من التفاوض إلى الشارع الإيراني: أين تُحسم المواجهة؟
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
لا تبدو المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة ونظام طهران طريقًا مفتوحًا نحو تسوية قريبة، بقدر ما تعكس حالة اشتباك سياسي وعسكري واقتصادي معقد، تتحرك فيه الأطراف بين الضغط والتفاوض، من دون أن يملك أي منها حتى الآن القدرة على فرض معادلته النهائية. فواشنطن لا تريد إنهاء المواجهة من دون نتيجة يمكن تسويقها كإنجاز واضح، والنظام الإيراني لا يستطيع تقديم تنازل جوهري من دون أن يتحول ذلك إلى علامة ضعف قاتلة في الداخل. المشهد الراهن، لذلك، لا يعكس استقرارًا ولا هدنة صلبة، بل مرحلة يمكن وصفها بـ"الضغط التفاوضي المفتوح". فالمفاوضات مستمرة، لكنها لا تجري في فراغ، بل تحت وقع الحصار البحري، والعقوبات الاقتصادية، والضربات العسكرية، وتراجع موقع النظام إقليميًا وداخليًا. وقد قدّم النظام رده الأخير على المقترح الأميركي، غير أن الرئيس دونالد ترامب أعلن عدم رضاه عن هذا الرد، مشيرًا إلى أن الحرب لم تتوقف بعد، وأنها قد تستمر أسبوعين آخرين. في المقابل، تشير المعطيات إلى أن واشنطن تركّز بصورة متزايدة على تشديد الضغط الاقتصادي والبحري. فقد أعلنت القيادة المركزية الأميركية "سنتكوم" أن القوات الأميركية، منذ بدء تنفيذ أمر ترامب بفرض حصار بحري على النظام، أجبرت 61 سفينة على تغيير مسارها أو العودة إلى الموانئ الإيرانية. كما قال وزير الطاقة الأميركي كريس رايت إن الضغط الاقتصادي الأميركي على النظام الإيراني يتصاعد بشكل ملحوظ، وإن واشنطن تستخدم أدوات مالية واقتصادية متعددة لإجباره على العودة إلى طاولة المفاوضات، بما في ذلك استهداف أصول قيادات في الحرس الثوري خارج البلاد ضمن عملية "الغضب الاقتصادي". تكمن أهمية هذا الملف في أنه لا يتعلق بمفاوضات تقنية أو خلاف محدود حول شروط سياسية، بل بصراع أعمق بين نظام مأزوم لا يستطيع التراجع، وقوة دولية لا تستطيع إنهاء المواجهة من دون إعلان انتصار. فالنظام الإيراني، بحكم طبيعته القائمة على الأزمة والتوسع والقمع، لا يملك قابلية حقيقية للسلام أو التراجع الاستراتيجي. وأي قبول بشروط أميركية قد يُفهم داخل بنية النظام كاستسلام أو بداية تفكك، خصوصًا في ظل الضربة الاستراتيجية التي أصابت مركز القرار داخل هرم السلطة. أما الولايات المتحدة، فهي بدورها محكومة بعوامل زمنية وسياسية ضاغطة، من بينها أسعار النفط، وانعكاسات الحرب على المجتمع الأميركي، والانتخابات النصفية، والانقسامات داخل التيار الداعم لترامب بشأن استمرار المواجهة. ولهذا تبدو واشنطن في سباق مع الوقت، كما يبدو النظام في سباق مع الانهيار الداخلي. المعضلة الأساسية أن الطرفين يحتاجان إلى انتصار أو إلى ما يشبه الانتصار. الولايات المتحدة تريد إثبات أن الضغط العسكري والاقتصادي نجح في كسر إرادة النظام، بينما يريد النظام النجاة من دون أن يظهر مهزومًا أمام جمهوره الداخلي وأجنحته المتصارعة. وهذا ما يجعل أي اتفاق محتمل هشًا، وأي فشل في التفاوض قابلاً للتحول إلى تصعيد جديد. لكن القراءة التي تقتصر على واشنطن وطهران تبقى ناقصة. فالحلقة الحاسمة في هذه المعادلة هي الداخل الإيراني. النظام لا يخشى فقط القصف أو العقوبات أو الحصار البحري، بل يخشى قبل كل شيء انفجار الشارع، وعودة الاحتجاجات المنظمة، ودور وحدات المقاومة في تحويل الغضب الاجتماعي إلى فعل سياسي قادر على تغيير ميزان القوى. في هذا السياق، تكتسب تصريحات بعض المسؤولين الأميركيين، مثل ليندسي غراهام بشأن دعم الشعب الإيراني في مواجهة النظام، دلالة سياسية مهمة. وحتى لو بقيت في إطار التصريحات، فهي تعكس إدراكًا متزايدًا بأن الحلول التقليدية، من الاسترضاء إلى الضغط المحدود، لم تعد كافية، وأن العامل الداخلي الإيراني بات في مركز المعادلة. إن المفاوضات الحالية لا تعني اقتراب الحل، بل تكشف مأزق الطرفين. واشنطن تضغط لتنتزع نتيجة، والنظام يناور كي لا يدفع ثمن التراجع، لكن المتغير الحقيقي الذي يمكن أن يحسم المشهد لا يكمن في غرف التفاوض وحدها، بل في الشارع الإيراني. فمن هناك قد تنكسر ثنائية الحرب والاسترضاء، ويفتح الشعب الإيراني، بمقاومته المنظمة، مسارًا ثالثًا نحو تغيير حقيقي.




