ملامح الأزمة المالية القادمة .. ديون خفية وتوازنات هشة تهدد النظام العالمي
تعود ملامح الأزمة المالية العالمية القادمة إلى الواجهة من جديد، لا بوصفها احتمالاً نظرياً أو إنذاراً مبالغاً فيه، بل باعتبارها مساراً أخذت ملامحه تتشكل تدريجياً داخل النظام المالي العالمي، في نقطة تبدو فيها أسواق الائتمان مرشحة لأن تكون مركز الاضطراب المقبل، لا أسواق الأسهم ولا فقاعات المضاربة التكنولوجية وحدها. هذا هو المنحى العام الذي يقدمه الاقتصادي الفرنسي فريديريك لوردون في قراءة مطولة نُشرت منتصف مارس الجاري، حيث يرى أن العالم يتجه إلى أحداث قد تكون في حجم أزمة الرهون العقارية عالية المخاطر التي انفجرت في 2008.
الفكرة الأساسية في هذا التحليل المنشور في “لوموند ديبلوماتيك” أن الأزمات المالية الأكثر تدميراً لا تأتي، في العادة، من انهيارات البورصات بحد ذاتها، بل من الائتمان، أي من الديون، وبصورة أدق من ديون القطاع الخاص. فحين تتعرض أسواق الأسهم لهزات عنيفة، كما حدث في أكتوبر 1987 أو خلال فقاعة الإنترنت في مطلع الألفية، فإن الخسائر قد تكون كبيرة، لكن آثارها على البنية العميقة للنظام المالي تبقى غالباً أقل فتكاً من تلك التي تنتج عن تعثرات الديون وانقطاع قنوات التمويل. لذلك يذهب لوردون إلى أن الأنظار التي ظلت مشدودة إلى فقاعة الذكاء الاصطناعي كانت، في رأيه، تنظر في الاتجاه الخطأ، لأن مصدر الخطر الأكثر جدية يوجد في مكان آخر.
هذا المكان الآخر هو سوق “الائتمان الخاص” أو “Private Credit”، وهو القطاع الذي تمدد بسرعة خلال السنوات الأخيرة بوصفه بديلاً عن الائتمان البنكي التقليدي. ويقوم هذا النموذج على منح قروض مباشرة لشركات لا تجد تمويلاً كافياً من البنوك، ولا يسمح حجمها بدخول أسواق السندات الكبرى، فتتلقى التمويل من صناديق استثمار متخصصة، في علاقة مباشرة نسبياً بين المقرض والمقترض، وإن كانت مؤسسات مالية ضخمة مثل “بلاك روك” و”بلاكستون” و”مورغان ستانلي” حاضرة بقوة في تنظيم هذا النشاط وتغذيته وجمع الأموال له.
جاذبية هذا القطاع كانت واضحة، فهو يوفر عوائد مرتفعة تصل في المتوسط إلى نحو 10 في المئة، في زمن شهد أسعار فائدة منخفضة لفترة طويلة وضغطاً متواصلاً على المستثمرين للبحث عن مردودية أعلى. ومنطق السوق هنا بسيط ومكرر، كلما ضاقت هوامش الربح في الأدوات التقليدية، اندفعت الأموال نحو أدوات أكثر خطراً، ثم جرى تسويق هذه الأدوات كما لو أنها تجمع بين أفضل ميزتين في آن واحد، العائد المرتفع والأمان. غير أن هذا الوعد، كما يشير لوردون، كان دائماً أحد الأوهام المؤسسة لكل الفقاعات المالية الكبرى.
