مخاطر الممرات البحرية التقليدية تعزز موقع المغرب في التجارة العالمية
في ظل واقع دولي تتراجع فيه كفاءة الممرات البحرية التقليدية أمام تحديات الأمن والاستقرار، تبرز “جغرافيا المخاطر” كمحدد رئيسي لمستقبل التجارة الدولية. إن الاضطرابات المستمرة في مضيق هرمز لم ترفع كلفة الشحن فحسب، بل دفعت إلى إعادة هندسة مسارات التجارة العالمية، وهو ما أثبتتْه أيضا نزاعات عسكرية سابقة مثل الحرب الروسية-الأوكرانية وبعدها “حرب غزة”.
في خضم مشهد جيو-اقتصادي معقد لم تتضح معالمه بعدُ بعد اقتراب “حرب الشرق الأوسط” من إكمال شهرها الأول، يُرجّح محللون دورا متناميا للمغرب كمنصة لوجستية وصناعية قادرة على امتصاص هذه التحولات، وتحويل الأزمات الإقليمية إلى قيمة مضافة مستدامة عبر تعزيز الربط بين القارات وتوطين سلاسل الإنتاج في بيئة اقتصادية تتسم بالموثوقية والانفتاح.
بدائل لوجستية
محمد عادل إيشو، أستاذ باحث في علوم الاقتصاد والتدبير بجامعة السلطان مولاي سليمان ببني ملال، يرى أن “أيّ اضطراب مستمر في هذا الممر يتجاوز انعكاسُه أسعار الطاقة ليطال كلفة النقل البحري والتأمين وإيقاع سلاسل الإمداد العالمية”.
وفي تقدير إيشو، ضمن تصريح لهسبريس، فإن “الأثر الأشدّ يطال آسيا بالدرجة الأولى، لأن البنية الحالية للتدفقات الطاقية عبر هرمز تكشف مستوى عاليا من الاعتماد الآسيوي على هذا الممر”، مستدلا ببيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (اتجه 84% من النفط الخام والمكثفات العابرة لهرمز في 2024 إلى الأسواق الآسيوية، واستحوذت الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وحدها على 69% من هذه التدفقات). وزاد معلقا: “هذا المعطى يعني أن أي تصعيد طويل الأمد سيدفع الاقتصادات الكبرى إلى تكثيف البحث عن بدائل لوجستية، ليس فقط من زاوية أمن الممرات، بل أيضا من زاوية إعادة توزيع المخاطر على موانئ ومحاور بحرية جديدة أكثر استقرارا”.
“واقعية التموضع”
في هذا التحول المحتمل، “يمكن للمغرب أن يجد لنفسه موقعا متقدما، ولكن ضمن حدود الواقعية الاقتصادية لا الخطاب الانطباعي”، وفق أستاذ الاقتصاد ذاته، الذي يرى أن “المملكة لا تملك بطبيعة الحال القدرة على تعويض مضيق هرمز أو قناة السويس، لكنها تملك مؤهلات واضحة للاستفادة من إعادة تموضع جزئي في الجغرافيا اللوجستية بين البحر المتوسط والواجهة الأطلسية”، مستحضرا معالجة ميناء طنجة المتوسط أزيد من 10 ملايين حاوية، بنمو متزايد عاما تلو آخر، وهو “رقم يعكس أن المغرب لا ينطلق من فراغ، بل من قاعدة مينائية فعلية قادرة على التقاط جزء من أنشطة إعادة الشحن والخدمات البحرية وسلاسل الربط الصناعي والتجاري”.
وأبرز المحلل الاقتصادي عينه أن “أهمية هذا التموضع تزداد عندما نربطه بالمشاريع المينائية الاستراتيجية قيد التطوير، وفي مقدمتها ميناء الناظور غرب المتوسط، الذي تبيّن معطياته الرسمية أنه مهيّأ لمعالجة 3 ملايين حاوية سنويا، مع إمكانية رفع هذه القدرة بـ2 مليون حاوية إضافية، إلى جانب 25 مليون طن من المحروقات و7 ملايين طن من الفحم و3 ملايين طن من البضائع”، مستنتجا أن “الدلالة هنا ليست تقنية فقط، بل استراتيجية: المغرب يراكم تدريجيا عرضا مينائيا يؤهّله للتموقع كمركز لوجستي وطاقي وصناعي قريب من الخط البحري الرابط بين قناة السويس ومضيق جبل طارق، وهو ما قد يكتسب أهمية أكبر كلما تعاظمت الحاجة الدولية إلى تنويع المسارات وتقليص الاعتماد على الممرات شديدة الهشاشة”.
