من هندسة الميليشيات في العراق واليمن إلى رماد غزة وحرب إيران.. قصة الدبلوماسي الذي لم يغادر البيت الأبيض لـ 4 رئاسات
يمن موينتور/ وحدة الترجمة (خاص)/ مجلة فورين بوليسي
عندما كان مقدم البرامج الحوارية ستيفن كولبير يبحث عن شخص يشرح الحرب الأمريكية مع إيران لجمهور برنامج “Late Show” في أوائل شهر مارس، توجه إلى بريت ماكغورك، الذي شغل منصب مستشار رئيسي لشؤون الشرق الأوسط لأربعة رؤساء أمريكيين.
وصرح ماكغورك، الذي يعمل حالياً مستثمراً في رأس المال المغامر ومحللاً في شبكة “سي إن إن”، لكولبير قائلاً: “لا أعتقد أن الحجة قد قُدمت للشعب الأمريكي. فقبل شن عملية عسكرية… يجب على الرئيس أن يكون واضحاً في ذهنه بشأن ما يريد تحقيقه وكيفية تحقيقه. وهذا ليس دائماً نقطة القوة” لدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
كان ماكغورك الخيار المفضل لكولبير في موضوع الحرب في الشرق الأوسط لسبب وجيه. فالدبلوماسي البالغ من العمر 52 عاماً، ورغم أنه غير معروف كثيراً خارج دوائر صنع السياسات، قد لعب دوراً مستداماً بشكل فريد في السياسة الخارجية الأمريكية على مدار عقدين من الزمن. وفي فترة اتسمت بالاستقطاب الشديد والتغيرات في الكوادر بين الإدارات، استطاع ماكغورك البقاء والازدهار في ظل الرئاسات الجمهورية والديمقراطية على حد سواء. وبقليل من الانقطاعات، تولى قدراً متزايداً من المسؤوليات عن سياسة واشنطن تجاه الشرق الأوسط بدءاً من رئاسة جورج دبليو بوش، مروراً بسنوات أوباما، واضطرابات ولاية ترامب الأولى، وصولاً إلى إدارة بايدن. إن الاتفاق أو الاختلاف مع مجمل أعمال ماكغورك هو، في جوهره، “اختبار رورشاخ” (اختبار بقع الحبر) لما إذا كان المرء يرى أن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط خلال هذا القرن قد حققت نجاحاً أم فشلاً.
قضى ماكغورك سنواته الأولى في الحكومة بالتركيز على “بناء الدولة” خلال حرب العراق. ولكن بحلول عام 2021، عندما عاد إلى البيت الأبيض بصفته مساعداً للرئيس جو بايدن، كان مصمماً على توجيه السياسة الخارجية الأمريكية في اتجاه مختلف عما سبق. ووفقاً لأشخاص عملوا معه في ذلك الوقت، أخبر ماكغورك موظفي مجلس الأمن القومي أن عصر الطموحات الأمريكية الكبرى في الشرق الأوسط قد انتهى، وكان شعاره: “العودة إلى الأساسيات”.
وبدلاً من السعي وراء “أهداف منمقة”، قال ماكغورك في حوار المنامة التابع للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في البحرين في نوفمبر 2021، إن إدارة بايدن ستتبع “استراتيجية سليمة، تضع الأهداف والغايات فقط بعد دراسة متأنية للحقائق على الأرض والتشاور مع أصدقائنا وشركائنا”.
تحطمت طموحات ماكغورك الدبلوماسية في 7 أكتوبر 2023، عندما نفذت حركة حماس هجومها الدامي، مما أشعل ضربة إسرائيلية مضادة كارثية غذت اتهامات واسعة النطاق بأن الولايات المتحدة كانت تمكن إسرائيل من تنفيذ إبادة جماعية ضد الفلسطينيين. وأصبح منسق مجلس الأمن القومي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا “مانعة للصواعق” (هدفاً لسهام الانتقاد) للأشخاص الذين رأوا فيه المهندس الرئيسي لتبني إدارة بايدن للحرب الإسرائيلية في غزة.
ويقول منتقدون مثل رندا سليم، رئيسة برنامج الشرق الأوسط في مركز ستيمسون، إن ماكغورك حظي بثقة الرؤساء المتعاقبين من كلا الحزبين من خلال تبني رؤية أمريكية نموذجية للسياسة الخارجية. وقالت سليم: “هذا رجل يفضل الحلول السريعة قصيرة الأمد للتعامل مع قضايا مزمنة طويلة الأمد في منطقة لا تقبل الحلول السريعة”.