المشكلة الجوهرية في هذا النموذج تكمن في طبيعة الأصول نفسها. فالقروض التي تشكل محافظ هذه الصناديق ليست قابلة للتداول بسهولة، وليست مضمونة السيولة، لأنها ليست أدوات مالية تباع وتشترى في الأسواق بشكل يومي، بل تبقى على دفاتر الصناديق إلى حين استحقاقها، الذي يمتد عادة بين ثلاث وسبع سنوات. هنا يظهر ما يسميه الخبراء اختلال التوازن بين سيولة المستثمرين وعدم سيولة الأصول، إذ يضع المستثمر أمواله في صندوق يتعامل مع قروض جامدة نسبياً، ثم يكتشف عند أول توتر أنه لا يستطيع سحب أمواله إلا في حدود ضيقة، غالباً لا تتجاوز 5 في المئة من قيمة استثماره كل فصل.
حين تكون الأسواق هادئة، تبدو هذه الشروط مقبولة. لكن المشكلة، كما يلفت لوردون، أن الصناعة المالية تبني ابتكاراتها دائماً على افتراض استمرار “الأوقات العادية”، في حين أن الأزمات تبدأ تحديداً حين تكف الأوضاع عن أن تكون عادية. وهذا ما بدأ يظهر، وفق تحليله، في الارتفاع المتواصل لمعدلات التعثر في الأصول التي تقف وراء صناديق الائتمان الخاص، حيث ارتفعت نسب التخلف عن السداد من نحو 1 في المئة في مطلع 2024 إلى 4 في المئة في نهاية 2025، قبل أن تعيد مؤسسات أخرى تقديرها عند مستوى أعلى يصل إلى 5.8 في المئة.
الارتفاع لم يكن، في ظاهره، متناسباً مع دورة اقتصادية واضحة أو مع ركود صريح، وهذا ما يزيد القلق، لأن السوق كانت تتلقى الإشارات السلبية قبل أن تتأكد الصورة الكاملة. وقد بدأت حالات إفلاس متناثرة في شركات لا تبدو عملاقة، مثل شركات لتأجير السيارات أو لصناعة قطع الغيار، لكن أهمية هذه التعثرات، في رأي لوردون، لا ترتبط بحجمها المباشر بقدر ما ترتبط بالأثر النفسي الذي تتركه، فهي تعيد إلى أذهان المستثمرين حقيقة أن الخطر ليس نظرياً وأن سلسلة أوسع من الإخفاقات قد تكون في الطريق.
العامل الجديد والأكثر حساسية في هذه المرحلة هو الذكاء الاصطناعي، لا بوصفه فقاعة أسهم فقط، بل بوصفه قوة اقتصادية قادرة على نسف نماذج أعمال كاملة، وعلى رأسها قطاع البرمجيات. فبحسب هذا التصور، فإن الوعي بتأثيرات الذكاء الاصطناعي على الوظائف والقطاعات القابلة للأتمتة جاء متأخراً، لكنه الآن يتقدم بسرعة وبقسوة، ومعه صار قطاع البرمجيات، الذي يستحوذ على ما بين 20 و30 في المئة من استثمارات صناديق الائتمان الخاص، معرضاً لهزة قد تكون واسعة.
بعض التقديرات التي يستند إليها المقال تذهب إلى أن 35 في المئة من أصول هذه الصناديق أصبحت مهددة بسبب الذكاء الاصطناعي، وأن معدلات التعثر قد تصل إلى 15 في المئة، وهي نسبة كفيلة بإحداث صدمة عنيفة في سوق قام أساساً على مزيج من الثقة المرتفعة والسيولة المحدودة. وبدأت الإشارات المبكرة فعلاً تظهر من خلال موجات طلب سحب كبيرة واجهتها صناديق بارزة، إذ تلقت مؤسسات كبرى طلبات استرداد تجاوزت السقف التعاقدي، ما دفعها إلى الاكتفاء بدفع الحد المسموح به، أو إلى التشدد أكثر ورفض أي سحب إضافي.
وهنا يميز لوردون بين “الهرع إلى البنوك” و”الهرع إلى الصناديق”. فالمشهد الحالي ليس، حتى الآن، هروباً تقليدياً من البنوك، بل تدافعاً للخروج من صناديق الائتمان الخاص، لكن السؤال الذي يطرحه هو ما إذا كانت الجدران الفاصلة بين هذه الصناديق وبقية النظام المالي صلبة فعلاً، أم أن العدوى ستعبرها سريعاً. في رأيه، الاحتمال الثاني هو الأقرب، لأن البنوك نفسها لم تبق خارج اللعبة، بل موّلت هذه الصناديق ووفرت لها الرافعة المالية اللازمة لتضخيم العوائد.
