محمد بن عيسى البلوشي يكتب: هل اقتربت ساعة الولادة لعملاق قطاع الطيران الجديد؟
عيسى البلوشي – شؤون وطنية
شهد قطاع الطيران في سلطنة عُمان مؤخرًا حراكًا استثنائيًا تجاوز حدود الأرقام ليعيد رسم خارطة المستقبل؛ وفي خضم هذا التحول، يبرز تساؤل جوهري نطرحه على معالي المهندس سعيد بن حمود المعولي، وزير النقل والاتصالات وتقنية المعلومات: ألم يحن الوقت لصهر هذه الكيانات في بوتقة واحدة تحت مسمى “الشركة العُمانية للمطارات والطيران والملاحة الجوية”؟
هذا الطرح ليس مجرد إعادة تسمية، بل هو رؤية استراتيجية تهدف إلى خلق كيان تكاملي ينهي عصر الجزر المنعزلة، ويوحد الجهود الاقتصادية واللوجستية لخدمة الرسالة الوطنية. وبعد المؤشرات الإيجابية التي كشف عنها اللقاء الإعلامي الأخير للقطاع، يبدو أن الفكرة لم تعد مجرد مقترح طموح، بل أضحت ضرورة تفرضها معطيات الواقع.
ولا يمكن الحديث عن تكامل القطاع دون التوقف عند الإنجاز التاريخي الذي حققه الطيران العُماني؛ ففي تحول جذري يعكس نجاح خطة إعادة التموضع، أعلنت الشركة عن تحقيق أرباح لأول مرة منذ 15 عامًا، وهو مؤشر “سيمفوني” يؤكد أن مسار الاستدامة المالية قد بدأ بالفعل.
إن التحول الذي يشهده القطاع حاليًا يستند إلى “الاستراتيجية الوطنية للطيران 2040″، والتي يمكن تلخيص مرتكزاتها في النقاط الجوهرية التالية:
أولا: الاندماج الاستراتيجي (الاستحواذ والتكامل)؛ فالتوجه نحو توحيد منظومة “الطيران العُماني” و”طيران السلام” يعزز القوة التفاوضية للسلطنة في المحافل الدولية، ويمنع التداخل في الوجهات، مما يضمن كفاءة اقتصادية قصوى.
ثانيا: توطين الصناعات الثقيلة؛ فتدشين أول ورشة متكاملة لصيانة الطائرات في سلطنة عُمان يمثل نقلة نوعية من “التشغيل” إلى “التصنيع والخدمة”، مما يقلل من النفقات الخارجية ويخلق فرص عمل تخصصية للعُمانيين.
ثالثا: مدينة مطار مسقط؛ فهذا المشروع ليس مجرد توسعة لمطار، بل هو خلق لمركز أعمال لوجستي عالمي يربط التجارة بالسياحة، ويجعل من مسقط “ميناءً جويًا” بمفهوم عصري شامل.
رابعا: تصدير الخبرة العُمانية؛ فالمبادرة بتشغيل مطارات إقليمية وأفريقية تعكس نضج التجربة العُمانية، وتحول “مطارات عُمان” من مشغل محلي إلى منافس دولي يستثمر في المعرفة والمنتج الوطني.
وهنا نستطيع أن نقترب من الإجابة لسؤالنا: لماذا الكيان الموحد الآن؟؛ تقول أن تطعيم القطاع بكيان واحد يجمع “المطارات، الملاحة، والتشغيل” سيؤدي إلى تعظيم القيمة المضافة من خلال التجانس العملياتي عبر توحيد الأنظمة التقنية والإدارية والذي يقلص البيروقراطية ويسرع اتخاذ القرار. وأيضا ترشيد الإنفاق والذي بدورة يقلل التكاليف التشغيلية بنسب قد تتجاوز 20%. هذا بالاضافة الى توحيد الهوية التسويقية والخروج للعالم بعلامة تجارية موحدة وقوية تعزز الثقة لدى المستثمر والمسافر على حد سواء.
إن المؤشرات التي استعرضها معالي الوزير تؤكد أننا أمام “صحوة طيران” حقيقية؛ فالتكامل ليس مجرد خيار إداري، بل هو المحرك الأساسي لضمان بقاء قطاع الطيران عموما في طليعة المنافسة الإقليمية. وأثبتت الأرقام الأخيرة أن الإرادة السياسية والاقتصادية قادرة على تحويل التحديات إلى أرباح، وأن حلم “الكيان الوطني الموحد” بات قاب قوسين أو أدنى من ملامسة مدرج التنفيذ؛ فنحن لا نحلق فقط في السماء، بل نصنع سماءً جديدة لصناعة قطاع الطيران وبرؤيتنا الوطنية.





