... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
148918 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 5038 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانية

مكتبة قرّاء المعرفة.. حياة لا تنطفئ

العالم
شؤون عمانية
2026/04/11 - 08:33 501 مشاهدة

 

خالد بن حمود الوردي

في زوايا العالم، لا تُقاس الأماكن بمساحتها، بل بعمق ما تحتضنه من معنى؛ هناك تولد أماكن لا تشبه سواها، لا تُبنى بالحجارة وحدها، بل تُشيَّد بالشغف، وتُضاء بالفكرة، وتخلّد بما تتركه في الإنسان من أثر.

وهنا، في حضرة الكلمة، حيث تتنفس الكتب وتلتقي الأرواح على مائدة المعرفة، تقف مكتبة «قرّاء المعرفة» لا كحيّزٍ صامت، بل ككائن حي ينبض بالحكايات، ويدعو العابرين ليصبحوا جزءًا من قصته.

إنها ليست مجرد رفوف تصطف عليها الكتب، بل رحلة تبدأ من الداخل؛ من سؤالٍ صغير أو فضولٍ عابر، ثم تمتد لتفتح أبوابًا لا تُغلق، وتمنح القارئ مفاتيح لا تُرى، لكنها تغيّر كل شيء. هنا، لا تُقرأ الكتب فقط… بل يُعاد اكتشاف الإنسان.

لم تولد مكتبة «قرّاء المعرفة» من رغبة عابرة، ولا من فائض وقتٍ يُراد له أن يُملأ، بل جاءت من لحظة تحوّل فارقة؛ لحظة يُعاد فيها ترتيب الإنسان إضطرارا، ويواجه فيها نفسه بعيدًا عمّا كان يظنه ثابتًا.

كان إبراهيم الصلتي يمضي في حياته كما يمضي كثيرون؛ بين عملٍ يلتزم به، ومسؤوليات يؤديها، وأيام تتشابه حتى تكاد لا تُرى. لم يكن يخطط لمسار مختلف، حتى جاءت الأقدار بما لم يكن في الحسبان حين فقد عمله. غير أن الألم لم يكن في الفقد وحده، بل في الفراغ الذي أعقبه، وفي الأسئلة التي تثقل الروح: كيف يستعيد الإنسان توازنه؟ وماذا بعد؟

في تلك اللحظة، لم يستسلم إبراهيم لذلك الصمت الثقيل، بل جلس مع نفسه، يستحضر تجارب السنين، ويبحث عن بداية جديدة. نظر حوله، فلم يجد ما يبدأ به سوى الكتب؛ تلك التي رافقته طويلًا، وآمن بها دائمًا، وكانت تلوّح له من الرفوف كلما ابتعد. لم تكن يومًا مشروعًا، بل شغفًا صامتًا ينتظر لحظة الميلاد.

 

وجاءت تلك اللحظة في زمن لم يكن سهلًا على أحد؛ زمن جائحة كوفيد ١٩، حين انكمش العالم وتوقفت الحركة في كل مكان. لكن إبراهيم، وسط هذا الركود، اختار أن يتحرك. فبينما كان الناس يبتعدون، كان هو يقترب من المعرفة، ومن الناس، ومن الفكرة التي بدأت تتشكل.

لم تكن هناك مكتبة بعد، ولا رفوف، ولا حتى مكان، لكن كانت هناك نية صادقة، وإيمان خافت بأن شيئًا ما يمكن أن يولد. بدأ ينشر المعرفة بما يستطيع؛ يوفّر الكتب، ويتواصل مع القرّاء، كأنه يزرع بذورًا لا يعلم متى ستنبت. ثم جاءت المبادرات من أصدقاء وكتّاب ومحبي القراءة، قدّموا كتبهم كأنهم يشاركونه الحلم قبل أن يكتمل.

ومن هنا بدأت الحكاية: كتابٌ واحد، ثم رفّ، ثم رفوف، ثم مجلدات تتكاثر كما تتكاثر الأحلام حين تجد من يحتضنها. كانت البداية غرفة صغيرة في قرية غلا بولاية بوشر، لم يخطر ببال أحد أنها ستتحول يومًا إلى مكتبة. لكن الجدران امتلأت، ولم تعد مجرد جدران، بل صارت ذاكرة حيّة تتراكم فيها المعرفة. فكان إبراهيم يضع كل كتاب وكأنه حجر بناء يؤمن بامتداده، وإن لم يرَ نهايته.

