من نبيل بنعبد الله إلى مهدي ياسيف.. مشهد سياسي مبتذل يكشف إفلاس الوجوه الحزبية
لم يكن ظهور نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب حزب التقدم والاشتراكية، في برنامج “ساعة الصراحة” على قناة القناة الثانية “دوزيم” حدثًا سياسيًا عاديًا، بل لحظة عرّت مستوى الانحدار الذي وصلت إليه النخبة الحزبية، حين يقبل زعيم حزب بمواجهة شاب مغمور بدل محاسبة الفاعلين الحقيقيين داخل السلطة.
قبول هذا “النزال” غير المتكافئ لم يكن دليل شجاعة، بل مؤشر على إفلاس سياسي واضح، فبنبيل بنعبد الله، الذي راكم سنوات طويلة في المشهد السياسي، كان أولى به أن يختار الانسحاب بصمت بدل الاستمرار في واجهة فقدت بريقها، خاصة وأن اسمه ارتبط بفترة دفعت كثيرًا من المغاربة إلى النفور من السياسة وفقدان الثقة في الأحزاب.
في الجهة المقابلة، لم يكن مهدي ياسيف سوى نموذج صارخ لما أفرزته مرحلة “صناعة الوجوه” داخل بعض الأحزاب، خصوصًا حزب التجمع الوطني للأحرار، شاب بدا واضحًا أنه يردد خطابًا جاهزًا، ويتقمص دور “المحارب” ضد الفساد، في حين أن مساره نفسه يثير أكثر من علامة استفهام.
فهذا الشاب، الذي حاول تقديم نفسه كصوت جديد ونزيه، يعرفه كثيرون في أزمور بحقائق مختلفة، أبرزها استفادته من وساطات وعلاقات مكنته من ولوج مناصب لم تكن بالضرورة نتيجة كفاءة خالصة، بل نتيجة ولاء وانتماء، وهي نفس الممارسات التي يدّعي اليوم مهاجمتها على الشاشات.
أما الخلفية الحقيقية لهذا الصعود، فتقود إلى أسماء مثل لحسن السعدي الذي وظفه في كتابة الدولة المكلفة بالصناعة التقليدية اثر مباراة محسومة النتائج، في عهد حكومة يقودها حزب أصبح رمزًا لمرحلة تُكافأ فيها “الطاعة” و”التطبيل” أكثر مما تُكافأ الكفاءة والاستحقاق، وهنا تكمن المفارقة الكبرى، فمن يدّعون محاربة الفساد هم أنفسهم نتاج منظومة تُعيد إنتاجه بأشكال جديدة.
اللقاء، الذي كان يفترض أن يكون نقاشًا سياسيًا جادًا، تحول إلى استعراض فارغ، يجمع بين وجه قديم فقد المصداقية، ووجه جديد لم يكتسبها أصلًا، مما قد من النفور الشعبي من السياسة، ومزيد من القناعة بأن المشهد الحزبي لا يقدم بدائل حقيقية، بل يعيد تدوير نفس الوجوه أو يفرز نسخًا جديدة بنفس الأساليب.
ما جرى ليس مجرد حلقة تلفزيونية، بل انعكاس لوضع أعمق، كشف على أن الأحزاب السياسية فقدت بوصلتها، ونخب تلهث وراء الظهور، ولو على حساب ما تبقى من ثقة المواطنين، وفي ظل هذا الواقع، يصبح من الطبيعي أن يختار المغاربة الابتعاد، لأن ما يُعرض أمامهم لم يعد سياسة، بل مسرحية مكررة بأدوار محفوظة ونهايات معروفة.
إن أمثال هؤلاء، سواء من “الجيل القديم ـ نبيل بنعبد الله” أو “الوجوه المصنوعة ـ مهدي ياسيف”، يتحملون جزءًا كبيرًا من مسؤولية العزوف السياسي، لأنهم ببساطة لم يقدموا نموذجًا يُحتذى، بل نموذجًا يُنفر، ويكرّس الإحساس بأن السياسة لم تعد مجالًا لخدمة المواطن، بل ساحة لتصفية الحسابات وتوزيع الامتيازات.




