من الوعد إلى المنجز.. أخنوش يعيد تعريف الخطاب الحكومي
حصيلة أخنوش الحكومية لم تكن مجرد عرض رقمي لولاية حكومية تشرف على نهايتها، بل كانت عنوان مرحلة سياسية كاملة، قوامُها الانتقال الحاسم من منطق الوعود إلى منطق الإنجاز، ومن سلطة الخطاب إلى قوة الأثر الملموس.
ففي لحظة تتقاطع فيها الإكراهات الداخلية مع التحولات الدولية المتسارعة، جاء عرض عزيز أخنوش لحصيلة عمل حكومته، أمام البرلمان بمجلسيه، يوم الأربعاء الماضي، ليعيد ترتيب أولويات النقاش العمومي، وينقل مركز ثقله من “ماذا نقول؟” إلى ” ماذا أنجزنا؟”.
أخنوش في عرضه بدا واضحا أنه لا يسعى إلى كسب تعاطف ظرفي أو تسجيل نقاط سياسية سريعة، بل إلى تثبيت تصور جديد للمسؤولية الحكومية. تصور يقوم على أن الشرعية لا تُستمد من صناديق الاقتراع فحسب، بل تُبنى كذلك يوميا عبر الأثر الملموس للسياسات العمومية في حياة المواطنين. لهذا لم يكن غريبا أن يختار رئيس الحكومة لغة الأرقام، ليس باعتبارها زينة خطابية، وإنما بصفتها أداة للمساءلة ووسيلة للإقناع.
قوة هذا النوع من الخطابات السياسية، تكمن في أنه كسر نمطا سياسيا طالما هيمن على الحياة العامة، نمط يقوم على التبرير أو التراشق أو استدعاء الأعذار. في المقابل، قدم أخنوش نموذجا مختلفا: خطاب هادئ، محسوب، لا ينجر إلى الاستفزاز، ولا يستسلم لإغراء الردود السهلة. واختار خطابا واضحا يتعمد الترفع عن النقاشات التي تُفرغ السياسة من معناها، مفضلا أن يترك الأرقام تتحدث، والمنجز يدافع عن نفسه.
هذا الاختيار ليس تفصيلا تقنيا، بل موقف سياسي بامتياز. لأنه يعيد تعريف وظيفة الفاعل الحكومي: من فاعل يبرر قراراته، إلى فاعل يبرهن عليها، ومن سياسي يستهلك الزمن في الجدل، إلى مسؤول يستثمره في الإنجاز. هنا بالضبط تتجلى الرسالة الأعمق للعرض السياسي لرئيس الحكومة.
وعندما تم استعراض الحصيلة، لم تُعرض كجرد تقني لقطاعات متفرقة، بل كخيط ناظم لسياسة عمومية متكاملة.. استثمار عمومي متصاعد، دينامية متجددة للاستثمار الخاص، ورش اجتماعي غير مسبوق، إصلاحات هيكلية في الصحة والتعليم، وتوجه واضح نحو تعزيز السيادة الاقتصادية. هذه ليست عناوين معزولة، بل ملامح رؤية تحاول إعادة تشكيل دور الدولة: دولة تستثمر في المستقبل، حامية اجتماعيا، ومنظمة اقتصاديا.
وفي هذا السياق، لم يكن استحضار الرؤية الملكية مجرد بروتوكول سياسي، بل تأكيدا على أن العمل الحكومي يتحرك داخل أفق استراتيجي واضح، تقوده المؤسسة الملكية، وتمنحه الاستمرارية والتوازن. وهو ما يفسر ذلك الانسجام بين القرارات الظرفية والإصلاحات الهيكلية، بين تدبير اليومي واستشراف المستقبل.
غير أن أهم ما في الخطاب لم يكن حجم الأرقام، بل دلالتها السياسية. فالأرقام هنا لم تُقدَّم كغاية في حد ذاتها، بل كدليل على تحول أعمق: تحول في طريقة التفكير في السياسات العمومية. لم يعد الأمر يتعلق بإطلاق البرامج، بل بقياس أثرها، ولم يعد يكفي الإعلان عن الإصلاح، بل أصبح مطلوبا إثبات نتائجه.
هذا التحول يفرض بدوره إعادة تعريف العلاقة بين الحكومة والمعارضة، إذ إن النقاش لا يبقى مجديا حين يظل حبيس الشعارات، بل يصبح أكثر جدوى حين يُبنى على مقارنة النتائج وتقييم الأثر. ومن هنا يمكن فهم ذلك الحرص الواضح في خطاب أخنوش على وضع مسافة مع المزايدات السياسية، ليس تهربا من النقاش، بل ارتقاء به.
كما لم يغفل العرض البعد الدولي، حيث قدم المغرب كنموذج قادر على الصمود في بيئة عالمية مضطربة. وهي رسالة مزدوجة: للداخل، بأن الاستقرار ليس معطى مجانيا بل نتيجة اختيارات؛ وللخارج، بأن المغرب شريك موثوق قادر على تحويل الأزمات إلى فرص.
أما على المستوى الاجتماعي، فقد كان واضحا أن الدولة الاجتماعية لم تعد مجرد شعار، بل تحولت إلى ورش فعلي يعاد من خلاله توزيع ثمار النمو: تعميم الحماية الاجتماعية، دعم القدرة الشرائية، إصلاح المنظومتين الصحية والتعليمية… وهي جميعا مؤشرات على تحول في فلسفة التدخل العمومي، من منطق التدبير إلى منطق الإنصاف.
ومع ذلك، لم يقع عرض حصيلة عمل الحكومة في فخ الاكتفاء بالإنجاز، بل ترك مساحة للاعتراف الضمني بأن الطريق مازال طويلا. وهذه نقطة قوة إضافية، لأن الخطاب الذي يدعي الكمال يفقد مصداقيته، بينما الخطاب الذي يوازن بين الاعتراف بالمنجز واستحضار التحديات يكتسب قوة إقناعية أكبر.
في النهاية، لا يمكن قراءة كلمة أخنوش فقط كعرض لحصيلة حكومية، بل كبيان سياسي لمرحلة كاملة. مرحلة تحاول أن تعيد الاعتبار للسياسة كفعل منتج، لا كخطاب مستهلك. مرحلة تضع معيارا بسيطا لكنه حاسم: ما الذي تغير فعلا في حياة الناس؟
ذلك هو السؤال الجوهري الذي طرحه عزيز أخنوش ضمنيا في خطابه، وذلك هو التحدي الذي سيحدد، في نهاية المطاف، ليس فقط تقييم تجربة الرجل على رأس الحكومة، بل أيضا ملامح المرحلة السياسية المقبلة.
ظهرت المقالة من الوعد إلى المنجز.. أخنوش يعيد تعريف الخطاب الحكومي أولاً على مدار21.





