من جمهورية العصابات إلى دولة السجون .. القبضة الحديدية في السلفادور
لم تعد السلفادور تُستحضر في المخيال الدولي بوصفها جمهورية غارقة في الفوضى والعنف، كما كان الحال خلال عقود الحرب الأهلية ثم سنوات سطوة العصابات؛ فقد نجح الرئيس نجيب بوكيله في فرض تحول أمني جذري، جعل بلاده تُقدَّم، في نظر أنصاره، باعتبارها نموذجاً ناجحاً في استعادة النظام.
غير أن هذا التحول، كما يكشف تحليل مطول نشرته المجلة الفكرية البريطانية “لندن ريفيو أوف بوكس” (“London Review of Books”) بقلم توم ستيفنسون، لا يمكن فهمه من زاوية الأرقام الأمنية وحدها؛ لأن الثمن الذي دُفع في المقابل كان باهظاً على مستوى القانون والمؤسسات والحقوق، ما يجعل التجربة السلفادورية أبعد من مجرد قصة نجاح أمني، وأقرب إلى إعادة تأسيس كاملة لفكرة الدولة نفسها: من دولة ضعيفة تتقاسمها العصابات إلى دولة سجون تتكثف فيها السلطة في يد رجل واحد.
الأرقام التي يستند إليها الخطاب الرسمي تمنح هذه الرواية قوة كبيرة، إذ انخفض معدل جرائم القتل بنسبة تقارب 98 في المئة بحلول عام 2024 مقارنة بمنتصف العقد الماضي، وهي فترة كانت فيها مستويات العنف في البلاد تُقارَن، أحياناً، بالعراق أو سوريا؛ وهو تراجع هائل منح بوكيله شرعية شعبية واسعة، وجعل كثيرين داخل السلفادور وخارجه يرون فيه القائد الذي أنجز ما عجز عنه من سبقوه، أي كسر شوكة العصابات التي كانت تمسك بأحياء كاملة، وتفرض الإتاوات، وتدير تفاصيل الحياة اليومية في مناطق واسعة من العاصمة والمناطق الشعبية.
لكن هذا الإنجاز لم يتحقق، وفق التحليل ذاته، من خلال إصلاح مؤسساتي بطيء أو عبر سياسات اجتماعية طويلة النفس، بل عبر أداة مباشرة وقاسية، هي الاعتقال الواسع النطاق، إلى درجة أن نحو ثلاثة من كل مئة رجل بالغ وجدوا أنفسهم خلف القضبان، وهو معدل يكاد يكون بلا نظير في العالم.
هذا التحول الأمني لم يكن إجراءً معزولاً، بل ارتبط بحالة استثناء ممتدة فُرضت منذ مارس 2022، وهي لحظة مفصلية في التجربة السلفادورية؛ لأن السلطة علّقت خلالها جملة من الضمانات الدستورية، وأصبح ممكناً توقيف الأشخاص من دون أوامر قضائية واضحة، ومن دون عرضهم سريعاً على القضاء، ومن دون تفسير كافٍ لأسباب اعتقالهم.
وهو ما يعني، عملياً، أن الدولة استعادت السيطرة على المجال العام لا عبر توسيع حكم القانون، بل عبر تعليق جزء منه؛ وبذلك لم يعد السؤال مرتبطاً فقط بمدى نجاح الحكومة في خفض الجريمة، بل أيضاً بطبيعة النظام الذي نشأ تحت غطاء هذه الحرب المفتوحة على العصابات.
صعود بوكيله
تحليل ستيفنسون يذهب أبعد من هذا المستوى الظاهر، إذ يحاول تفسير صعود بوكيله نفسه، لا بوصفه زعيماً خرج من الهامش أو ممثلاً خالصاً للغضب الشعبي، بل باعتباره نتاجاً مرناً وبارعاً للبنية القديمة التي أعلن التمرد عليها؛ فالرجل لم يكن دخيلاً على النخبة، بل وُلد في عائلة ميسورة، واشتغل في شركات العائلة ومجال الإشهار، ووجد طريقه إلى السياسة من بوابة صناعة الصورة والاتصال السياسي.
وهي خلفية تفسر كثيراً من أسلوبه لاحقاً، حيث برز كسياسي شديد الحساسية للرموز والتمثيل والاستعراض، وقادر على تحويل كل حدث إلى صورة، وكل قرار إلى سردية، وكل انتصار إلى مشهد موجه للجمهور الداخلي والخارجي معاً.
