مقترح غير تقليدي لانتخاب "الرئيس" وتأجيل التصويت على مرشح «الإطار»
بغداد/ تميم الحسن
في جلسة ضمّت نخبة من السياسيين في بغداد قبل أيام، طرح عمار الحكيم سؤالاً بدا بسيطاً في ظاهره، لكنه عكس عمق المأزق العراقي: لماذا يتأخر تشكيل الحكومة في بغداد، فيما استطاعت إيران، وهي في قلب المواجهة، أن تحسم استحقاقاتها الداخلية وتنتخب مرشدها؟
هذا السؤال لا يبدو معزولاً عن سياق أوسع تتداخل فيه حسابات الداخل مع إيقاع الصراع الإقليمي. فإيران، بحسب كثير من القراءات، لم تعد مجرد عامل خارجي في معادلة تشكيل السلطة، بل تحولت إلى مفتاح لفهم التعطيل ذاته.
وفيما كان يُفترض أن يناقش اجتماع شيعي أخير أزمة تشكيل الحكومة، جرى تجاوز الملف وتأجيله إلى ما بعد اتضاح تطورات الحرب الإقليمية. ويرى باحث سياسي كردي أن الأزمة الحقيقية تكمن في الانقسام داخل البيت الشيعي والعجز عن التوافق على مرشح لرئاسة الوزراء.
في المقابل، صعّد معسكر نوري المالكي، واعتبر تأجيل الحسم «انقلاباً» على تفاهمات سابقة، في وقت يواصل فيه تثبيت موقعه داخل «الإطار التنسيقي». كما يُروَّج لاحتمال رفض أميركي لترشيح محمد شياع السوداني، ضمن معادلة تضغط على جميع المرشحين.
في المقابل، يرفض معسكر السوداني، بدعم من عمار الحكيم، ربط الاستحقاقات بالحرب، ويدفع نحو المضي بالمسار الدستوري دون تأجيل.
اللاعب الإيراني
ويتمسك هذا المعسكر بعقد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية في موعدها المقرر في 11 نيسان، باعتبارها البوابة الإلزامية لحسم ملف رئاسة الوزراء، وقطع الطريق أمام ما يصفه بـ«تدوير الأزمة».
وخلال جلسة للنخب السياسية هذا الأسبوع، عبّر الحكيم، وهو زعيم "تيار الحكمة"، بوضوح عن رفضه ربط المسار السياسي العراقي بتطورات الصراع الإقليمي، قائلاً إنه لا يتفق مع الدعوات التي تطالب بتأجيل الاستحقاقات إلى ما بعد انتهاء الحرب بين واشنطن وطهران.
وأضاف، في مقارنة لافتة، أن إيران نفسها، وهي في قلب المواجهة، لم تُرجئ استحقاقاتها الداخلية، بل مضت في انتخاب مرشد جديد، متسائلاً: لماذا يُطلب من العراق أن ينتظر نهاية الحرب لحسم ملفاته السياسية؟
"الأزمة داخل الإطار لا خارجه"
وفي قراءة تعكس جانباً من تعقيدات المشهد، يرى كفاح محمود، الكاتب والباحث السياسي الكردي، أن عقدة الأزمة لا تكمن في الخلافات الكردية حول منصب رئاسة الجمهورية، بقدر ما تتموضع داخل «الإطار التنسيقي»، الذي لم ينجح حتى الآن في التوافق على مرشح نهائي لرئاسة الوزراء.
ويشير محمود إلى أن نوري المالكي لا يزال المرشح الأبرز، إلا أن ترشيحه يواجه اعتراضات داخلية، تفاقمت بعد مواقف خارجية، من بينها تغريدة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، ما أضاف طبقة جديدة من التعقيد داخل التحالف الشيعي.
وفي المقابل، يؤكد محمود أن أوساطاً سياسية تتحدث عن تحفظات أميركية أيضاً على محمد شياع السوداني، وهو ما يضع أبرز الأسماء المتداولة ضمن معادلة «القبول الخارجي»، ويزيد من صعوبة الحسم.