صحيح أن مستويات الرفع المالي اليوم قد تكون أقل مما كانت عليه في مرحلة الرهون العقارية عالية المخاطر، لكنها تعمل على أحجام أكبر بكثير. وإذا كانت أزمة “الساب برايم” قد تشكلت حول أصول بنحو 700 إلى 800 مليار دولار، فإن سوق الائتمان الخاص بات يدور بين 1.5 و2 تريليون دولار، يضاف إليها نحو 1.8 تريليون دولار من القروض البنكية الممنوحة للمؤسسات المالية غير المصرفية، أي ما يندرج ضمن ما يسمى بالنظام المصرفي الموازي. وهنا تصبح الصورة أوضح، فالمشكلة لا تخص صناديق صغيرة معزولة، بل شبكة تمويل مترابطة تتداخل فيها الصناديق والبنوك ومؤسسات الاستثمار الكبرى.
إذا بدأت هذه الشبكة في فقدان الثقة، فإن السيناريو المعتاد يعود سريعاً، تتوقف البنوك عن الإقراض أو تشدد شروطه، تتعثر الصناديق في تجديد تمويلها القصير الأجل، ترتفع طلبات السحب، وتبدأ الحاجة إلى تصفية أصول أو الاعتراف بخسائر يصعب حتى تقديرها بدقة، لأن هذه الأصول نفسها غير متداولة ولا توجد لها أسعار سوقية يومية واضحة. وفي بيئة من الغموض وعدم الشفافية، يصبح كل طرف مرتاباً في وضع الطرف الآخر، وهو ما يغذي أزمة سيولة عامة.
هذا هو المعنى الذي يعطيه لوردون لما يسميه “الاختناق الكبير”، أي اللحظة التي لا يعود فيها أحد مستعداً لإقراض أحد، لأن الجميع يخشى أن يكون الطرف المقابل عاجزاً عن السداد أو على حافة التعثر. وعندما يصل النظام إلى هذه النقطة، تصبح الأسواق نفسها مشلولة، ويتحول البنك المركزي إلى المقرض الوحيد القادر على ضخ السيولة حين يهرب الجميع من المخاطرة. ويذكّر التحليل بأن الانتقال من الهزات الأولى إلى الانفجار الكبير قد يستغرق وقتاً، كما حدث بين بدايات اضطراب 2007 وسقوط “ليمان براذرز” في سبتمبر 2008، لكن ذلك لا يلغي أن المسار يكون قد بدأ فعلاً.
ولا يتوقف القلق عند صناديق الائتمان الخاص وحدها. فالمقال يرسم صورة أوسع للديون الخاصة في الاقتصاد الأمريكي، مع ارتفاع معدلات التعثر في قروض السيارات وبطاقات الائتمان والقروض الطلابية، إضافة إلى القروض المضمونة بالعقار التجاري. الأرقام التي يستعرضها تعطي انطباعاً واضحاً بأن المشكلة لم تعد محصورة في ركن واحد من السوق، بل تنتشر في عدة جيوب، وجميعها مرتبطة بأحجام مديونية ضخمة تقاس بالتريليونات.
ففي قروض السيارات، مثلاً، بلغ معدل التأخر في السداد نحو 8 في المئة، على محفظة إجمالية تناهز 1.6 تريليون دولار، وفي بطاقات الائتمان النسبة نفسها تقريباً على محفظة تتجاوز 1.2 تريليون، أما القروض الطلابية فتسجل نسب تعثر أعلى، فيما وصلت قروض العقار التجاري المورقة إلى أعلى مستويات التعثر منذ أزمة 2008. وهذه المؤشرات، حين تُقرأ معاً، تعطي في نظر لوردون دلالة واحدة، ارتفاع متزامن في مؤشرات ما قبل الإفلاس أو ما قبل الانهيار، وسط أحجام التزامات هائلة.
