محافظة دمشق توضح: تنظيم المشروبات الكحولية لا يستهدف الأحياء المسيحية
أصدرت محافظة دمشق، اليوم السبت 21 آذار ، توضيحًا موسعًا بشأن القرار رقم “311 م.ت” المتعلق بتنظيم مهنة بيع المشروبات الكحولية، وذلك بسبب الجدل الواسع الذي أثاره القرار.
وأكدت المحافظة أن القرار “تنظيمي بحث” تحت سقف القانون، ونفت ما أشيع عن استهداف مناطق باب توما والقصاع وباب شرقي، مؤكدة أنها “أيقونة من هوية العاصمة وثقافتها”، بحسب تعبير المحافظة.
جاء هذا التوضيح بعد يومين من إصدار القرار الذي قضى بـ “منع تقديم المشروبات الروحية في المطاعم والملاهي الليلية في مدينة دمشق” ، وحصر بيعها “بالمختوم” في ثلاثة أحياء فقط هي باب توما والقصاع وباب شرقي، وفق شروط صارمة.
الاستناد إلى مرسوم 1952
وبررت المحافظة في بيانها الجديد القرار بأنه ليس استحداثًا جديدًا، بل هو “تنظيم لقرارات وقوانين سابقة”، أبرزها المرسوم التشريعي “رقم 180” لعام 1952، والقرارات الصادرة أعوام 1998 و2010 و2013 و2018.
وأشارت المحافظة إلى أن الهدف من القرار هو “جمعها في قرار واحد لتوحيد المرجعية القانونية”.
وأكدت المحافظة أن المرسوم التشريعي “رقم 180” لعام 1952 هو الذي حدد أماكن تواجد بيع المشروبات الكحولية في الأصل، حيث نص على أن يكون البيع في “الأحياء التي غالبية سكانها من غير المسلمين”، كما يفرض موافقة السكان الجوار قبل منح الترخيص.
“الفوضى” و”الآداب العامة”
أرجعت المحافظة في توضيحها القرار إلى “الفوضى الحاصلة في محلات بيع المشروبات الكحولية، وانتشار المحلات غير المرخصة، وبيع المشروبات للقصر”، إضافة إلى “أذى وإزعاج الجوار” من قبل رواد النوادي والملاهي الليلية، وما يُسيء “للآداب العامة”.
وهذه ليست المرة الأولى التي تبرر فيها الجهات الرسمية في دمشق إجراءاتها بحماية “الآداب العامة”. ففي 23 أيار 2025، نفت محافظة دمشق آنذاك معلومات حول إغلاق منشآت سياحية في باب توما والقيمرية، مؤكدة أن الإجراءات كانت ضمن جولات رقابية دورية ضد المنشآت التي تعمل دون ترخيص.
استثناء المنشآت السياحية وإعادة النظر في المناطق الثلاث
ذكرت المحافظة في بيانها أن “الفعاليات المرخصة لدى وزارة السياحة كالفنادق لم يتعرض القرار لها”، مؤكدة أنها ستنظر في المقترحات المتعلقة بالمناطق ذات الخصوصية السياحية بالتعاون مع الوزارة.
وفيما يخص أحياء باب توما والقصاع وباب شرقي، التي يشكل المسيحيون غالبية سكانها وتتركز فيها معظم محلات بيع الخمور والحانات، نفت المحافظة أن يكون القرار قد استهدفها.
وأكدت أنها “ستعيد النظر في المناطق الثلاث المذكورة في القرار”، مشددة على أن هذه المناطق “تشكل أيقونة من هوية دمشق وثقافتها”، بحسب تعبير المحافظة.
مهلة ثلاثة أشهر لتسوية الأوضاع
وأوضحت المحافظة في ختام بيانها أنها ستمنح مهلة ثلاثة أشهر (وهي المدة المحددة في القرار الأصلي) للمحلات التي تمارس بيع المشروبات الروحية لتسوية أوضاعها وفق القرارات والأنظمة السابقة، مع الأخذ بعين الاعتبار المطاعم السياحية ذات الخصوصية.