ولم يكن اهتمام إبراهيم الصلتي بنوعية الكتب عابرًا، بل كان واضح الاتجاه: الكاتب العُماني. كان يؤمن أن هذه الأصوات تستحق أن تُرى وتُقرأ، وأن تتقدم المشهد الثقافي. فامتلأت الرفوف بأسماء محلية وأعمال تحمل روح المكان، وأدب يشبه الأرض التي وُلد منها.

وهنا حدث التحول الحقيقي؛ لم يعد القارئ يأتي ليشتري كتابًا فقط، بل ليكتشف نفسه في نصٍ قريب وصوتٍ يشبهه وتجربة تمسّه. ولم يقتصر الأثر على القرّاء، بل امتد إلى الكتّاب الذين وجدوا في المكتبة مساحة تحتضن نصوصهم وتمنحها حضورًا كانت تفتقده.

شيئًا فشيئًا، لم تعد المكتبة مكانًا… بل أصبحت حالة. كل من دخلها تعلّق بها، وكل من زارها عاد إليها، وكأن في المكان سرًا لا يُفسَّر بسهولة؛ ربما صدق البدايات، أو حرارة الفكرة، أو تلك الروح التي لا تُشترى.

ولم يتوقف إبراهيم عند هذا الحد؛ فمن رحم الحاجة وُلدت فكرة جديدة: أن تتحول القراءة إلى حوار. فأنشأ صالونًا ثقافيًا ملتصقًا بالمكتبة، صار مع الوقت قلبها النابض. هناك، اجتمع الأدباء، والتقى الكتّاب، وجلس القرّاء في دوائر مفتوحة يتحدثون، ويناقشون، ويختلفون، ويكتشفون. لم تكن الجلسات رسمية، لكنها كانت عميقة، ولم تكن منظمة بإحكام، لكنها كانت صادقة. وكان المكان، في كل مرة، يتّسع دون أن يكبر.

واليوم، لم تعد مكتبة «قرّاء المعرفة» مجرد مكانٍ امتلأ بالكتب، بل أصبحت عالمًا يلتقي فيه الأدب بالإنسان، وتتقارب فيه الأرواح قبل الأجساد، ويشرب فيه الزائر من نبع لا ينضب من الفكر والثقافة. فهي ليست جدرانًا، بل شهادة على أن الصعب يمكن أن يولد منه الأجمل، وأن الأزمات ليست نهايات بل بدايات. وهي أيضًا شهادة على رجل لم يقف عند حدود الأزمة، بل اتخذ منها طريقًا للمعرفة، ومن الفراغ امتلاءً، ومن الحلم واقعًا يُرى. لم يؤسس إبراهيم الصلتي مكتبة فحسب، بل أعاد تعريف الممكن، وبثّ الروح في قلب المعرفة، فأحيا الإنسان… قبل المكان.

وهنا، لا تقف الحكاية عند حدود الإعجاب، ولا يكتمل أثرها بمجرد القراءة؛ فمثل هذه التجارب لا تُروى لتُحكى فقط، بل لتُسانَد وتُحمى، وتُمدّ لها الأيدي كي تستمر.

إن مكتبة «قرّاء المعرفة» ليست مشروع إبراهيم وحده، بل مسؤولية كل قارئ يرى في الكتاب حياة، وكل كاتب يؤمن أن كلمته تستحق أن تصل. إنها مساحة لنا جميعًا؛ نبنيها معًا، ونكبر بها، ونترك فيها أثرًا يشبهنا. فإن كنت قارئًا، فكن حاضرًا: ادخل، اقرأ، وشارك.وإن كنت كاتبًا، فاجعل من هذا المكان منبرًا لصوتك، وداعمًا لكلمتك.وإن كنت مؤمنًا بأن المعرفة تبني الإنسان، فكن جزءًا من هذا البناء.

إبراهيم الصلتي لم يفتح باب مكتبة فحسب، بل فتح بابًا لنا جميعًا لنكون شركاء في صناعة المعنى، وشهودًا على أن الثقافة لا تزدهر إلا بأهلها. فلا تترك هذه الحكاية تقف عند حدودها، بل كن امتدادها، وكن أحد الذين يجعلون من مكتبة «قرّاء المعرفة» حياة لا تنطفئ.

 

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