هذا البعد مهم، لأن بوكيله لم يصعد في فراغ، بل في بلد أنهكته عقود من الاستقطاب بين قوتين سياسيتين هيمنتا على الحياة العامة بعد نهاية الحرب الأهلية: من جهة اليمين التقليدي ممثلاً في حزب “أرينا”، ومن جهة اليسار الذي خرج من رحم التمرد المسلح ممثلاً في جبهة “فارابوندو مارتي”.
وقد أدى هذا الاحتكار الثنائي للسلطة إلى إنهاك الثقة العامة، خاصة مع تفاقم الفساد، وضعف الأداء الاقتصادي، وعجز الدولة عن كبح تمدد العصابات؛ وهو ما خلق لحظة ملائمة لظهور شخصية تقدم نفسها باعتبارها بديلاً عن الجميع، لا يساراً ولا يميناً، بل “شيئاً جديداً”. وهذه كانت بالضبط الصيغة التي اعتمدها بوكيله منذ بدأ مساره المحلي ثم الوطني.
في هذا السياق، كان انتخابه رئيساً لبلدية سان سلفادور محطة مفصلية، إذ سمح له بتحويل ذاته من اسم شاب لامع في دوائر الاتصال السياسي إلى فاعل وطني واسع الحضور. ثم جاءت القطيعة مع الجبهة اليسارية التي استخدمها سلماً أولياً، فانتقل إلى بناء مشروعه الخاص، مستفيداً من سخط اجتماعي عميق على النخبة السياسية التقليدية.
وفي 2019 وصل إلى الرئاسة حاملاً وعداً أساسياً، هو إنهاء زمن العصابات وإعادة الكرامة والأمن إلى المواطنين. وهذا الوعد، كما يوضح ستيفنسون، كان مفتاح فهم شعبيته اللاحقة؛ لأن المجتمع السلفادوري كان قد بلغ مستوى عالياً من الإرهاق والرعب، إلى درجة جعلت استعادة الأمن تتقدم على كل القضايا الأخرى تقريباً.
القبضة الحديدية
لكن القراءة التي يقدمها التحليل ترفض السردية الرسمية المبسطة، التي تقول إن التراجع الكبير في الجريمة نتج حصراً عن “القبضة الحديدية” التي أطلقها بوكيله؛ فالعنف، وفق هذا المنظور، كان قد بدأ يتراجع قبل وصوله إلى الحكم، كما أن السنوات الأولى من ولايته لم تكن قطيعة تامة مع سياسات سابقيه، بل اتسمت، في جانب منها، بمزيج من الخطاب الصارم والتدبير البراغماتي، بما في ذلك التواصل غير المعلن مع بعض قادة العصابات من أجل ضبط مستوى العنف.
وهي نقطة يدعمها ستيفنسون عبر إحالات إلى تحقيقات صحافية محلية، خاصة ما نشره موقع “إل فارو”، الذي تحدث عن ترتيبات واتصالات وتفاهمات سبقت الانفجار الكبير في 2022؛ بما يعني أن ما جرى لاحقاً لم يكن منذ البداية المسار الوحيد الممكن، بل جاء بعد مرحلة من المساكنة وإدارة التوازنات.
العصابات نفسها، كما يوضح التحليل، لا يمكن اختزالها في صورة كارتلات المخدرات المعروفة في أمريكا اللاتينية؛ فهي لم تكن في جوهرها إمبراطوريات تهريب عابرة للحدود، بقدر ما كانت منظومات محلية للسيطرة على الأحياء والشوارع والمجالات الشعبية، تفرض “الضرائب” على الدكاكين وسائقي الحافلات والباعة والمهن الهشة، وتدير ما يشبه حكماً يومياً غير رسمي في مناطق كانت الدولة تغيب عنها أو تدخلها بخجل أو بعجز.
وقد نشأت هذه العصابات في الولايات المتحدة، داخل بيئات مهاجرة سلفادورية هاربة من الحرب، ثم أُعيد تصديرها إلى السلفادور عبر موجات الترحيل؛ فحملت معها خبرة التنظيم والهيمنة المحلية، وزرعتها في بلد هش خرج للتو من صراع مدمر، بما جعلها تتحول سريعاً إلى سلطة موازية متجذرة في الأحياء الفقيرة.
من هنا، فإن ما فعله بوكيله بعد 2022 لم يكن مجرد تنفيذ حملة أمنية، بل تفكيك نظام اجتماعي موازٍ كان قد ترسخ خلال سنوات طويلة. والقطيعة الحقيقية جاءت بعد موجة قتل عنيفة في مارس من تلك السنة، حين انتقلت السلطة إلى ما يشبه الحرب المفتوحة، وبدأت الاعتقالات الجماعية على نطاق غير مسبوق، فجُري توقيف عشرات الآلاف في فترة قصيرة.
