من الحظر إلى الصدارة: كيف صار الأردن الرابع عالميًا في تبنّي العملات المشفّرة؟
عام 2014، وبينما كانت العملات الرقمية أمرًا غامضًا بالنسبة لكثيرين في الأردن والعالم، أصدر البنك المركزي الأردني تعميمًا بحظر تعامل البنوك والمؤسسات المالية وشركات الدفع بالعملات المشفرة، ليكون بذلك ثاني بنك مركزي يصدر حظرًا من هذا النوع بعد بنك الشعب الصيني. غير أن هذا الحظر المبكر لم يكن مؤشرًا على غياب العملات المشفرة عن المجتمع الأردني، بل على العكس أشار إلى دخول مبكر نسبيًا للأردنيين إلى عالم استخدامها مقارنة بدول المنطقة. يتذكر طلال الطبّاع، مؤسس منصة «كوين مينا» لتداول العملات المشفرة، أن تبادل العملات في تلك الفترة كان محدودًا جدًا ويحدث عن طريق الشراء والبيع المباشر بين الأفراد (P2P) على منصات إلكترونية مهمتها الأساسية التشبيك بين البائعين والمشترين.
بالتوازي مع هذا النشاط الفردي المحدود، كان البيتكوين يشهد حراكًا لافتًا لدى المطورين والعاملين في مجالات التكنولوجيا والمالية وريادة الأعمال، حيث عُقدت مؤتمرات ولقاءات ناقشت فكرة البيتكوين وتكنولوجيا «البلوكتشين» عمومًا. ومع اتساع صدى هذه التكنولوجيا الجديدة محليًا وعالميًا، بدأ عدد من رواد الأعمال الأردنيين عام 2015 بتأسيس شركة «BitOasis»، أول منصة عربية لتداول العملات الرقمية، إلا أنها اتخذت من دولة الإمارات مقرًا لها مستفيدة من بيئة تشريعية أكثر مرونة، بعكس الأردن الذي حظر على المؤسسات المالية والمصرفية التعامل بالعملات المشفرة، لكنه بالمقابل لم يحظر حيازتها أو تداولها من قبل الأفراد.
ضمن هذه المساحة الرمادية، نما سوق العملات المشفرة محليًا بين الأفراد، حتى تضاعف عدد المستخدمين من 129 ألفًا عام 2021 إلى نحو 200 ألف في العام الماضي، بحجم استثمار تجاوز 900 مليون دينار في عام 2023، مع توقعات بارتفاع هذه الأرقام في ظل الاتجاه العالمي الصاعد لتبني العملات المشفرة والاستثمار فيها. هكذا، وبعد نحو عشر سنوات على تعميم البنك المركزي، صار الأردن واحدًا من أكثر دول العالم تبنيًا للعملات المشفرة، إذ حلّ في المرتبة الرابعة عالميًا على مؤشر تبنّي العملات المشفرة نسبة إلى عدد السكان، بحسب تقرير مؤسسة «Chainalysis» المتخصصة في تحليل بيانات العملات المشفرة، فيما حلّ في المرتبة الثلاثين عالميًا على المؤشر العام لتبني هذه العملات.[1] فكيف وصل الأردن إلى هذا الموقع المتقدم؟ وما الأسباب وراء ذلك؟
يشير مفهوم «تبني العملات المشفرة» إلى دمجها المتزايد، إلى جانب العملات المستقرة مثل USDT، في الأنشطة المالية والرقمية اليومية لدى الأفراد والمؤسسات سواءً لأغراض الاستثمار أو الدفع أو الوصول إلى التطبيقات اللامركزية التي توفرها تكنولوجيا العملات المشفرة. لم يكن هذا التبني الأردني منفصلًا عن اتجاه عالمي آخذ في التوسع، حيث باتت العملات المشفرة جزءًا من النظام المالي العالمي، ويعكس ذلك تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في آذار من العام الماضي حين قال إنه «من الآن فصاعدًا ستتبع الولايات المتحدة القاعدة التي يعرفها كل مالك للبيتكوين: لا تبعْ البيتكوين الخاص بك أبدًا».