بالنسبة لماكغورك، فإن تحقيق مكاسب تدريجية في الشرق الأوسط أفضل من السعي وراء أهداف متغطرسة وغالباً ما تكون غير واقعية في منطقة معقدة. وصرح ماكغورك لمجلة “فورين بوليسي” في سلسلة نادرة من المقابلات المسجلة: “من الأخطاء الشائعة في السياسة الخارجية إعلان أهداف قصوى ثم التفكير في كيفية تحقيقها. الأهداف القريبة، والتقدم التدريجي، والمواءمة الدقيقة بين الغايات والسبل والوسائل؛ هذا هو النهج الأفضل من واقع خبرتي”.
غادر ماكغورك البيت الأبيض في يناير الماضي وهو يواجه متظاهرين في الحرم الجامعي وصموه بأنه “مجرم حرب”. ولا يزال صدى إرث عمله يتردد بينما تخوض إدارة ترامب حربها “الدونكيخوتية” (غير الواقعية) مع إيران، وتصارع التحركات المثيرة للجدل التي قام بها ماكغورك في أماكن أخرى من المنطقة.
للحصول على صورة منصفة لمسيرة ماكغورك وتأثيره، تحدثت “فورين بوليسي” مع ماكغورك وأكثر من عشرين شخصاً عملوا معه مباشرة. ويتمسك ماكغورك برده على حرب غزة، ويشير نجاحه في كسب ود رؤساء من كلا الحزبين الرئيسيين إلى احتمال عودته إلى السلطة السياسية في واشنطن. أما بالنسبة لخصومه، فإن ماكغورك هو السبب والنتيجة في آن واحد؛ فهو رمز قوي للنهج الأمريكي الخاطئ تجاه الشرق الأوسط على مدى عقدين مدمرين؛ من التداعيات الطائفية في العراق إلى مستنقع الحرب بالوكالة في اليمن، والدمار الكامل في غزة، وأحدثها صدمة الطاقة العالمية الناجمة عن الحرب مع إيران.
عندما أرسل السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة رسالة إلى ماكغورك حول هجوم تشنه قوات حماس في 7 أكتوبر 2023، رد ماكغورك برسالة دعم غير مشروطة: “نحن معكم”. وأصبح هذا الرد الغريزي حجر الزاوية لنهج ماكغورك تجاه الأزمة.
عمل ماكغورك مع بايدن خلال إدارة أوباما ودعم ترشيحه في عام 2020. وعندما فاز بايدن، اختاره ليكون مستشاره الرئيسي للشرق الأوسط في البيت الأبيض، مما دفع الخبير الاستراتيجي الطموح إلى أهم دور في مسيرته المهنية. وفي صياغة رؤاه الخاصة، قال ماكغورك إنه يستحضر اقتباساً من الرئيس الأسبق جون إف كينيدي: “الغرض من السياسة الخارجية ليس توفير مخرج لمشاعرنا من الأمل أو السخط؛ بل هو صياغة أحداث حقيقية في عالم حقيقي”.
وأشاد جيمس جيفري، الدبلوماسي المخضرم في واشنطن الذي اختلف مع ماكغورك في قرارات سياسية عديدة تجاه الشرق الأوسط عندما عملا معاً في عهدي أوباما وترامب، بزميله السابق كواحد من أمهر الدبلوماسيين في جيله. وقال جيفري: “أعتقد أنه كان من بين أكثر المسؤولين الحكوميين تأثيراً في الشرق الأوسط خلال الرئاسات الأربع الماضية. بريت يفهم القوة، ويفهم فن الدبلوماسية: إقامة علاقات جيدة مع الناس، وما ينجح وما لا ينجح، وما يحتاجه كل طرف. إنه نهج واقعي ومجرد لدفع السياسة الخارجية من خلال توظيف القوة الأمريكية”.
لكن سياسة ماكغورك الواقعية لم تكن هي النهج الذي تعهد بايدن بجلبه إلى البيت الأبيض عندما هزم ترامب في عام 2020. وبدلاً من ذلك، تعهد بايدن بوضع حقوق الإنسان في قلب سياسته الخارجية. ووفقاً لمسؤولين سابقين في الإدارة، اعتبر المشككون استقدام ماكغورك ليكون مستشاره الرئيسي للشرق الأوسط نذير شؤم.
