من "الغميضة" إلى "الإيباد".. الشاشات تعيد رسم ملامح الطفولة في العراق
بغداد / تبارك عبد المجيد
تتبدل ملامح الطفولة في العراق بين جيل نشأ على ألعاب الأزقة الشعبية وآخر تحكمه الشاشات والأجهزة الذكية منذ سنواته الأولى. ومع تسارع التحول الرقمي، تتشكل أنماط جديدة من العزلة والمنافسة الافتراضية على حساب العلاقات الاجتماعية المباشرة، في ظاهرة باتت تثير قلق الأهالي والمختصين على حد سواء. هذا التحول لا يقتصر على شكل اللعب، بل يمتد إلى طريقة تكوين الصداقات وبناء المهارات الاجتماعية، وسط تساؤلات متزايدة حول مستقبل الطفولة وتوازنها النفسي والاجتماعي.
تقول الأم نادية، وهي أم لخمسة أطفال، إن الفارق بين طفولة جيلها وطفولة أبنائها اليوم بات واضحاً، ليس في طبيعة الألعاب وحسب، بل في أسلوب التفاعل الاجتماعي بين الأطفال أنفسهم. وتوضح لـ"المدى" أن أبناءها الثلاثة الكبار عاشوا طفولة قريبة من طفولتها، إذ كانوا يمارسون الألعاب الشعبية كالغميضة والسبع حجارات والدعابل والأحاجي، فيما كانت الأحياء تعجّ بحركة الأطفال والتجمعات اليومية التي تبني علاقات متينة بين الجيران والأصدقاء.
في المقابل، تشير إلى أن طفليها الأصغر يعيشان واقعاً مختلفاً؛ إذ أضعفت الأجهزة الإلكترونية صلتهما بأطفال الجوار، "وخلقت نوعاً من العزلة والتباعد الاجتماعي داخل الحي الواحد". وتلفت نادية إلى أن "الأطفال اليوم باتوا يقارنون أنفسهم ببعضهم حتى في نوع الأجهزة التي يمتلكونها، وأصبح امتلاك الآيباد أو الهاتف الذكي شرطاً شبه أساسي للاندماج في اللعب أو المنافسة بين الأقران"، مؤكدةً أن ذلك حوّل الطفولة من تفاعل واقعي إلى منافسة رقمية، وزاد من قلقها على قدرة أطفالها الصغار في بناء علاقات اجتماعية طبيعية بعيداً عن العالم الافتراضي.
وتؤكد الدكتورة بتول عيسى، المختصة في الطب النفسي، أن الطفولة اليوم تقف عند مفترق حساس بين متطلبات التطور التكنولوجي ومخاطر الانزلاق نحو اضطرابات سلوكية ونفسية متزايدة. وترى أن "الطفل ليس مجرد كائن في طور النمو، بل هو أمانة تقع مسؤوليتها على ذويه ومعلميه، وحتى على الفضاء الرقمي الذي بات يقتحم عالمه دون استئذان". وتوضح لـ"المدى" أنها لا ترفض التكنولوجيا بحد ذاتها، بل تضعها في إطارها الطبيعي أداةً للعصر الحديث، مؤكدةً أن الجهل بها بات ضرباً من التهميش، غير أنها تشترط أن تبقى وسيلة للتعلم والتطور لا أداة للاستهلاك والإدمان.
وتحدد الدكتورة عيسى ساعتين يومياً حداً فاصلاً في استخدام الطفل للشاشات، معتبرةً أن تجاوزهما يحوّل الأداة المعرفية إلى عامل يُضعف التركيز ويُقلص التفاعل الاجتماعي الحقيقي. كما تتوقف عند الأثر النفسي لما تصفه بـ"المثالية الزائفة" التي تروجها منصات التواصل الاجتماعي، إذ يقع الأطفال والمراهقون في فخ المقارنة بين واقعهم اليومي وصور الحياة المُثالية التي ينشرها المؤثرون، وهو نمط لا يكتفي بإضعاف الثقة بالنفس، بل يمتد ليؤثر على صورة الجسد، خصوصاً لدى الفتيات، ويخلق سخطاً داخلياً وسعياً مستمراً نحو نموذج غير واقعي. وتحذر من ظاهرة الاعتماد المفرط على الهاتف المحمول، مشيرةً إلى أن سحبه من الطفل قد يثير ردود فعل حادة تشبه أعراض الانسحاب من حيث التوتر والانفعال، وهو ما تصفه بـ"إدمان الدوبامين الرقمي". وتحذر من تشكّل جيل افتراضي قد يفقد تدريجياً مهاراته الاجتماعية الأساسية كقراءة تعابير الوجه وفهم لغة العيون، داعيةً إلى استعادة دور الأسرة عبر تعزيز التواصل العائلي، وتقليص الاعتماد على الشاشات، وإحياء الأنشطة الواقعية والحوار المباشر.
من جانبه، يرى المختص التقني حسين السعيدي أن الخوارزميات الرقمية لم تعد تقتصر على تنظيم المحتوى، بل باتت تُسهم بصورة غير مباشرة في تشكيل وعي الأطفال وتوجيه أنماط تفكيرهم دون إدراك منهم أو من محيطهم. ويقول لـ"المدى" إن الطفل يتأثر بسرعة بالمحتوى الذي يتعرض له، وحين تُغذّيه الخوارزميات بنوع محدد منه استناداً إلى تفاعلاته السابقة، يدخل في "دائرة مغلقة من التكرار" قد تُحدّ من تنوع تجربته الفكرية وتُفضي إلى تصورات غير متوازنة عن الواقع.
ويؤكد السعيدي أن الإشكالية لا تكمن في التكنولوجيا بحد ذاتها، بل في آلية استخدامها وغياب الضوابط والرقابة الفاعلة، مشيراً إلى أن الأطفال ينشؤون اليوم داخل بيئة رقمية موجَّهة بدقة يُختار فيها المحتوى وفق خوارزميات تؤثر مباشرة في سلوكهم وتصوراتهم دون أن يعوا ذلك. ويدعو إلى مستوى أعلى من الوعي الأسري إلى جانب دور أكثر فاعلية للمؤسسات التربوية والإعلامية، محذراً من أن استمرار هذا النمط دون متابعة قد ينعكس على المدى البعيد في تشكيل شخصية الطفل على مستوى التفكير والسلوك وأساليب التواصل الاجتماعي.
The post من "الغميضة" إلى "الإيباد".. الشاشات تعيد رسم ملامح الطفولة في العراق appeared first on جريدة المدى.