يُذكر أن عدد مستخدمي العملات المشفرة عالميًا كان يتضاعف كل عامٍ عن سابقه بين 2018 و2023، وقد ارتفع خلال العام 2023 وحده بنسبة 34% ليصل إلى 580 مليون مستخدم، فيما تجاوز حجم السوق ثلاثة تريليونات دولار. وقد ساهم في هذا النمو التوسع في التنظيم القانوني وفتح المجال أمام الشركات والصناديق الاستثمارية الكبرى للاستثمار في العملات الرقمية، مثلما حصل في الولايات المتحدة التي أتاحت لصناديق المؤشرات المتداولة في البورصة (ETFs) التداول والاستثمار في البيتكوين والإيثيريوم، إلى جانب تمهيد الطريق لعملات رقمية أخرى لتدخل محافظ شركات إدارة الأصول والثروات.[2]
عمومًا، تختلف دوافع تبني العملات المشفرة من دولة إلى أخرى، فبينما تقوده دوافع استثمارية وتقنية في الاقتصادات المتقدمة، كما هو الحال في الولايات المتحدة وسنغافورة والإمارات مثلًا، فإنه يرتبط في دول أخرى بالأزمات الاقتصادية والسياسية والحروب، ومن أمثلة ذلك استخدام العملات الرقمية للتعامل مع تقلبات أسعار الصرف في تركيا، والتحوط من نسب التضخم المرتفعة في فنزويلا، وبديلًا للنظام المصرفي والمالي في لبنان، ووسيلةً للتهرب من العقوبات والقيود المفروضة على حركة العملات الصعبة في إيران وسوريا، وطريقة لنقل الأموال في قطاع غزة بعدما توقفت الخدمات المصرفية فيه.
غير أن موقع الأردن في هذا التصنيف يبدو لافتًا لأنه لا يندرج ضمن هذين النموذجين، فهو ليس متقدمًا اقتصاديًا أو تقنيًا، وفي الوقت ذاته لا يعاني من انهيار مالي، بل يعمل نظامه المصرفي بكفاءة في ظل استقرار أسعار الصرف والتغير في نسب التضخم، فضلًا عن سهولة حركة الأموال. ومن هنا، يفرض موقع الأردن المتقدم عالميًا في تبنّي العملات المشفرة التساؤل عن الأسباب التي تقف وراء هذه المرتبة.
يتمثل أحد أبرز هذه الأسباب في البنية الرقمية التحتية وانتشار الإنترنت، فقد ساهم الاستخدام المبكر للإنترنت في احتكاك الأردنيين سريعًا بمنتجاته المختلفة بما فيها العملات المشفرة، حيث يعدّ الأردن من أوائل الدول العربية التي استخدمت الإنترنت تجاريًا، وقد ارتفعت نسبة انتشاره بين السكان من 3% عام 2000 إلى 93% في عام 2023.
يعزو جودت الشماس، خبير التسويق الإلكتروني والبلوكتشين، التصنيف المتقدم للأردن إلى البنية الرقمية المحلية المتطورة وانتشار ثقافة الإنترنت، إضافة إلى وجود قاعدة واسعة من العاملين والرياديين في قطاع التكنولوجيا ممن واكبوا بدايات الإنترنت ومشاريعه، وهو ما ساهم في نضوج سوق تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في الأردن بشكل مبكر: «الأردن مهتم بالتكنولوجيا من زمان وكثير شركات بلشت عنا [مثل] مكتوب وسوق»، يقول الشماس. مضيفًا أن هذه الفئة من المهتمين بالتكنولوجيا كانت من أوائل المتعاملين بالعملات الرقمية بدافع الفضول والاستكشاف أكثر من الاستثمار: «بالـ2017 اشتريت بيتكوين مش عشان أتاجر (..) بس مخي البسيط التكنيكل بده يجرب كيف بتشتغل».