ومع ذلك، في غضون أيام من عودته إلى البيت الأبيض في عام 2021، كان ماكغورك في الرياض لإيصال رسالة حازمة إلى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. كان بايدن قد خاض الانتخابات متعهداً بمعاملة السعودية كدولة “منبوذة”، وجاء موقفه بعد أن خلصت الولايات المتحدة إلى أن ولي العهد قد وجه فريق اغتيال لقتل جمال خاشقجي، الكاتب السعودي المقيم في الولايات المتحدة، في القنصلية السعودية بإسطنبول عام 2018. أرسل بايدن ماكغورك لتوجيه توبيخ شديد: البيت الأبيض سيقطع مبيعات الأسلحة الرئيسية للرياض حتى تحد من حربها ضد المتمردين الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن. كانت الحرب قد أصبحت عبئاً ثقيلاً على السعودية، وأوضح ماكغورك أن إدارة بايدن ستقلص مساعداتها العسكرية حتى تخرج الرياض من الصراع.
كان بايدن ينفذ وعده بوضع حقوق الإنسان في قلب أجندة سياسته الخارجية ويفي بوعد قطعه خلال الحملة الانتخابية. وساعد هذا الضغط في دفع السعودية نحو تبني وقف إطلاق نار هش في اليمن. لكن ماكغورك قال إنه لا يعتقد أن استخدام المساعدات العسكرية كأداة ضغط مع حلفاء الشرق الأوسط كان أمراً حكيماً. فرغم أن وقف الأسلحة عن السعودية ربما سرّع جهود المملكة لتخليص نفسها من المستنقع اليمني، إلا أنه خلق أيضاً مساحة لإيران لزيادة دعمها للحوثيين، الذين تطوروا ليصبحوا تهديداً إقليمياً قوياً بشكل غير متوقع.
أثار تعليق المساعدات استياء القادة السعوديين الذين كانوا يحاولون الخروج من المأزق في اليمن، وأدى هذا الانقسام إلى سنوات من التوتر بين واشنطن والرياض. بدأ ماكغورك في الضغط من أجل تصحيح المسار، وهو الزخم الذي اكتسب قوة عندما احتاج البيت الأبيض لمساعدة السعودية في إبقاء أسعار النفط منخفضة بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022، الذي قلب أسواق الطاقة العالمية رأساً على عقب. كما رأى ماكغورك فرصة فريدة لعقد اتفاق دبلوماسي تاريخي بين إسرائيل والسعودية، وهي خطوة لم تكن لتحدث إلا بعد أن يصلح بايدن علاقاته مع ولي العهد محمد بن سلمان.
أحدث هذا التقارب الدبلوماسي شروخاً عميقة في إدارة بايدن وأثار معارضة صريحة من الديمقراطيين التقدميين في الكونغرس، الذين اعتبروه خيانة لتعهد الرئيس بجعل حقوق الإنسان وتعزيز الديمقراطية في قلب أجندته.
لم يرَ ماكغورك نفسه السياسة الخارجية بهذا المنظور أبداً. وقال لـ “فورين بوليسي”: “بالنسبة للدبلوماسي الأمريكي، يجب أن تكون حقوق الإنسان دائماً مطروحة على الطاولة، فهذا ما يجعلنا مختلفين. لكن هذه القضية لا تبتلع كافة المصالح الأخرى. من منظور حقوق الإنسان، فإن الدول في الشرق الأوسط وأماكن أخرى ستكون أكثر تسامحاً واعتدالاً تحت المظلة الأمريكية بمرور السنين مما لو تركنا الساحة للصين أو روسيا”.
وقال مسؤولو وزارة الخارجية الذين عارضوا التقارب مع السعودية لـ “فورين بوليسي” إنهم جرى تهميشهم في مناقشات رئيسية. ووصل الجدل إلى ذروته في “ضربة قبضة اليد” التي تردد صداها في جميع أنحاء العالم: طار بايدن إلى السعودية وقدم لمحمد بن سلمان التحية المثيرة للجدل التي أصبحت حجر الأساس لدفء العلاقات.
كثف ماكغورك رحلاته إلى الخليج بينما كان يحاول إبرام صفقة دبلوماسية معقدة بين إسرائيل والسعودية. وكان من أبرز حجر العثرة هو كيفية التعامل مع المعضلة الفلسطينية كجزء من الاتفاق.