وجاءت تصريحات محمود على خلفية زيارة وفد رفيع من الحزب "الديمقراطي الكردستاني" إلى بغداد، حيث عقد سلسلة لقاءات مع قيادات سياسية، من بينهم السوداني، ورئيس البرلمان هيبت الحلبوسي، إلى جانب المالكي وشخصيات أخرى، لبحث جلسة انتخاب رئيس الجمهورية ومسار تشكيل الحكومة.
وتشير معطيات داخل «الإطار التنسيقي» إلى وجود اتجاهين متباينين بشأن ملف رئاسة الحكومة؛ الأول يميل إلى تثبيت نوري المالكي كمرشح وحيد، بعد حصوله على دعم 10 من أصل 12 من قادة الإطار، فيما يدعو الاتجاه الثاني إلى تأجيل حسم الملف إلى ما بعد انتهاء الحرب الإيرانية–الأميركية، بانتظار اتضاح موازين القوى الإقليمية.
وفي تطور لافت، تمكن المالكي، خلال ساعات حاسمة مساء الأحد الماضي، من تعطيل مسار سياسي كان من شأنه إعادة تكليف محمد شياع السوداني بولاية ثانية، عبر إيقاف سيناريو كان يُفضي إلى تمرير الجلسة البرلمانية.
كما نجح في إبعاد الجلسة التي كان من المقرر عقدها الاثنين من الأسبوع الماضي، والمخصصة لانتخاب رئيس الجمهورية تمهيداً لتكليف السوداني، حيث قرر البرلمان لاحقاً تأجيلها إلى 11 نيسان، في خطوة جاءت استجابةً لمناخات التفاهم، وبعد طلب من زعيم الحزب "الديمقراطي الكردستاني" مسعود بارزاني، بما يمنح مزيداً من الوقت للمشاورات السياسية بين الأطراف المختلفة.
«حرب غير معلنة»
ويتحدث كفاح محمود عن أسباب زيارة وفد الحزب "الديمقراطي الكردستاني" إلى بغداد، مشيراً إلى أن الوفد الذي ترأسه فاضل ميراني أجرى سلسلة لقاءات مع أبرز قادة الكتل السياسية، بينهم نوري المالكي ومحمد شياع السوداني وهادي العامري ومثنى السامرائي، إضافة إلى شخصيات أخرى.
وبحسب محمود، فإن الملف الأمني كان في صدارة النقاشات، في ظل تصاعد الهجمات التي تستهدف إقليم كردستان، والتي تجاوزت 650 عملية قصف باستخدام طائرات مسيّرة وصواريخ. ويؤكد أن هذه الهجمات تسببت بأضرار مباشرة في مناطق مدنية، رغم أن مبرراتها المعلنة هي استهداف القواعد الأميركية، مشيراً إلى أن الوجود الأجنبي في الإقليم يقتصر على مستشارين وفنيين ومدربين ضمن التحالف الدولي، وليس على قوات قتالية أميركية.
وتسببت بعض هذه الهجمات بسقوط قتلى وجرحى، بينهم عناصر من قوات البيشمركة، إضافة إلى مقتل ضابط فرنسي، ما يعكس اتساع نطاق التأثير ليشمل أطرافاً دولية ضمن التحالف.
ويضيف محمود أن أربيل تعرضت لهجوم مكثف في ليلة واحدة شمل عشرات الطائرات المسيّرة، تلاه قصف أوقع ضحايا مدنيين، بينهم عائلة كاملة، في مؤشر على تصعيد يستهدف مناطق سكنية وبنى تحتية، ما أثار مخاوف من توسع رقعة الاستهداف.
ويذهب محمود إلى أن طبيعة هذه الهجمات تحمل طابعاً عشوائياً يهدف إلى بثّ الخوف بين السكان، واستهداف الفنادق والأحياء المدنية، وهو ما اعتبره رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني بمثابة «إعلان حرب» على الإقليم، في رسالة وجّهها إلى الحكومة الاتحادية.