اقرأ/ي أيضا:
تدعم وجهة نظر الشماس دراسة أعدها دميثان المجالي، الأستاذ المشارك في نظم المعلومات الإدارية بجامعة العلوم التطبيقية، خلصت إلى أن التعقيد التقني والقدرة على الوصول إلى التكنولوجيا لا يشكلان عائقًا أمام تبني الأردنيين للعملات المشفرة، فيما تلعب الثقة في العملة وشبكتها وأمان التكنولوجيا الخاصة بها دورًا أكثر أهمية في اتخاذ قرار التعامل بالعملات المشفرة. من جهة أخرى، أظهر استبيان أجراه البنك المركزي الأردني عام 2023 أن 84% من الأردنيين سمعوا عن العملات الرقمية، وأن 9% يمتلكون أصولًا افتراضية، فيما يخطط 3% للاستثمار فيها.
يضيف الطباع عاملًا آخر يتمثل في قوة البنية التحتية للتكنولوجيا المالية تحديدًا، وهو ما يتجلى في انتشار الخدمات المصرفية الرقمية وأنظمة الدفع الإلكتروني والقبول الشعبي الواسع للمحافظ والأموال الرقمية. وبحسب التقرير السنوي لنظام المدفوعات الوطنية لعام 2024، بلغت نسبة المدفوعات الرقمية 84% مقابل 16% فقط للمدفوعات النقدية، وهو ما يعكس قابليةً مجتمعية أكبر لتقبل حلول الدفع الرقمية بما فيها العملات المشفرة.
إلى جانب هذه العوامل التقنية، لعبت الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية دورًا لا يقل أهمية في دفع شريحة من الأردنيين نحو العملات المشفرة، والتي تعد واحدة من أكثر القطاعات صنعًا لأصحاب الملايين في ظاهرة تُعرف بـ«مليونير البيتكوين» حيث وصل عددهم مطلع عام 2025 إلى نحو 240 ألف مليونير. ويبدو أن انتشار «قصص نجاح» هؤلاء المليونيرات على وسائل التواصل الاجتماعي دفع بعض الشباب الأردنيين للإقبال على العملات المشفرة باعتبارها فرصة يمكن عبرها تحقيق دخل سريع. يقول المجالي إن هذا السوق ساهم في جذب الشباب الباحث عن مصادر دخل بديلة في ظل ارتفاع نسبة البطالة، خصوصًا بعد جائحة كورونا وما تسببت به من تراجع في الوضع الاقتصادي عمومًا، في حين كان نجم البيتكوين يصعد إعلاميًا محققًا قممًا تاريخية عام 2021، ما عزز الثقة بهذه الأصول محليًا وعالميًا.
من جهته، يرى خبير العملات الرقمية راشد الخزاعي، أن فئة الباحثين عن الربح السريع تشكل الشريحة الأكبر عددًا من المستخدمين، لكنها غالبًا قصيرة العمر في السوق لاعتمادها على المضاربة لا الاستثمار طويل الأمد. فيما يرى المجالي أن الحماسة والإثارة المرتبطة بالتكنولوجيا الجديدة تلعب دورًا أساسيًا في جذب هذه الشريحة.
لكن تبنّي العملات المشفرة في الأردن لا يقتصر على الأفراد، بل يرتبط أيضًا بنشاط مؤسسي غير رسمي، إذ تعدّ سهولة نقل العملات المشفرة وانخفاض رسوم التحويل وعدم قابليتها للتتبع عوامل جاذبة لاستخدامها، علمًا بأن الأردن يحتل موقعًا متقدمًا مقارنة بدول المنطقة من حيث قيمة الحركات المالية بالعملات المشفرة. ويعزو الخزاعي ذلك إلى أن جزءًا من حجم الحركات المالية هذه يعود إلى دول أخرى مثل سوريا ولبنان والعراق وفلسطين، حيث يعتمد تجارها ومواطنوها على شبكات صرافة غير رسمية في الأردن لتسييل العملات المستقرة (مثل USDT) وتسوية تحويلاتهم ومعاملاتهم التجارية، مدفوعين بالظروف السياسية والاقتصادية التي تعاني منها بلادهم.