وفقاً للعديد من مسؤولي إدارة بايدن الذين عملوا معه، كانت فلسطين تمثل نوعاً من “النقطة العمياء” لماكغورك؛ إذ تشكلت رؤيته للشرق الأوسط من خلال سنوات عمله الأولى في العراق، ولم يركز كثيراً على القضية الإسرائيلية الفلسطينية. وعلى أي حال، كان بايدن يفتقر للاهتمام بمتابعة محادثات السلام الفلسطينية الإسرائيلية، بعد أن رأى رؤساء متعاقبين يفشلون فشلاً ذريعاً في ذلك. وبدلاً من ذلك، دفع بايدن بسياسة لمحاولة إدارة القضية بمبادرات اقتصادية متواضعة تهدف إلى تحسين الحياة اليومية للفلسطينيين قليلاً.
عندما لخص ماكغورك أولويات إدارة بايدن في الشرق الأوسط في خطابه بحوار المنامة عام 2021، لم يذكر الفلسطينيين على الإطلاق. وقال العديد من مسؤولي الإدارة الذين عملوا معه إن ماكغورك كان ينظر إلى القضية الفلسطينية في الغالب كـ “ورقة مساومة” لصفقته الإقليمية الكبرى، وليس كمشكلة تستحق اهتماماً بحد ذاتها.
وقال مسؤول حكومي رفيع سابق عمل مع ماكغورك: “كان بريت شديد الازدراء للقضية الفلسطينية، وكان يقول: لا أحد يهتم بها، إنها أخبار من الماضي. كانت تلك هي السيكولوجية العامة، بالتأكيد حتى 7 أكتوبر”. كما تبنى فريق الأمن القومي الأوسع لبايدن رؤية متغطرسة للشرق الأوسط؛ فقبل ثمانية أيام من هجوم حماس، تفاخر جيك سوليفان، مستشار الأمن القومي لبايدن، في مهرجان “أتلانتيك” بأن “منطقة الشرق الأوسط أهدأ اليوم مما كانت عليه منذ عقدين”.
استغرق الأمر شهوراً من المفاوضات الشاقة لكي تتضمن الصفقة المقترحة أي تنازلات جوهرية للمساعدة في إنعاش الآمال الفلسطينية الباهتة في إقامة دولتهم المستقلة. وعمل ماكغورك على تأمين خطط لوصول وفد دبلوماسي سعودي إلى رام الله قبل شهر من هجمات حماس في 2023، وهي خطوة تهدف إلى الإشارة لالتزام الرياض بمساعدة السلطة الفلسطينية كجزء من أي صفقة مع إسرائيل.
وقالت آية المحيسن، مديرة مكتب نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ: “نعتقد أن إدارة بايدن بذلت قصارى جهدها، لكننا كنا سنقدر دوراً أكثر فعالية لأننا نؤمن حقاً أنهم كان بإمكانهم فعل المزيد”.
ووفقاً للعديد من دبلوماسيي إدارة بايدن، كان الاتفاق الدبلوماسي الإسرائيلي السعودي هو “الحوت الأبيض” لماكغورك، في إشارة إلى هوس الكابتن آخاب المشؤوم بصيد الحوت الذي شوهه وقتله في النهاية في رواية “موبي ديك”.
لم يثنِ ذلك ماكغورك. ففي 6 أكتوبر 2023، كان ماكغورك يضع اللمسات الأخيرة على المزيد من التفاصيل مع المسؤولين السعوديين أملاً في إنهاء المقترح قبل نهاية ولاية بايدن. وكل ذلك انقلب رأساً على عقب في اليوم التالي عندما نفذت حماس هجومها المفاجئ.
في الأيام الأولى، نصحت إدارة بايدن القادة الإسرائيليين بعدم السماح لشعورهم بالإهانة بإملاء ردهم. وحث كبار القادة الأمريكيين، بمن فيهم ماكغورك، نظراءهم على عدم السماح للانتقام بتوجيه قراراتهم. وسرعان ما حول ماكغورك أنظاره نحو محاولة التفاوض على صفقة رهائن. وفي أواخر نوفمبر، ساعد ماكغورك في تأمين أول وقف لإطلاق النار في الحرب؛ وهو هدنة أولية استمرت أربعة أيام أدت إلى إطلاق سراح أكثر من 100 إسرائيلي ومواطنين آخرين، مقابل إفراج إسرائيل عن 240 أسيراً ومعتقلاً فلسطينياً. لكن الاتفاق انهار قبل أوانه، وصعدت إسرائيل حملتها العسكرية بعد ذلك بوقت قصير.
