من فقر نينوى إلى طهران.. رحلة استدراج بدأت بوعد عمل وانتهت بعصابة الاتجار بالبشر - عاجل
بغداد اليوم - بغداد
في واحدة من أكثر الروايات تعقيدًا وتشابكًا، تتكشف تفاصيل قضية وُصفت بأنها مرتبطة بشبكات استدراج عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بدأت باستقبال "بغداد اليوم" مناشدات عائلية على تطبيق "الماسنجر" وانتهت بعملية خروج من العراق ثم احتجاز في خارج البلاد، ضمن مسار تصاعدي خطير امتد من الاتصالات الأولى وحتى العودة بعد أيام، وسط مؤشرات صادمة على تورط شبكات منظمة في الاتجار بالبشر وسرقة الأعضاء.
تتبع السلوك وبناء صورة الهدف
ارتضت "بغداد اليوم" أن تغامر لاسناد ام عراقية، حيث كانت البداية مع مناشداتها المتكررة عبر الماسنجر، أُرسلت أكثر من مرة، رافقها تدقيق مهني من قبل "بغداد اليوم" في الأرقام والروابط، وطلب التحقق من صلة القرابة، ليتبين لاحقًا أن المرسل هي والدة الشاب المفقود، ما دفع إلى التعامل مع القضية بوصفها حالة إنسانية عاجلة تستوجب المتابعة.
الرواية التي خرجت بها "بغداد اليوم" من خلال التحقيقات الأولية التي جرت عبر الهاتف أظهرت أن الشاب ينحدر من محافظة نينوى، ويعمل بأجر يومي في إحدى دوائر البلدية، ويعيش في ظروف اقتصادية صعبة تقترب من خط الفقر، وقد اختفى لعدة أيام بشكل مفاجئ، ما أثار الشكوك حول طبيعة ما جرى.
وتكشف التفاصيل أن التقييم الأولي لم يستبعد فرضية أن الحادثة قد لا تكون اختطافًا تقليديًا، بل عملية استدراج مركبة، مستندة إلى دوافع مالية واستغلال نفسي، وهو ما دفع فريق المتابعة في "بغداد اليوم" إلى التعمق في تحليل سلوك الضحية الرقمي ومسار تحركاته.
الاستدراج العاطفي
وبحسب ما ورد، فإن متابعة الحسابات الرقمية أظهرت أن الشاب كان ينشط ليلًا على مواقع التواصل، ويتفاعل مع منشورات مختلفة، ما ساهم في بناء صورة أولية عنه كهدف سهل للاستدراج، خاصة مع محدودية خبرته الرقمية.
وفي سياق المعلومات ورصدها، تبين أن الشاب متزوج ولديه ثلاثة أطفال، وأن إحدى بناته كانت الأقرب إليه، وهو ما استُخدم لاحقًا في عملية استدراج عاطفي عبر نشر محتوى يوحي بتعرض أحد أفراد عائلته لحالة صحية خطيرة، في محاولة للضغط عليه نفسيًا ودفعه للتفاعل.
وتشير المعلومات إلى أن الاستدراج لم يكن عشوائيًا، بل تم عبر سيناريو متكامل استُخدمت فيه حسابات تواصل اجتماعي ومنشورات مضللة، قبل الانتقال إلى المرحلة الأخطر، وهي استدراجه عبر إعلان وظيفة وهمية براتب مغرٍ يتجاوز المليون دينار، مع وعود بالسفر والإقامة وتغطية جميع التكاليف.
وبعد يومين فقط، توجه الشاب إلى بغداد، حيث تم استقباله وإسكانه في فندق بمنطقة السعدون، مع توفير ملابس ومستلزمات شخصية، في خطوة هدفت إلى كسب ثقته بشكل كامل.
وفي اليوم التالي، تم اصطحابه إلى وجبة عشاء ومن ثم طرح فكرة السفر إلى إيران، مع عرض راتب أعلى يصل إلى مليون ونصف دينار، وهو ما شكل نقطة التحول الحاسمة في مسار القضية.
وبعد إقناعه، تم استحصال جواز سفر له بشكل رسمي من دائرة جوازات الأعظمية، قبل أن يغادر إلى طهران، ليبدأ الفصل الأكثر خطورة في هذه القصة.