وغابت عملياً شروط المحاكمة العادلة، وصارت الأحكام القاسية، بما فيها السجن الطويل جداً أو المؤبد، تُصدر في مناخ لا يتيح للمتهمين دفاعاً فعلياً أو مساراً واضحاً للطعن والإنصاف؛ وهو ما حطم، في زمن قياسي، البنية الترابية للعصابات، لكنه أنتج في المقابل بنية عقابية ضخمة، يُخشى أن تصبح هي نفسها قاعدة النظام الجديد.

سجن رهيب
الرمز الأوضح لهذا النظام هو “مركز احتجاز الإرهاب” أو “سيكوت”، الذي يحتل مكانة شبه أسطورية في الدعاية الرسمية. وهو سجن رهيب يقع خارج العاصمة، تحيط به الأسوار العالية وأبراج المراقبة، وتُكدَّس داخله أعداد هائلة من المعتقلين في ظروف شديدة الصرامة.
داخله ينام السجناء على أسرّة معدنية، ويُسمح لهم بخروج محدود جداً، وتحلق رؤوسهم بشكل دوري، ويُعزلون عن العالم الخارجي بدرجة تكاد تكون كاملة. وبذلك لا يغدو السجن مجرد بنية للاحتجاز، بل عرضاً سياسياً قائماً بذاته، ورسالة موجهة إلى الداخل والخارج معاً، مفادها أن الدولة لم تعد تتفاوض، وأنها قادرة على سحق خصومها وسلبهم كل معنى للظهور أو الحركة أو الصوت.
وفي هذا الجانب بالذات تتوقف “London Review of Books” عند خاصية أساسية في نظام بوكيله، وهي أن القمع فيه ليس سرياً كما في أنظمة أخرى، بل استعراضي ومقصود؛ إذ تُفتح أبواب “سيكوت” أحياناً أمام صناع محتوى وشخصيات رسمية أجنبية، وتُبث الصور المنظمة بعناية لسجناء محلقي الرؤوس ومكتظين خلف القضبان.
وهي مشاهد تجمع بين الرسالة الأمنية والدعاية الرقمية، وهو ما يمنح السلطة قدرة كبيرة على تحويل العقاب نفسه إلى أداة لتوليد الشرعية؛ إذ لا يُراد من السجن فقط أن يعزل المعتقلين، بل أيضاً أن يقنع الجمهور بأن الدولة استعادت هيبتها، وأن الرئيس يمارس القوة التي طال انتظارها.
ومع ذلك، فإن التحليل لا يسلّم بسهولة بفكرة أن هذه المعادلة قابلة للاستمرار من دون آثار جانبية خطيرة؛ لأن السجون، تاريخياً، كانت في السلفادور نفسها فضاءات لإعادة إنتاج التنظيمات الإجرامية، كما أن تفكيك العصابات عبر الاعتقال لا يعني بالضرورة القضاء على الشروط الاجتماعية التي صنعتها.
لا سيما في مجتمع لا تزال فيه الأحياء الفقيرة معزولة، وفرص العمل هشة، والنقل العام متخلفاً، والخدمات الأساسية غير كافية؛ وهو ما يجعل نجاح الدولة أمنياً، وفق التحليل ذاته، لا يوازيه بالضرورة نجاح اجتماعي أو تنموي يعالج جذور الأزمة.
شريك أمني
في المشاهد التي ينقلها ستيفنسون من أحياء مثل “لا كامبانيرا” أو “كومونيداد إيبيريا”، يظهر هذا التوتر بوضوح؛ إذ صار ممكناً للزائر أن يدخل مناطق كانت قبل سنوات مغلقة عملياً على الغرباء، وصارت بعض الواجهات تُطلى من جديد، والمدارس تُرمَّم، والرسوم الجدارية تحجب آثار العصابات.
لكن الفقر نفسه ما زال هناك، والبنية التحتية الضعيفة ما زالت هناك، والوصم الاجتماعي لا يزال يلاحق السكان، حتى إن عنوان السكن وحده قد يمنع صاحبه من الحصول على وظيفة في وسط المدينة. وهذا يعني أن تفكيك سلطة العصابة لا يساوي تلقائياً إدماج تلك المناطق في الدولة والاقتصاد والمواطنة الكاملة.