بحلول “عيد الشكر”، بدأ كبار المسؤولين في إدارة بايدن يشعرون بشكوك حول الرد الإسرائيلي؛ إذ كانت الغارات الجوية تقتل المئات من النساء والأطفال، وكانت القوات الإسرائيلية تقتل موظفي الأمم المتحدة، والأطباء الفلسطينيين، وعمال الإغاثة، وعائلات بأكملها في مخيمات اللاجئين.
أراد بعض المسؤولين الأمريكيين من بايدن أن يدعو إسرائيل لإنهاء الحرب بحلول نهاية العام، وكان بلينكن متعاطفاً مع هذا الرأي. لكن ماكغورك وسوليفان وبايدن لم يكونوا مستعدين لذلك، وفقاً لعدد من المسؤولين الأمريكيين المشاركين في النقاشات. (بعد نشر هذا المقال، ادعى متحدث باسم سوليفان أن هذا غير صحيح، وأخبر “فورين بوليسي” أن سوليفان ذهب إلى إسرائيل في ديسمبر 2023 برسالة من البيت الأبيض مفادها أن العمليات العسكرية الكبرى يجب أن تنتهي بحلول نهاية العام، مع استمرار العمليات ضد الأهداف عالية القيمة فقط بعد ذلك، كما نفى ماكغورك هذا التوصيف). وأثار بعض مسؤولي الإدارة فكرة وضع شروط على كيفية استخدام إسرائيل للمساعدات العسكرية الأمريكية، لكن آخرين، ومنهم ماكغورك كما قيل، جادلوا بأن ذلك سيكبل أيدي إسرائيل.
وقال ماكغورك: “لم يكن هناك سبيل لوقف الحرب في غياب صفقة رهائن. كانت هذه الحقيقة منذ البداية”.
عمل ماكغورك على تسريع تسليم الأسلحة لإسرائيل في الأشهر الأولى، بما في ذلك صواريخ “هيلفاير” وقنابل ضخمة تزن 2000 رطل استُخدمت في هجمات متكررة ساهمت في ارتفاع عدد القتلى الفلسطينيين. واضطرت الولايات المتحدة لخوض معارك منتظمة مع إسرائيل بسبب رفضها السماح بدخول كميات كبيرة من الغذاء والمساعدات الإنسانية إلى غزة.
طوال حرب غزة، صب منتقدو سياسة إدارة بايدن —داخل الحكومة وخارجها— جام غضبهم على ماكغورك. وقال المسؤول الحكومي الرفيع السابق الذي عمل معه: “كلنا شعرنا بالصدمة في 7 أكتوبر، لكن الإدارة تبنت نهجاً غذى منذ البداية رواية مفادها أن الولايات المتحدة تنظر إلى أرواح الفلسطينيين على أنها أقل قيمة من أرواح الإسرائيليين”. وعن الضحايا المدنيين في غزة، أضاف المسؤول: “لا أعتقد أن بريت كان مهتماً بذلك بشكل كافٍ”.
أما بالنسبة لجيفري، فإن احتضان ماكغورك الوثيق لإسرائيل كان الخطوة الصحيحة.
وقال جيفري: “في نهاية المطاف، تعززت المصالح الأمريكية بشكل كبير بما حدث بعد يوم 7 أكتوبر المأساوي، وكان السماح للإسرائيليين وتمكينهم والقتال إلى جانبهم هو الشيء الصحيح الذي ينبغي فعله”. وأضاف: “بريت مؤمن قوي بالواقعية السياسية، وهو أيضاً يحسن تقدير من هو اللاعب الأقوى. لقد علم أن نتنياهو هو اللاعب الأقوى، وكان مصمماً على تغيير الحسابات الاستراتيجية في الشرق الأوسط. كان بريت مركزياً في تمكيننا الفعال لإسرائيل لهزيمة إيران وإمبراطورية وكلائها لما فيه مصلحة إسرائيل والولايات المتحدة”.
بدأ ماكغورك، ابن معلمين من بيتسبرغ، مسيرته السياسية ككاتب قانوني مثالي لدى رئيس المحكمة العليا ويليام رينكويست. كان في مبنى المحكمة العليا بواشنطن في أحداث 11 سبتمبر، وعندما رأى الدخان يتصاعد من البنتاغون، أدرك أن الهجوم سيوجه حياته في اتجاه جديد.
