من هو مؤذن الأقصى وما قصته مع القدس؟

خاص المركز الفلسطيني للإعلام
حين يطرح سؤال من هو مؤذن الأقصى، فالمقصود ليس مجرد التعرف إلى اسم شخص يرفع الأذان من مآذن المسجد المبارك. في القدس، كل مهمة داخل الأقصى تحمل معنى يتجاوز الوظيفة اليومية إلى الرباط والحفاظ على الهوية الإسلامية العربية في وجه الاحتلال الإسرائيلي ومحاولات فرض واقع جديد على المكان والإنسان.
من هو مؤذن الأقصى؟
الجواب المباشر هو أن للأقصى أكثر من مؤذن، لأن المسجد الأقصى بمساحته الواسعة ومبانيه المتعددة ومآذنه التاريخية لا يقوم على شخص واحد فقط.
ويتبع المؤذنون لدائرة الأوقاف الإسلامية في القدس، وهم من الطواقم التي تتولى خدمة المسجد يوميًا إلى جانب الحراس والسدنة والموظفين والعلماء. لذلك فإن سؤال من هو مؤذن الأقصى يحتاج إلى تصحيح بسيط – ليس هناك مؤذن وحيد دائم بالمعنى الحصري، بل هناك مؤذنون يتناوبون على هذه المهمة وفق نظام معتمد.
هذا التوضيح مهم لأن كثيرين يتعاملون مع العبارة كما لو كانت تشير إلى شخصية رمزية واحدة. صحيح أن بعض المؤذنين يبرز اسمهم إعلاميًا بسبب طول خدمتهم أو بسبب تعرضهم للملاحقة والإبعاد، لكن الأقصى بقي عبر تاريخه حاضرًا بأصوات عدة، وكل صوت منها يحمل رسالة ثبات في مدينة يحاول الاحتلال خنقها يومًا بعد يوم.
الأذان في الأقصى ليس تفصيلًا عابرًا
في أي مسجد، الأذان نداء إلى الصلاة. أما في المسجد الأقصى، فهو أيضًا إعلان بقاء. عندما يرتفع الأذان من مآذن الأقصى، فهو يثبت هوية المكان أمام مشروع تهويد لا يستهدف الحجر فقط، بل يستهدف الوعي والرواية والوجود الفلسطيني نفسه في القدس.
لهذا السبب، لم يكن غريبًا أن تتعرض طواقم الأوقاف، ومنهم المؤذنون، لقيود متكررة من سلطات الاحتلال. فالمسألة بالنسبة للاحتلال ليست إدارية ولا أمنية كما يدعي، بل سياسية بامتياز. كل حضور فلسطيني منظم داخل الأقصى يزعجه، لأنه يبدد محاولته تصوير المسجد وكأنه مساحة قابلة لإعادة التعريف أو التقاسم أو الإخضاع الكامل لإرادته.
المؤذن هنا لا يؤدي دورًا صوتيًا فقط. هو جزء من منظومة الصمود اليومي. يفتح يومه في قلب مدينة محاصرة بالحواجز والكاميرات والاقتحامات، ويؤدي مهمته في مكان يتعرض لاستهداف متواصل. لذلك فإن فهم موقع مؤذن الأقصى يبدأ من فهم طبيعة المعركة على القدس نفسها.
ما آلية اختيار مؤذني الأقصى؟
مؤذنو المسجد الأقصى هم موظفون يتبعون دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس، وهي الجهة المسؤولة عن إدارة شؤون المسجد ورعايته. ويفترض في المؤذن أن يمتلك حسن الصوت، وإتقان أحكام الأذان، والانضباط في المواعيد، والقدرة على تحمل طبيعة العمل الديني والخدمي داخل المسجد.
لكن في القدس، لا يكفي الجانب المهني وحده. من يعمل في الأقصى يحتاج أيضًا إلى نفس طويل، لأن الوظيفة هناك لا تنفصل عن الضغط اليومي. قد يُستدعى للتحقيق، أو يُمنع من الوصول، أو يتعرض لمراقبة مستمرة. لذلك فإن المؤذن في الأقصى يؤدي عملًا دينيًا، لكنه في الوقت نفسه يعيش شروط الرباط، بما تحمله الكلمة من معنى عملي لا شعاري.
