من القمح إلى السياسة: كيف تعيد دمشق وكييف رسم علاقة على أنقاض القطيعة؟
لم يكن استئناف العلاقات السورية–الأوكرانية بعد سقوط النظام البائد مجرد إعادة فتح قنوات دبلوماسية، بل بدا أقرب إلى اختبار سياسي مركب تُقاس من خلاله اتجاهات التموضع السوري الجديد، كما تُختبر فيه قدرة أوكرانيا على تحويل التحولات الإقليمية إلى فرص نفوذ، حيث تقف هذه العلاقة في منطقة رمادية، تتداخل فيها الاعتبارات الإنسانية مع الحسابات الجيوسياسية.
ففي عهد النظام البائد، وصلت العلاقات بين دمشق وكييف إلى مستوى القطيعة شبه الكاملة، على خلفية الاصطفاف السوري الواضح إلى جانب موسكو، خاصة بعد الاعتراف بالكيانات الانفصالية في شرق أوكرانيا عام 2022، غير أن سقوط النظام في 8 كانون الأول 2024 فتح نافذة جديدة، سرعان ما التقطتها كييف بإشارات سياسية مبكرة، كان أبرزها إعلان الرئيس الأوكراني في مطلع 2025 استعداد بلاده لاستئناف العلاقات الدبلوماسية، في خطوة حملت دلالات تتجاوز إعادة التواصل نحو محاولة إعادة إدماج سوريا في شبكة علاقات دولية مختلفة.
لكن اللافت في هذا المسار لم يكن سياسياً خالصاً، بل جاء عبر بوابة إنسانية–اقتصادية، تمثلت في شحنات القمح والمساعدات الغذائية التي أرسلتها أوكرانيا إلى سوريا ضمن برامج مثل “الحبوب من أوكرانيا”، هذه المساعدات، وإن بدت في ظاهرها استجابة لحاجة ملحة في بلد يعاني أزمة غذائية حادة، إلا أنها في العمق تعكس استخداماً محسوباً لأدوات النفوذ الناعم، حيث يتحول القمح إلى وسيلة لفتح قنوات سياسية وتثبيت حضور تدريجي.

في هذا السياق، لا يمكن فصل إدراج وزير الزراعة ضمن أول وفد أوكراني زار دمشق نهاية 2024 عن طبيعة الأولويات التي تحكم هذه العلاقة الناشئة، فكيف تدرك أن مدخل الأمن الغذائي أكثر فعالية وأقل حساسية من المسارات السياسية المباشرة، كما أن دمشق في مرحلة إعادة البناء، تجد نفسها أكثر استعداداً للانخراط في علاقات تبدأ من الاقتصاد قبل أن تتبلور سياسياً.
ومع ذلك، يظل السؤال المركزي: هل ما نشهده هو تقارب اقتصادي حقيقي أم إنه مجرد غطاء إنساني لعلاقة سياسية قيد التشكل؟ حتى الآن، تشير المعطيات إلى أن العلاقة لا تزال في إطارها السياسي– الإنساني، حيث تغيب الاتفاقيات الاقتصادية العميقة، وتحضر بدلاً منها مبادرات دعم ومؤشرات انفتاح حذرة، بمعنى آخر، القمح سبق السياسة، لكنه لم يتحول بعد إلى شراكة اقتصادية مكتملة.
في المقابل، تتعامل أوكرانيا مع هذا الملف بوصفه فرصة جيوسياسية بامتياز، إذ تسعى إلى تقليص نفوذ روسيا في إحدى أهم ساحات حضورها التقليدي، ومن هنا، فإن أي تقارب مع دمشق لا يُقرأ في كييف فقط كإنجاز ثنائي، بل كجزء من صراع أوسع على النفوذ، تحاول من خلاله إعادة رسم حدود التأثير الروسي في الشرق الأوسط.
أما دمشق، فتؤكد الانفتاح وتنويع العلاقات من دون الذهاب بعيداً في الالتزامات، هذا التوازن يعكس إدراكاً لحساسية الموقع السوري، الذي لا يزال محكوماً بتشابكات دولية معقدة، تجعل أي انزياح حاد في التحالفات محفوفاً بالمخاطر.
ورغم كل المؤشرات الإيجابية، تبقى حدود هذه العلاقة محدودة حتى الآن، في ظل غياب اتفاقات استراتيجية واضحة، وضعف البنية الدبلوماسية القائمة، وارتباط الملف برمته بتوازنات دولية كبرى.