وفي السياق ذاته، دان رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني بشدة الهجوم الذي استهدف منزلاً في إحدى قرى أربيل، مؤكداً ضرورة تحرك الحكومة لوقف هذه الاعتداءات المتكررة، التي باتت تمثل تهديداً مباشراً للاستقرار في الإقليم.
وقال كفاح محمود إن معظم الملفات التي طُرحت خلال الزيارة جرى تداولها دون صدور إعلان رسمي، باستثناء بعض الجوانب البروتوكولية، فيما بقيت القضايا الأساسية قيد النقاش، وفي مقدمتها الملف المالي، ورواتب الموظفين، وتوحيد الأنظمة الكمركية.
وأضاف أن التباين في السياسات الكمركية والضريبية أدى خلال الفترة الماضية إلى إشكالات داخل إقليم كردستان، انعكست على حركة التجارة، وتسببت بحالة من التباطؤ شبه الكامل في بعض القطاعات الاقتصادية.
وأشار محمود إلى أن مشاركة وفد فني متخصص في الملفات الاقتصادية والكمركية والضريبية قد تعكس وجود تقدم نسبي في هذا الملف، مرجحاً التوصل إلى تفاهمات أولية لتنظيم الإجراءات الكمركية وتسهيل حركة البضائع، بما يسهم في تخفيف حدة الأزمة التجارية القائمة.
"وقت إضافي"
وتشير تقديرات سياسية إلى أن استمرار الضربات والهجمات على كردستان من شأنه أن يفاقم تعقيدات المشهد بين بغداد وأربيل، ويحدّ من فرص التفاهم حول ملف انتخاب رئيس الجمهورية، في وقت تتزايد فيه المؤشرات على احتمال تعثر انعقاد الجلسة.
وفي هذا السياق، يرى القيادي في "الاتحاد الوطني الكردستاني" أحمد الهركي أن هذه التطورات الأمنية تلقي بظلالها على التوافقات السياسية، وتجعل من جلسة انتخاب رئيس الجمهورية مهددة بعدم الانعقاد في حال استمرار حالة التوتر.
وقال الهركي إنه لا يوجد حتى الآن اتفاق بين الحزبين الكرديين الرئيسيين (الديمقراطي والاتحاد)، مشيراً إلى أن هذا الانقسام قد يفتح الباب أمام ما يُعرف بخيار «الفضاء الوطني»، حيث يُترك تحديد الموقف من التصويت في جلسة انتخاب رئيس الجمهورية المرتقبة.
ويضيف أن هذا السيناريو يبقى مطروحاً في حال حدوث أي تغييرات في اللحظات الأخيرة، لكنه يشدد على أن التحدي الأكبر يتمثل في احتمال عدم اكتمال النصاب القانوني للجلسة، إذ يتطلب انعقادها حضور 220 نائباً على الأقل، ما يجعل إمكانية التعطيل قائمة بقوة.
وفي السياق ذاته، يلفت إلى وجود مقترح طُرح خلال النقاشات السياسية السابقة، يتمثل في تأجيل تكليف رئيس الجمهورية لمرشح الكتلة الأكبر لعدة أيام بعد انتخابه، وهو طرح لم يُطبق في التجارب السابقة.
ويشير الهركي إلى أن هذا المقترح قد يهدف إلى تفكيك الأزمة السياسية وتوفير مساحة إضافية للتفاهم، رغم أنه لم يُعتمد سابقاً، مستذكراً ما جرى في 2018 حين جرى تكليف برهم صالح رئيساً للجمهورية وعادل عبد المهدي رئيساً للوزراء بشكل متزامن، وكذلك لاحقاً بعد انتخاب عبد اللطيف رشيد وتكليف السوداني.
وختم الهركي بالقول إن مثل هذا الطرح قد يمنح «الإطار التنسيقي» وقتاً إضافياً لحسم موقفه من مرشح رئاسة الوزراء، سواء بالمضي بترشيح نوري المالكي أو الاتجاه نحو خيار آخر.
The post مقترح غير تقليدي لانتخاب "الرئيس" وتأجيل التصويت على مرشح «الإطار» appeared first on جريدة المدى.