وهنا تظهر مفارقة قاسية. ما يجب أن يكون شأنًا عباديًا خالصًا، يحوله الاحتلال إلى ساحة تضييق واختبار يومي. ومع ذلك، بقيت الأوقاف وطواقمها تحافظ على انتظام الأذان والخدمة، رغم كل ما يحيط بالمشهد من محاولات ترهيب وتقييد.
لماذا يبحث الناس عن اسم محدد؟
كثير من الباحثين عن عبارة من هو مؤذن الأقصى يقصدون في الحقيقة التعرف إلى أحد الأصوات المعروفة التي ارتبطت في أذهان الناس بالمكان، أو إلى شخصية ظهرت في وسائل الإعلام بعد منع أو اعتقال أو قرار إبعاد. وهذا أمر مفهوم، لأن الشخصيات التي تخدم في الأقصى غالبًا ما تتحول إلى رموز شعبية حين تستهدفها سلطات الاحتلال.
لكن الأدق مهنيًا وتاريخيًا أن يُقال إن الأقصى له مؤذنون، وليس مؤذنًا واحدًا. الأسماء تتبدل عبر السنوات، أما الوظيفة نفسها فتبقى ثابتة بوصفها جزءًا من البنية الحية للمسجد. وهذا الثبات بحد ذاته رسالة. الاحتلال يراهن على إنهاك الناس، بينما يرد المقدسيون بتجديد الحضور واستمرار الخدمة.
من هنا، فإن اختزال القضية في اسم فرد واحد قد يظلم حقيقة المشهد. فالأذان في الأقصى ليس بطولة فردية معزولة، بل تعبير جماعي عن صمود مؤسسة دينية ووطنية ما زالت تحرس المكان بما تملك من إمكانات وإرادة.
المآذن والأصوات والذاكرة المقدسية
للمسجد الأقصى مآذن تاريخية شكّلت على مدى قرون جزءًا من المشهد البصري والروحي للقدس. ومن هذه المآذن ارتبط الأذان بذاكرة أهل المدينة، كما ارتبط بحياة الفلسطينيين في محيط القدس وخارجها. الصوت الذي يخرج من الأقصى لا يسمعه الناس بوصفه صوت صلاة فقط، بل بوصفه تأكيدًا على أن المسجد ما زال حاضرًا وأن أهله ما زالوا فيه.
القدس مدينة يشتبك فيها الرمزي مع اليومي في كل تفصيل. وحين يحاول الاحتلال تقييد رفع الأذان في أماكن مختلفة، أو حين يفرض الحواجز على المصلين، فهو يفهم تمامًا ما يمثله هذا النداء. لذلك تبدو المعركة على الصوت امتدادًا مباشرًا للمعركة على السيادة والهوية.
لا يمكن فصل مؤذن الأقصى عن هذه الذاكرة. فهو ليس مؤديًا لطقس محفوظ، بل حامل لصوت مدينة تقاوم المحو. وحتى حين لا يعرف الناس اسمه، فإنهم يعرفون أثره. وهذا الأثر في القدس ليس قليلًا.
بين الوظيفة والرباط
قد يبدو للبعض أن الحديث عن مؤذن الأقصى يجب أن يظل محصورًا في التعريف بوظيفته. لكن هذا تبسيط لا يليق بالقدس ولا بواقع المسجد اليوم. فالأقصى ليس مسجدًا يعيش ظروفًا عادية، بل موقعًا مستهدفًا سياسيًا ودينيًا واستيطانيًا. ولذلك فإن كل من يعمل فيه، من الحارس إلى الخطيب إلى المؤذن، يتحرك داخل معادلة شديدة الحساسية.
الرباط هنا ليس شعارًا إعلاميًا. هو حضور يومي منضبط، واستمرار في أداء الواجب رغم المضايقات. المؤذن الذي يصل إلى مكانه في الوقت المحدد، ويرفع الأذان من قلب هذا الحصار، يمارس فعلًا يتجاوز حدود الروتين. هو يقول عمليًا إن الاحتلال لم ينجح في انتزاع المكان من أهله، وإن إدارة المسجد ما زالت فلسطينية عربية إسلامية رغم محاولات الالتفاف عليها.