بداية التحول
"بغداد اليوم" ومن خلال مصادرها تتبعت ما جرى بعد وصول الضحية إلى إيران بأنه انتقال إلى موقع احتجاز مغلق يشبه القبو، يضم رجالًا ونساءً تحت رقابة مشددة، مع وجود حراس وتهديدات مستمرة، وسط بيئة قاسية ومقلقة.
وتشير المعلومات إلى أن المحتجزين كانوا يُنقلون بشكل متكرر إلى مستشفيات لإجراء فحوصات طبية، وأن بعضهم كان يعود، فيما يختفي آخرون دون أثر، في مشهد أثار شكوكًا متزايدة حول وجود عمليات استئصال أعضاء بشرية.
وبحسب الرواية، فإن بعض الحالات التي عادت من تلك العمليات كانت تعاني من أوضاع صحية متدهورة، فيما توفي آخرون بعد أيام، في مؤشرات خطيرة على عمليات سرقة كلى تُنفذ داخل هذه الشبكات، ضمن بيئة احتجاز مغلقة وغير إنسانية.
الشاب نفسه بقي محتجزًا لنحو 15 يومًا، خضع خلالها لسلسلة فحوصات، وكان شاهدًا على نقل أشخاص إلى عمليات لم يعودوا بعدها، ما عزز قناعته بأنه يواجه مصيرًا مجهولًا قد ينتهي باستئصال أحد أعضائه.
دورنا المحوري
وفي تطور لاحق، بدأت "بغداد اليوم" بلعب دور محوري في هذه القضية، إذ لم تكتفِ بنقل الرواية، بل تحولت إلى شريك في تتبع خيوطها، وساهمت في فتح قنوات تواصل، وتوثيق الأحداث، وربط أطراف القصة، ما أسهم في تحريك الملف من مجرد مناشدة إلى قضية قيد المتابعة.
وتشير المعلومات إلى أن والدة الشاب سافرت إلى إيران، بالتوازي مع تنسيق مع شخص إيراني، حيث جرى تنفيذ خطة معقدة تضمنت تمويهًا ميدانيًا داخل طهران، انتهت بوضع الشاب داخل حقيبة سفر كبيرة ونقله سرًا عبر سيارة.
وبعد نحو 21 يومًا من الاختفاء، تمكن من مغادرة موقع الاحتجاز، لينتقل عبر مسارات متعددة داخل إيران، وصولًا إلى المناطق الحدودية، قبل أن يدخل الأراضي العراقية باتجاه الموصل، في رحلة محفوفة بالمخاطر.
وتؤكد الرواية أن ما جرى يعكس حجم التهديد الذي تمثله شبكات الاستدراج الرقمي، التي تستهدف الشباب العاطلين عبر وعود العمل والسفر، لتتحول لاحقًا إلى أدوات للاتجار بالبشر وسرقة الأعضاء.
شبكات الظل
وتسعى "بغداد اليوم" من خلال هذا التحقيق إلى كشف واحدة من أخطر الظواهر التي تنمو في الظل، عبر تفكيك مسار القضية من أول رسالة على الماسنجر حتى لحظة العودة، وتسليط الضوء على الثغرات التي تستغلها هذه الشبكات.
كما يهدف التحقيق إلى تحذير المجتمع من مخاطر الانخداع بالإعلانات الوهمية، والدعوة إلى تشديد الرقابة على شركات التوظيف، وتعزيز الوعي الرقمي، وفتح نقاش واسع حول سبل مواجهة هذه الظاهرة.
وفي هذا السياق، تؤكد "بغداد اليوم" أنها لم تكن مجرد ناقل للأحداث، بل كانت شاهدًا حيًا على تطوراتها، وأحد أوائل من كشف خيوطها، وساهم في تتبعها، ضمن التزامها المهني بكشف الحقائق وتسليط الضوء على القضايا الحساسة.
وفي المحصلة، فإن هذه القصة تمثل نموذجًا صارخًا لما يمكن أن تفعله شبكات الاستدراج الحديثة، التي انتقلت من أساليبها التقليدية إلى أدوات رقمية أكثر خطورة، مستفيدة من هشاشة الواقع الاقتصادي وضعف الوعي الرقمي، لتصنع مسارات مأساوية تبدأ بوعد وتنتهي بكارثة.