ومع ذلك، نبه المتحدث إلى أن “هذه الفرصة ليست تلقائية ولا مضمونة”، خالصا إلى أن “تقارير الأونكتاد تؤكد أن اضطرابات البحر الأحمر دفعت إلى ارتفاعات حادة في أسعار الشحن الفوري، بفعل إعادة توجيه السفن والازدحام المينائي والاختناقات التشغيلية”.
وختم عادل إيشو بأن “المكسب المغربي الحقيقي لن يتحقق بمجرد مرور سفن إضافية، بل بقدرة البلد على تحويل التحولات الجارية إلى قيمة مضافة مستدامة: تخزين، تزويد، خدمات لوجستية متقدمة، مناطق صناعية، وربط أقوى بين الموانئ والاستثمار الإنتاجي؛ فالأزمة الحالية قد تفتح نافذة فرصة للمغرب، لكن تحويلها إلى مكسب استراتيجي دائم يظل رهينا بسرعة التموضع وجودة التنفيذ”.
“جغرافيا المخاطر”
من جهته، لفت أمين ظافر، أستاذ التعليم العالي في تخصص اللوجستيك والتجارة الدولية بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، الانتباه إلى أن “التحولات الجيو-سياسية الراهنة رسّخت الجغرافيا محددا رئيسيا في إعادة تشكيل مراكز الثقل التجاري ومسارات النقل البحري، حيث لم تعد الكلفة هي العامل الحاسم، بل برزت وبحدة اعتبارات الأمن والاستقرار وضمان استمرارية التدفقات”.
وقال ظافر، في تصريح أدلى به لجريدة هسبريس الإلكترونية في هذا السياق، إن أهمية بعض الممرات التقليدية الحساسة، مثل قناة السويس، “تتراجع مقابل صعود مسارات بديلة أكثر أمانا”. كما تتجه القوى الاقتصادية الكبرى نحو “إعادة توطين سلاسل الإنتاج والتوريد داخل فضاءات جغرافية قريبة أو داخل دول حليفة، وهو ما يعيد توزيع الأنشطة اللوجستية والصناعية نحو مناطق تتوفر على الاستقرار والانفتاح البحري”، معتبرا أنه في خضمّ هذا التحول، “يكتسب مضيق جبل طارق أهمية متزايدة باعتباره نقطة ارتكاز استراتيجية في إعادة تنظيم الشبكات البحرية الدولية”.
فرص واعدة
في هذا الإطار، تبرز “فرص واعدة للمغرب لتعزيز تموقعه ضمن هذه التحولات”، بالنظر إلى ما يتمتع به من استقرار سياسي وموقع جغرافي متميز وانفتاح اقتصادي. وقال الأستاذ المتخصص في اللوجستيك إن “ميناء طنجة المتوسط يشكل ركيزة أساسية في هذا المسار؛ إذ يمكنه استقطاب جزء مهم من التدفقات التجارية المُعاد توجيهها، وتعزيز دوره كمركز لوجستي للربط بين أوروبا وإفريقيا وباقي العالم. كما تتيح إعادة توزيع سلاسل الإنتاج إمكانية جذب استثمارات صناعية جديدة، خاصة من أوروبا، في إطار تقليص المخاطر وتقريب مواقع الإنتاج من الأسواق”.
وتابع بأن “تنامي أهمية الواجهة الأطلسية يفتح آفاقا أمام تنويع أدوار الموانئ المغربية وتعزيز اندماجها في الشبكات البحرية العالمية، غير أن تحقيق الاستفادة القصوى من هذه الفرص يظل مرتبطا بقدرة المغرب على ترسيخ هذا التموضع بشكل مستدام، من خلال تطوير البنيات التحتية اللوجستية”.
وذكر ظافر أيضا أن “ميناء الناظور غرب المتوسط، وتعزيز الربط بين الموانئ وعُمقها الاقتصادي الإفريقي عبر ميناء الداخلة، وتسريع التحول الرقمي”، كلها فرص تمكّن المغرب من “التحول من مجرد نقطة عبور إلى فاعل محوري في تنظيم سلاسل الإمداد العالمية”.
The post مخاطر الممرات البحرية التقليدية تعزز موقع المغرب في التجارة العالمية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.