سياسياً، يبدو هذا التحول الأمني رافعة صلبة لتركيز غير مسبوق للسلطة، إذ أُعيد تشكيل المحكمة العليا بقضاة موالين، وأُتيح للرئيس الترشح مجدداً، وسيطر حزبه “أفكار جديدة” على البرلمان بشكل شبه كامل، وتراجعت المعارضة إلى هامش محدود لا يملك التأثير الحقيقي، فيما تعرض خصوم سياسيون وحقوقيون وناشطون لضغوط متزايدة، وصلت إلى الاعتقال أو الاختفاء من المشهد العام.
وهو ما يجعل السؤال الذي يطرحه تحليل “لندن ريفيو أوف بوكس” عن طبيعة النظام أكثر إلحاحاً؛ لأن الدولة التي هزمت العصابات لا تبدو متجهة إلى توسيع التعددية، بل إلى إعادة هندسة المجال العام على مقاس مركز رئاسي متضخم.
والأمر لا يتوقف عند الداخل، إذ إن بوكيله، كما يرصد ستيفنسون، نجح في بناء صلات قوية مع دوائر نافذة في اليمين الأمريكي، إلى درجة أن بلاده صارت تُقدَّم كشريك أمني فعال في ملفات الهجرة والجريمة. بل جرى توظيف نظامها السجني المتوسع في استقبال مرحّلين تعتبرهم واشنطن مصدر إزعاج.
بما يحول السلفادور، في نظر التحليل، إلى ما يشبه “ألكاتراز” خارجي لصالح الولايات المتحدة؛ وهي صيغة تكشف بوضوح كيف يمكن للنجاح الأمني الداخلي أن يتحول إلى سلعة جيوسياسية، وكيف يمكن لدولة صغيرة أن تُكافأ على القسوة حين تخدم ترتيبات إقليمية أكبر.
معركة التنمية
اقتصادياً، لا تبدو الصورة بنفس البريق؛ فالفقر المدقع ارتفع، والنمو بقي محدوداً، ومشاريع الاستعراض الكبرى، من العملة الرقمية إلى المدن السياحية والعروض المرتبطة بصورة “النهضة”، لم تتحول بعد إلى مكاسب معيشية واسعة؛ وهو ما يخلق مفارقة أساسية: فالرجل الذي ربح معركة الأمن لم يربح، بالدرجة نفسها، معركة التنمية.
ومع ذلك لا تتآكل شعبيته بالسرعة التي قد يتوقعها البعض؛ لأن الناخب السلفادوري، كما يوضح التحليل، يفصل بين المجالين، فيحمّل الحكومة مسؤولية الأمن مباشرة، ويكافئها على نجاحها فيه، بينما ينظر إلى الاقتصاد باعتباره شأناً أكثر تعقيداً وتوزعاً في المسؤوليات.
هنا تكمن قوة بوكيله السياسية، فهو لم يقدم نفسه فقط كرئيس، بل كصانع خلاص وطني، وكقائد أعاد للناس شيئاً ملموساً، هو الإحساس بالأمان في الشارع. وهذا الإحساس، في بلد أنهكته العصابات لعقود، يفوق في أثره الخطاب الحقوقي بالنسبة إلى قطاعات واسعة من السكان.
غير أن تحليل ستيفنسون يلمح، في العمق، إلى أن هذا النوع من الشرعية قد يكون خطراً تحديداً لأنه فعّال؛ إذ يسمح بتبرير تآكل الضمانات القانونية باسم مطلب شعبي حقيقي، ويجعل من الدولة القوية هدفاً في حد ذاته، حتى لو كان ذلك على حساب الدولة العادلة.
في النهاية، لا يعرض النص السلفادور باعتبارها حالة سوداء بالكامل ولا بوصفها معجزة خالصة، بل يقدم صورة أكثر تركيباً: بلد استعاد قدراً حقيقياً من الأمن، نعم، لكنه فعل ذلك عبر توسيع غير مسبوق للدولة العقابية، وعبر تعليق القانون، وعبر تحويل السجون إلى بنية مركزية في تعريف الحاضر والمستقبل.
ومن ثم يطرح السؤال الأهم في تحليل “لندن ريفيو أوف بوكس”، ليس ما إذا كان بوكيله قد هزم العصابات فقط، بل أي نوع من المجتمع يُبنى الآن فوق أنقاضها؟ وهل يمكن لدولة تُخرج الشباب من قبضة الجريمة لكي تضع نسبة كبيرة منهم في قبضة السجن أن تنتج استقراراً مستداماً، أم أنها تؤجل فقط أزمة أخرى بصيغة جديدة وأكثر صلابة؟
The post من جمهورية العصابات إلى دولة السجون .. القبضة الحديدية في السلفادور appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