ودعت المحافظة المواطنين إلى “عدم الانجرار وراء الإشاعات”، مؤكدة أن أبوابها مفتوحة عبر مديرية المجالس المحلية والعلاقات العامة لمناقشة أي مقترحات.
تفاصيل القرار “رقم 311” عند صدوره
كان المكتب التنفيذي لمحافظة دمشق قد أصدر، في 15 من آذار، القرار رقم “311 م.ت”، الذي قضى بمنع تقديم المشروبات الروحية في المطاعم والملاهي الليلية داخل العاصمة
وحصر القرار بيعها “بالمختوم” في ثلاثة أحياء فقط هي باب توما والقصاع وباب شرقي، وفق شروط جديدة.
ونصّت المادة الأولى من القرار بشكل صريح على “منع تقديم المشروبات الروحية بشتى أنواعها في المطاعم والملاهي الليلية في مدينة دمشق”، وألزمت هذه المنشآت بممارسة “مهنة مطعم فقط” تحت طائلة اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.
كما قضت المادة الثانية بتحويل رخص النادي الليلي “الحانات” إلى رخص “مقاهي”.
أما المادة الثالثة فحددت ضوابط صارمة للمحلات المرخص لها ببيع المشروبات الروحية “بالمختوم” في الأحياء الثلاثة، أبرزها:
- الالتزام بمسافة لا تقل عن 75 مترًا عن دور العبادة (الجوامع والكنائس) والمقابر والمدارس بكافة أنواعها.
- مراعاة وجود دائرة قطرها 20 مترًا حول المخافر والدوائر الرسمية.
- تقديم تعهد موثق لدى الكاتب بالعدل بعدم تقديم المشروبات الروحية “بالقدح” (أي للشرب داخل المحل)، تحت طائلة إلغاء الترخيص والإغلاق.
ومنحت المحافظة مهلة قدرها ثلاثة أشهر للمحلات التي تمارس بالفعل مهنة المشروبات الروحية “بالمختوم” داخل مدينة دمشق لتسوية أوضاعها وفق الأحكام الجديدة.
وألغى القرار ثلاثة قرارات سابقة صادرة عن محافظة دمشق، هي القرار رقم “46 م.د” لعام 2010 المتعلق بـ”النظام المهني للمشروبات الروحية بالمختوم”، والقرارين رقم “38 م.د” لعام 2013 ورقم “41 م.د” لعام 2018.
انتقادات رسمية للقرار
قبل صدور توضيح محافظة دمشق، أثار القرار موجة انتقادات واسعة، كان أبرزها ما صدر عن وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل، هند قبوات، التي اعتبرت أن القرار “يمسّ بالتنوع الاجتماعي والثقافي الذي تتميز به سوريا”.
وقالت قبوات، عبر صفحتها في “فيسبوك”، إن “المسيحيين في سوريا هم سكانها الأصليون، هم الذين حافظوا على دينهم السماوي عبر السنين، ووقفوا ضد المستعمرين لوطنهم. آمنوا أن الثقافة والعلم يبنيان البلاد… في أيام الثورة، هم من وقفوا معها لم يستخدموا أسمائهم المستعارة، ناضلوا ووقفوا مع المظلومين دون خوف”.
وأضافت الوزيرة: “المسيحيون في سوريا هم أدباؤها ومثقفوها، أطباؤها وكتابها. مناطقنا ليست أماكن للمشروبات والكحول، بل هي قلب دمشق وتاريخها المشرق، ومكان للعيش المشترك. مبادئنا الحب، واحترام التنوع، هي أخلاقنا”.
ورفضت الوزيرة ما وصفته بالإقصاء، معتبرة أن “قوة دولتنا هي تنوعها وأي صوت راديكالي ومتطرف سيكون سبب ضعف دولتنا”.
كما شهدت منصات التواصل الاجتماعي جدلًا واسعًا، حيث رأى منتقدون أن القرار يمثل “تقييدًا للحريات” و”انتهاكًا للتنوع”، بينما اعتبره آخرون حقًا للمجتمع المحلي في تقرير طبيعة الأنشطة في أحيائهم.


