلية.. حينها يعوم في زبد الأحلام.. وفتنة الكلام”.
ولأنّه لا مفرّ من الأمل والتّفاؤل في حياة لا تزال “تلهو بنا وتسخر”، يتعّلق الشّاعر منذر يحيى عيسى بـ”بشارة قادمة”، فيقول: “رذاذ خفيف.. أرسلته كإشارة.. غيمة عابرة.. مضت.. وكأنّها لم تكن تحمل.. إلّا نثار حنين.. يذكّر بوميض قادم.. كوعود مؤجّلة.. اغتالها طول الانتظار… أرفض مغادرة شرفتي.. في هذا الفضاء.. العابق بالنّجوى.. وشلالات ضياء.. روحي تتوق .. لتستحم حتّى بفرح كاذب”.
الوطن _نجوى صليبه