هذا لا يعني تجاهل التعقيد. فظروف العمل في القدس قاسية، وقد تتفاوت من مرحلة إلى أخرى بحسب التصعيد السياسي والأمني. لكن الثابت أن الأذان في الأقصى بقي قائمًا، وهذه حقيقة لها وزنها في معركة الرواية والوجود.
وعلى مدار 40 يومًا منذ 28 فبرير 2026، غاب صوت الأذان عن الأقصى، بعدما أغلقته قوات الاحتلال تحت ذريعة حالة الطوارئ خلال حربها مع أمريكا على إيران.
ما الذي يمثله مؤذن الأقصى للفلسطينيين؟
يمثل مؤذن الأقصى للفلسطينيين أكثر من صاحب صوت جميل أو موظف ديني. إنه جزء من صورة القدس التي يريد الفلسطينيون الحفاظ عليها في مواجهة التزييف. حين يسمع الناس الأذان من الأقصى في بث مباشر أو تسجيل متداول، فهم لا يتلقون نداء عبادة فحسب، بل يستحضرون مدينة محاصرة وأهلًا يثبتون فيها.
ولأن الجمهور الفلسطيني والعربي يعيش أحيانًا بعيدًا عن القدس جغرافيًا وقريبًا منها وجدانيًا، يصبح صوت الأذان أحد آخر الجسور الحية التي تربط الناس بالمكان. هنا تكتسب شخصية المؤذن، حتى لو لم تُعرف تفاصيل اسمه وسيرته، بعدًا وجدانيًا وسياسيًا في آن واحد.
وهذا يفسر لماذا يتحول أي اعتداء على مؤذن أو حارس أو موظف في الأقصى إلى حدث يتجاوز إطاره الفردي. فالمستهدف في النهاية ليس شخصًا بعينه فقط، بل المعنى الذي يحمله وجوده داخل المسجد.
ووفق محافظة القدس، فإن الاحتلال يواصل تضييقه على موظفي دائرة الأوقاف الإسلامية، حيث أبعد نحو 25 موظفا واعتقل 4 منهم، منذ بداية العام في محاولة لإضعاف قدرة الدائرة على إدارة شؤون المسجد وتنظيم الأنشطة الدينية.
من هو مؤذن الأقصى في الوعي العام؟
إذا أردنا جوابًا أدق على مستوى الوعي الشعبي، فيمكن القول إن مؤذن الأقصى هو كل من يحمل هذه الأمانة داخل المسجد المبارك تحت إشراف الأوقاف الإسلامية، ويواصل رفع الأذان رغم سياسة التضييق والاقتحام ومحاولات فرض الهيمنة. هذا تعريف قد لا يشبع فضول من يبحث عن اسم محدد، لكنه الأقرب إلى حقيقة الأقصى اليوم.
الأسماء مهمة حين نوثق ونؤرشف وننصف أصحاب الجهد. لكن الأهم ألا نغفل أن القضية أكبر من الاسم. في القدس، يتحول العاملون في الأقصى إلى شهود على مرحلة ثقيلة من تاريخ المدينة. بعضهم يُعرف على نطاق واسع، وبعضهم يبقى بعيدًا عن الأضواء، غير أن جميعهم يشاركون في حماية الحضور الإسلامي للمسجد، كل من موقعه.
ولهذا فإن السؤال الأصح ربما ليس فقط من هو مؤذن الأقصى، بل ماذا يعني أن تبقى للمسجد مآذنها وأذانها وطاقمها الفلسطيني رغم كل ما يجري؟ هنا تبدأ الإجابة الحقيقية.
في زمن يحاول فيه الاحتلال تفكيك المعنى قبل المكان، يبقى الأذان من الأقصى تذكيرًا واضحًا بأن القدس ليست رواية مفتوحة على العبث، وأن من يخدمون المسجد – ومنهم المؤذنون – ليسوا وجوهًا عابرة، بل خط دفاع يومي يستحق أن يُعرف ويُصان ويُروى.
(@FAlmasee2) 