بعد نحو عامين، طار ماكغورك إلى بغداد ليعمل مستشاراً قانونياً للفريق الأمريكي الذي يعمل على إنشاء حكومة ديمقراطية جديدة للعراق بعد الإطاحة بصدام حسين. كان ماكغورك نصيراً مبكراً لجهود أمريكا الطموحة في “بناء الديمقراطية” في الشرق الأوسط، لكنه سرعان ما بدأ يضيق ذرعاً بالفكرة وهو يشاهد العراق ينزلق إلى دوامة دموية من السيارات المفخخة التي هددت بتمزيق البلاد.
أحضره بوش إلى البيت الأبيض في عام 2005 للمساعدة في صياغة استراتيجية العراق المتعثرة. كان ماكغورك جزءاً من فريق وضع خطة لإرسال 30 ألف جندي أمريكي إضافي إلى العراق فيما عُرف بـ “زيادة القوات” (The Surge) لمنع انهيار البلاد. وسرعان ما أثبت ماكغورك كفاءته كمستشار لبق في المكتب البيضاوي، قادراً على شرح القضايا المعقدة ببراعة وتقديم خيارات واضحة للرئيس.
وقال مسؤول رفيع في إدارة بايدن عمل مع ماكغورك: “إنه يجد الطريقة الأكثر طمأنة لتقديم إيجاز عن أي موقف ودائماً ما يجد حلاً نظرياً. لا ينجح الأمر دائماً في الممارسة العملية، لكن بالنسبة للمسؤولين الكبار، من الفعال جداً أن يقول أحدهم: إليك المشكلة، وإليك الحل. وسيقول ذلك بثقة كبيرة مراراً وتكراراً”.
وفي خضم العلاقات الطائفية المشحونة في العراق، تحالف ماكغورك بشكل وثيق مع نوري المالكي، واعتمد المالكي على الدعم الأمريكي ليصبح رئيساً للوزراء في عام 2006. كان المالكي شخصية مثيرة للانقسام واتُهم بتأجيج الانقسامات الطائفية عبر دعم الميليشيات الشيعية وتهميش السنة والأكراد. دعم ماكغورك محاولة المالكي لولاية ثانية في عام 2010، حتى أطلق البعض عليه تهكماً لقب “هامس المالكي”. وفي رسالة أرسلها فبراير الماضي للمطالبة بجلسة استماع في الكونغرس حول تأثير ماكغورك، وصف النائب الجمهوري جو ويلسون المالكي بأنه “أهم عامل منفرد في صعود داعش”، وكتب أنه “من الصعب التقليل من الضرر الذي ألحقه بريت ماكغورك بمصالح الأمن القومي الأمريكي في الشرق الأوسط” عبر دعم الزعيم العراقي ذي الصلات الوثيقة بإيران.
بالنسبة لماكغورك، كان العمل مع المالكي واقعاً لا مفر منه، نابعاً من حقيقة أن الزعيم الشيعي قد جمع الأصوات اللازمة في البرلمان للعودة كرئيس للوزراء. وانتقد الجمهوريون ماكغورك لفشله في استخدام نفوذه مع المالكي للتفاوض بنجاح على اتفاق يسمح ببقاء القوات الأمريكية في العراق، مما أجبر الولايات المتحدة على سحب كافة قواتها بحلول نهاية عام 2011.
عاد دعم ماكغورك للمالكي وجهود التفاوض الفاشلة ليطارده عندما رشحه أوباما في مارس 2012 ليكون سفيراً للولايات المتحدة في العراق؛ إذ عارض أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريون، ومنهم جون ماكين، ترشيحه وانتقدوا مناوراته السياسية في العراق. وقبل يوم من جلسة تثبيته في يونيو من ذلك العام، سُربت رسائل بريد إلكتروني ورسائل خاصة “فاضحة” بين ماكغورك ومراسلة كانت تعمل حينها في صحيفة “وول ستريت جورنال”، تظهر أنهما كانا على علاقة أثناء عملهما في العراق في عام 2008. سحب ماكغورك ترشيحه بعد مطالبات جمهورية بتنحيه، وبدا أن صعوده السياسي قد توقف. (تزوج هو والمراسلة في عام 2012 ولا يزالان “سعيدين” معاً، وفقاً لماكغورك).