يدعم هذا التفسير تصنيف الأردن في المرتبة 45 على مؤشر النشاط المؤسسي في تقرير «Chainalysis» نفسه، وهو المؤشر الذي يقيس الحركات المالية التي تتجاوز قيمتها مليون دولار، وذلك رغم منع المؤسسات المالية من التعامل بالعملات المشفرة، ما يشير بحسب الخزاعي إلى وجود حركات مالية كبيرة تمرّ عبر الأردن وتقودها شبكات صرافة غير رسمية تعتمد العملات المشفرة والمستقرة لتسوية حساباتها: «صرّافين بين بعض، كل صرّاف كبير بالأردن بيكون فاتح خط مع صراف بتركيا مثلًا، كل ما يوصل الرصيد بينهم لمليون دينار بحوله».
ختامًا، وبعد أكثر من عقدٍ على المنع، دخل قانون تنظيم العملات الرقمية والأصول الافتراضية حيز التنفيذ في أيلول الفائت، وبررت الحكومة القانون برغبتها في تعزيز النمو والابتكار وجذب استثمارات التكنولوجيا المالية وخلق فرص العمل. وقد جاء القانون لينظم الأنشطة المؤسسية المرتبطة بتقديم خدمات الأصول الافتراضية للغير، دون التطرق لاستخدامات الأفراد الشخصية من حيث الحيازة أو البيع والشراء.
يعتبر الطباع أن القانون خطوة في الاتجاه الصحيح لتحويل الأردن إلى مركز عملات رقمية للدول المجاورة، إذ سيوفر منصات تداول آمنة وموثوقة تخضع للرقابة وتحفظ حقوق المستثمرين، ما من شأنه توسيع قاعدة المستخدمين وتعزيز الثقة بالسوق، متوقعًا تطور التشريعات والتعليمات المرتبطة بالقانون مع تطور التجربة: «من اللي شفته بالخليج، كتير من الاستعمالات بتطلع بعد التشريع»، باعتبار أن تطبيقات تكنولوجيا العملات المشفرة تتجاوز مجرد كونها أصلًا استثماريًا متقلب القيمة، إذ تشمل اليوم مجالات أوسع مثل تطوير الخدمات المالية والألعاب وشبكات التواصل الاجتماعية اللامركزية وأنظمة التصويت وحفظ البيانات الحكومية وتسجيل ونقل الملكية. وهذه تتطلب موارد بشرية مؤهلة وبنية تحتية رقمية يمتلك الأردن اليوم جزءًا كبيرًا منها.
-
الهوامش
[1] يستند التقرير في منهجيته إلى تحليل الحركات على شبكات البلوكتشين وأنماط حركة الزوّار على الإنترنت خلال الفترة بين تموز 2024 وحزيران 2025، بما يتيح تقدير حجم التعاملات في 151 دولة. يعتمد التقرير على أربعة مؤشرات فرعية تغطي التعاملات على المنصّات المركزية، والحركات الاستهلاكية الصغيرة، وأنشطة التمويل اللامركزي (DeFi)، إضافة إلى مؤشر مخصّص للتحويلات المؤسسية الكبرى، حيث تُوزن نتائج الدول وفق عدد السكان ونصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي (معدّلًا بالقوة الشرائية)، بهدف إبراز مستويات التبنّي الشعبي لا مجرد حجم الكتلة الرأسمالية.
[2] مثل شركات «بلاك روك» و«جراي سكيل».





