من واشنطن الى الرياض.. ماذا يريد الرئيس بري؟
لم يكن لقاء واشنطن الأخير بين السفيرة اللبنانية ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر مجرد بروتوكول دبلوماسي عابر، بل كان "هزة أرضية" في جدار الصراع الممتد منذ عقود. خلف الأبواب الموصدة في وزارة الخارجية الأميركية، وبإشراف مباشر من الصقور في إدارة واشنطن، انطلقت قاطرة التفاوض في لحظة إقليمية حرجة، حيث لم يعد السؤال "هل نتفاوض؟" بل "ما هو حجم التنازلات لضمان البقاء؟".
دخل الوفد اللبناني الجلسة متسلحاً بتعليمات واضحة من قصر بعبدا: "وقف إطلاق النار أولاً". بيروت تحاول جاهدة فصل المسار التقني الحدودي عن ضغط الغارات التي لا تهدأ، عارضةً خارطة طريق دبلوماسية لحل النقاط المتنازع عليها. لكن الرياح الأميركية الإسرائيلية تجري بما لا تشتهي سفن "أذرع إيران"، فالسقف الذي رفعه ماركو روبيو لم يترك مكاناً للمناورة، إذ انتقل الحديث من "ترتيبات أمنية" إلى "استئصال نفوذ" عمره ثلاثون عاماً.
المطالب واضحة وصارمة: حظر أي نشاط عسكري لحزب الله، وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية، وتوسيع الوفود لتشمل خبرات مدنية تخرج بالاتفاق من إطاره العسكري الضيق إلى إطار سيادي شامل. واشنطن هنا لا تلعب دور الوسيط التقليدي، بل دور "الضامن" لتغيير وجه لبنان جذرياً، معتبرة أن الشعب اللبناني بات "الضحية الأولى" للارتهان لإيران.
في بيروت، يراقب الرئيس نبيه بري المشهد بدقة. رادارات عين التينة، التي لطالما كانت الأكثر حساسية للتحولات الإقليمية، بدأت ترصد تغيراً بنيوياً في موازين القوى في الشرق الأوسط. يدرك بري أن سياسة "وحدة الساحات" قد تآكلت، وأن المظلة الإيرانية التي حاول الحزب جر لبنان إليها
في مفاوضات "إسلام آباد" قد سقطت أمام الإصرار الدولي على فصل المسارات.
انطلاقاً من مبدأ "حماية الممكن"، جاء إيفاد النائب علي حسن خليل إلى الرياض. هذه الحركة ليست مجرد زيارة بروتوكولية، بل هي صرخة استغاثة سياسية واعية تطلب من "الشقيق الأكبر" التدخل لترتيب البيت الداخلي. بري، الذي يخشى من "سيناريو أسود" قد يلتهم العاصمة بيروت ويقوض مستقبل الطائفة الشيعية في الداخل اللبناني، يريد مظلة سعودية تؤمن انتقالاً آمناً من حالة "الدويلة" إلى "الدولة"، بعيداً عن سياسة حافة الهاوية التي ينتهجها حزب الله.
بينما يخرج عضو المكتب السياسي في حزب الله الحاج وفيق صفا ليعلن من أن الحزب "غير ملزم" بالنتائج، ويصف الامين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم المفاوضات بـ "التنازل المجاني"، يبدو أن قطار التسوية قد غادر المحطة فعلياً. لأول مرة، تجد الحكومة اللبنانية نفسها مدعومة ببيئة دولية تمنحها الغطاء لاتخاذ "خطوات جريئة". الحزب اليوم يواجه واقعاً مريراً: خصومه في الداخل استعادوا المبادرة، وحلفاؤه في الخارج يبرمون صفقاتهم الخاصة، والميدان الذي كان ورقة قوته الوحيدة بات يخضع لمبضع الجراح في واشنطن.
المفاوضات التي انطلقت في واشنطن هي أكثر من مجرد ترسيم حدود، إنها عملية "إعادة صياغة" للهوية السياسية اللبنانية. تضيق المسافة اليوم بين مناورات الداخل وضغوط الخارج، ليقف لبنان عند نقطة الصفر، حيث لم يعد التردد خياراً. فوسط حنكة عين التينة في استدراج الدور السعودي لضبط التوازنات، يبدو أن لحظة الحقيقة قد حانت: فإما استعادة الدولة من براثن الوصاية لتكريس حدودها وسيادتها، وإما الاستمرار في دفع ضريبة مشروع إقليمي يلفظ أنفاسه الأخيرة على طاولة المفاوضات الدولية.
The post من واشنطن الى الرياض.. ماذا يريد الرئيس بري؟ appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.