وبعد تلك الانتكاسة المحرجة، تمكن ماكغورك من تجاوز المتاعب سريعاً؛ ففي العام التالي، اختاره أوباما ليكون نائب مساعد وزير الخارجية لشؤون العراق وإيران بينما كان تنظيم داعش يوسع سيطرته في شرق سوريا ويهدد بالتمدد في العراق. ووصف وزير الخارجية جون كيري ماكغورك بأنه “سكين الجيش السويسري” الخاصة به، في إشارة إلى أداة متعددة الاستخدامات يمكنه توظيفها لحل كافة أنواع المشاكل.
وبينما كانت إدارة أوباما تبحث عن مقاتلين يمكنهم هزيمة التنظيم المتشدد بنجاح، ركزت على قوة صغيرة من المقاتلين الأكراد السوريين ذات تاريخ معقد؛ وهي “وحدات حماية الشعب” (YPG)، الميليشيا الاشتراكية المتحالفة وثيقاً مع “حزب العمال الكردستاني” (PKK)، الذي نفذ هجمات إرهابية في تركيا. وكان الاتحاد الأوروبي وتركيا والولايات المتحدة قد صنفوا حزب العمال الكردستاني كجماعة إرهابية، ولم تكن هناك فروق تذكر بينه وبين وحدات حماية الشعب.
كان ماكغورك المدافع الأبرز في واشنطن عن وحدات حماية الشعب، ودافع مراراً عن الجماعة باعتبارها متميزة عن حزب العمال الكردستاني، وهي الخطوة التي أثارت غضب القادة الأتراك ودفعت علاقة واشنطن مع الرئيس رجب طيب أردوغان إلى حافة الانهيار. وأقر المسؤولون الأمريكيون المشاركون في الجهد بأن التمييز بين الجماعتين كان خيالاً إلى حد كبير، وأطلقوا سراً على القوة لقب “ميليشيا بريت”. واتهمت تركيا القوة المدعومة من الولايات المتحدة بنقل الأسلحة إلى رفاقهم في حزب العمال الكردستاني وضغطت على إدارة أوباما لإقالة ماكغورك. وفي أحد الاجتماعات مع أوباما، وفقاً للحاضرين، كان أردوغان غاضباً جداً لرؤية ماكغورك في الغرفة لدرجة أنه طالب بإخراجه.
لكن نهج ماكغورك انتصر في النهاية؛ إذ أثبتت وحدات حماية الشعب أنها القوة الأكثر فعالية في قيادة القتال ضد تنظيم داعش. وأشاد الجنرال المتقاعد في مشاة البحرية الأمريكية جون ألين، الذي كان يقود التحالف الدولي ضد داعش آنذاك، بماكغورك لدبلوماسيته البارعة في إقناع الحلفاء الأتراك المترددين بالعمل مع أكراد العراق في عام 2014 لصد معركة كانت ستمثل نقطة تحول في مدينة كوباني السورية. وقال ألين إن تلك كانت “لحظة محورية في الحرب بأكملها” بالنسبة للولايات المتحدة.
كانت ذروة مهنية أخرى لماكغورك هي تأمين إطلاق سراح جيسون رضائيان، مراسل صحيفة “واشنطن بوست” في طهران، الذي احتجزته إيران منذ يوليو 2014. وقال رضائيان: “لقد بذل ساعات طويلة وفقد الكثير من النوم لإنقاذ أرواح أمريكية —وأنا واحد منهم. أنا لست هنا لولا بريت ماكغورك”.
في يناير 2016، أدار ماكغورك صفقة معقدة لتأمين الحرية لرضائيان وثلاثة أمريكيين آخرين. وافقت واشنطن على إطلاق سراح عدة إيرانيين محتجزين في الولايات المتحدة، وبالتوازي، أطلقت فوراً 400 مليون دولار من الأصول الإيرانية المجمدة من تسوية مالية غير مرتبطة بمفاوضات الرهائن. كادت الصفقة تنهار عندما رفضت إيران السماح لزوجة رضائيان بالمغادرة معه، فدخل ماكغورك غرفة المفاوض الإيراني وهدد بوقف المال وإلغاء الصفقة بالكامل إذا لم يضمنوا رحيلها.
انفجرت قضية الـ 400 مليون دولار، التي أبقتها إدارة أوباما طي الكتمان، في وجه ماكغورك عندما كشفت عنها صحيفة “وول ستريت جورنال” بعد أشهر. اتهم الجمهوريون الإدارة بدفع فدية ضخمة لإيران. ورغم أن الأموال لم تكن جزءاً صريحاً من صفقة الرهائن، إلا أن ماكغورك قال إنه استخدمها كنقطة ضغط حاسمة.