ثم تأتي الجيوسياسة لتجعل المشهد أكثر هشاشة. فالحرب في الشرق الأوسط، واضطراب أسواق النفط، واحتمالات تعطل سلاسل الإمداد، كلها عوامل تضغط على الاقتصاد الحقيقي في لحظة يزداد فيها الشك أصلاً في قدرة الشركات المقترضة على الاستمرار. وإذا كان الائتمان الخاص متمركزاً في شركات متوسطة إلى كبيرة الجودة، لكنها ليست كلها متينة، فإن تباطؤاً اقتصادياً عالمياً حاداً أو صدمة نفطية واسعة قد يدفع المزيد منها إلى التعثر. وبذلك تلتقي الأزمة المالية بالصدمة الجيوسياسية في نقطة واحدة، رفع معدلات الإفلاس وإضعاف قدرة النظام على امتصاصها.
التحليل يطرح أيضاً سؤالاً مركزياً حول البنوك، لأن الخسائر لا تصبح نظامية حقاً إلا إذا أصابت مؤسسات مصرفية ذات أهمية كبرى. قد تكون الخسائر الإجمالية في القطاع قابلة نظرياً للاستيعاب إذا وزعت بالتساوي، لكن الخطر الحقيقي يكمن في تركّزها داخل مؤسسات بعينها. فالمشكلة في الأزمات ليست فقط حجم الخسائر، بل مكان وجودها. انهيار مؤسسة واحدة ذات روابط كثيفة كفيل بتحويل حدث محلي إلى أزمة عامة، كما حدث مع “ليمان براذرز”.
من هنا، يصبح السؤال الأساس هو ما إذا كانت هناك نقاط تركّز خطرة داخل الشبكة المصرفية، أي بنوك مكشوفة بشكل كبير على سوق الائتمان الخاص أو على مؤسسات تتعامل معه بكثافة. وإذا حصلت موجة إفلاس لصناديق أو لمستثمرين كبار عالقين داخلها، فإن أثرها قد ينتقل بسرعة إلى ميزانيات البنوك، ومن ثم إلى سوق الائتمان كله. عندها لا تعود القضية مجرد تراجع قيمة أصول استثمارية، بل انقطاعاً عاماً في التمويل، أي أزمة سيولة كاملة الأوصاف.
في النهاية، لا يقدم الاقتصادي لوردون نبوءة زمنية حاسمة، بل يحذر من لوحة متكاملة تتجمع فيها العناصر المقلقة، تضخم الائتمان الخاص، ارتفاع نسب التعثر، انكشاف البنوك، هشاشة قطاعات كاملة أمام الذكاء الاصطناعي، توتر جيوسياسي يهدد النمو وسلاسل الإمداد، وتصاعد الشكوك داخل الأسواق. ومن هذه الزاوية، لا تكون الأزمة المقبلة حدثاً مفاجئاً تماماً، بل نتيجة تراكم طويل لعمليات التفاف على التنظيم، وللهروب المتكرر من القيود التي فُرضت بعد كل أزمة سابقة.
والخلاصة التي يدفع إليها هذا التصور أن المسألة لم تعد اقتصادية فقط، بل سياسية أيضاً. فإذا اضطرت البنوك المركزية من جديد إلى التدخل كمنقذ أخير وضخت السيولة لإنقاذ النظام، فإن السؤال لن يكون فقط كيف نمنع الانهيار، بل ماذا نفعل بهذه اللحظة سياسياً، وكيف نمنع تكرار الدورة نفسها التي تبدأ بمغامرة مالية، ثم تنتهي بإسناد عام لتكاليفها.
The post ملامح الأزمة المالية القادمة .. ديون خفية وتوازنات هشة تهدد النظام العالمي appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.