وبينما أثبت ماكغورك مهارة في دفع السياسات الأمريكية في عهدي بوش وأوباما، اصطدم في النهاية بخلافات لا يمكن حلها مع ترامب أثناء عمله كمبعوث خاص لمكافحة داعش. ففي 19 ديسمبر 2018، أمر ترامب فجأة بسحب القوات الأمريكية من سوريا، وشعر ماكغورك بالهول لأن الولايات المتحدة تتخلى عن المقاتلين السوريين، فاستقال من منصبه متبعاً خطى وزير الدفاع جيم ماتيس.
جاء “نفي” ماكغورك إلى كاليفورنيا بمثابة ارتياح لكثير من الدبلوماسيين المحترفين في واشنطن الذين رأوا فيه تأثيراً “آكلاً” على السياسة الخارجية الأمريكية. وانتقد المعارضون حقيقة أن ماكغورك لم يتعلم العربية بطلاقة وأنه يميل إلى أروقة السلطة أكثر من الشوارع الوعرة، مما أعطاه رؤية مشوهة للمنطقة.
لكن ماكغورك رفض هذه التوصيفات مشيراً إلى رحلاته المتكررة لخطوط المواجهة. وقال مسؤولون في إدارة بايدن عملوا معه إن ماكغورك تبنى باستمرار الرؤية الإسرائيلية للحرب في غزة، وقلل من شأن التعنت الإسرائيلي في المفاوضات، وألقى بمعظم اللوم في فشل إنهاء الحرب على حماس. وبينما اقترح البعض وضع شروط على الأسلحة، عارض ماكغورك ذلك واصفاً إياه في مقابلة “بودكاست” لاحقة بأنه “ساذج وغير واقعي”.
وصلت الإحباطات الأمريكية لذروتها في 1 أبريل 2024، عندما استهدفت غارة إسرائيلية قافلة إغاثة لـ “المطبخ المركزي العالمي”، مما أسفر عن مقتل سبعة عمال إغاثة. وبعد شهر، قرر بايدن وقف تسليم قنابل تزن 2000 رطل مؤقتاً، وكان ذلك هو المرة الوحيدة التي لم تنتصر فيها رؤية ماكغورك، لكنه كان هو من ضمن إزالة الأسلحة فوراً من شحنة متجهة لإسرائيل. واعتبر ماكغورك هذا القرار خطأً أدى لتصلب موقف حماس.
في أكتوبر 2025، اتفقت إسرائيل وحماس على وقف إطلاق نار أوسع، وأعادت الحركة الرهائن المتبقين، لكن غزة تظل منطقة حرب دامية، مع بقاء أكثر من نصفها في أيدي إسرائيل. وبينما أعرب مسؤولون مثل سوليفان وفيليب غوردون عن ندمهم واعتقادهم بأنه كان بإمكانهم فعل المزيد لتقييد إسرائيل وحماية المدنيين، لم يفعل ماكغورك ذلك.
فبعد مغادرته البيت الأبيض، دافع ماكغورك مراراً عن سياسة إدارة بايدن، مجادلاً بأن المنطقة كانت في حال أفضل في 20 يناير 2025؛ مستشهداً بتحييد تهديد حزب الله في لبنان، والإطاحة ببشار الأسد في سوريا، وإضعاف إيران والميليشيات في العراق، ووقف إطلاق النار في غزة.
انتقل ماكغورك سريعاً للعمل الخاص في عام 2025؛ إذ انضم لشركة “لوكس كابيتال” كشريك، وبدأ في الظهور بانتظام على “سي إن إن”. وبخصوص سجله الحافل، يظل ماكغورك متحدياً حيث قال في يونيو 2025: “بالنسبة لمنتقدينا، أسألهم: حسناً، ما هو بديلكم؟ ما هو البديل لخارطة طريق وقف إطلاق النار والرهائن؟ بصراحة، لا أسمع بدائل جيدة… أعتقد أنه يجب الحكم على الأمر بالنتائج الإجمالية”.
The post من هندسة الميليشيات في العراق واليمن إلى رماد غزة وحرب إيران.. قصة الدبلوماسي الذي لم يغادر البيت الأبيض لـ 4 رئاسات appeared first on يمن مونيتور.


