مفاوضات لبنان وإسرائيل بين 1983 و2026
layout
Sat, 04/18/2026 - 22:50
ليست المرة الأولى التي تُجرى فيها مفاوضات بين لبنان وإسرائيل. لكن في كل مرة تطرح فيها، تعكس توازنات مختلفة، داخلية وإقليمية. سياقات مفاوضات 2026 تختلف عن 1982 و1983.
ما الفرق بين المفاوضات الحالية وتلك التي جرت قبل 42 سنة؟ في 1982، اجتاح الجيش الإسرائيلي لبنان وصولا إلى بيروت. أخرجت "منظمة التحرير الفلسطينية"، وبقي الجيش السوري الذي دخل في 1976. لم يكن هناك دور كبير لـ"حزب الله" الذي تأسس بقرار طهران وتسهيل دمشق في يونيو/حزيران 1982. بدا لبعض القوى أن الميزان يسمح بمسار سياسي جديد. فتحت القيادة الإسرائيلية ومناحيم بيغن وآرييل شارون مع الرئيس المنتخب بشير الجميل في 1982 قنوات اتصال سرية لترتيب توقيع اتفاق سلام.
اغتيل بشير الجميل في 14 سبتمبر/أيلول 1982، وانتخب شقيقه أمين رئيسا. تغير الاتجاه. فتح طريق بيروت–دمشق. اختبر مسار التفاوض مع تل أبيب وصولا إلى "اتفاق 17 أيار" 1983 برعاية أميركية. سقط الاتفاق بتحالف داخلي وتدخل سوري أعقبته "انتفاضة" برز فيها دور نبيه بري ووليد جنبلاط. تثبّتت الوصاية السورية واتسع دور "حزب الله" على حساب "حركة أمل" وحلفاء دمشق السابقين، وصولا إلى اغتيال رفيق الحريري في فبراير/شباط 2005. وفي أبريل/نيسان 2005 خرجت سوريا وتعاظمت وصاية "الحزب" وإيران في لبنان وسوريا والإقليم، خصوصا بعد 2011.
بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، المشهد مختلف في لبنان وسوريا وإيران. تغير اللاعبون والملاعب وانقلبت التوازنات. "سوريا الجديدة" أغلقت- بعد سقوط الأسد- حدودها أمام تدفق السلاح لـ"حزب الله" واختارت مسارا مختلفا. دعم الرئيس أحمد الشرع علاقة مؤسساتية بين الدولتين، وانخرط في مقاربة دبلوماسية لمعالجة الخلافات مع إسرائيل، للوصول إلى ترتيبات أمنية وانسحابات من أراض احتلتها بعد 8 ديسمبر/كانون الأول 2024.
نفوذ إيران في أضعف حالاته في الخارج، والضربات باتت في البيت الداخلي وليس أمصار النفوذ، والنظام عار أمام الضربات الجوية في 2025 وبداية 2026. و"حزب الله" محاصر والتوازنات الداخلية تغيرت. لم يرد على الضربات والاغتيالات. دخل لبنان منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2024 في هدنة هشة سمحت باستمرار الغارات دون رد من "الحزب"، إلى أن قرر الثأر لاغتيال "المرشد" علي خامنئي نهاية فبراير/شباط الماضي.
التحول الأهم الذي جاء لانعكاس تغير الموازين أنه لأول مرة منذ عقود، هناك رئيس لبناني ورئيس وزراء لبناني لم يتم اختيارهما ولم تأت "كلمة السر" عليهما من دمشق أو طهران أو "حزب الله". الرئيسان جوزيف عون ونواف سلام أعادا الاعتبار لمؤسسات الدولة، بدعم عربي واضح، خصوصا في ملف خطة الجيش لنزع سلاح "حزب الله"، و"حصر السلاح".
اليوم التوازن الداخلي تغير والتوازن الإقليمي تغير
18 أبريل , 2026
قبضت "دمشق-الأسد" على "ورقة" المفاوضات اللبنانية ضمن مساوماتها مع أميركا وإسرائيل وما عرف وقتذاك بـ"وحدة المسارين" أو "وحدة المصير والمسار". التوازنات الراهنة لا تسمح لطهران بنسخها
حاولت طهران الإيحاء بأن وقف النار في إيران لن يتم دون وقف نار في لبنان. كانت تحاول نسخ تجارب سورية عندما كانت "دمشق-الأسد" تقبض على "ورقة" المفاوضات اللبنانية ضمن مساوماتها مع أميركا وإسرائيل وما عرف وقتذاك بـ"وحدة المسارين" أو "وحدة المصير والمسار". التوازنات الراهنة لا تسمح بنسخها. أعلن وقف للنار مؤقت لعشرة أيام بين لبنان وإسرائيل، نتيجة لمفاوضات مباشرة برعاية أميركية في واشنطن وبعد اتصالات من ترمب وكل من عون ونتنياهو. لكن هذا لا يعني أبدا عدم التداخل بين الملفين. الوسطاء عملوا على الربط بين المسار اللبناني والمسار الإيراني. لم يعد ضمنيا، بل أصبح جزءا من بنود التنازل وليس شروط التفاوض.
المفاوضات الجارية بين إيران وأميركا لا تقتصر على الملف النووي واليورانيوم المخصب والصواريخ الباليستية، بل تشمل بشكل صريح ملف "وكلاء إيران" في المنطقة، وفي مقدمهم "حزب الله". وفي هذا السياق، ذهب ترمب إلى أبعد من ذلك، بإعلانه أن طهران أبدت استعدادا للتخلي عن "حزب الله". بصرف النظر عن دقة هذا التصريح أو حدوده، فإنه يعكس اتجاه النقاش.
في 1983 سقط "اتفاق 17 أيار" لأنه لم يعكس التوازن الحقيقي. اليوم التوازن الداخلي تغير والتوازن الإقليمي تغير. توازنات تعبّد طريق المفاوضات والتفاهمات
لم يعد "الحزب" ملفا لبنانيا صرفا، إنه جزء من التنازلات المطلوبة من "إيران الجديدة" ومن الصفقة الكبرى مع طهران ما بعد علي خامنئي. وإذا أفضت المفاوضات إلى تفاهم على "دور الوكلاء"، قد يفتح الباب أمام إعادة تعريف دور "حزب الله"، وبالتالي أمام ترتيبات جديدة على الحدود اللبنانية–الإسرائيلية، وحدود سوريا مع إسرائيل ولبنان. أما إذا فشلت، فسيبقى لبنان ساحة مفتوحة، وستكون هدنة 2026 استراحة بين جولات.
مفاوضات بيروت–تل أبيب في 2026، صارت أمرا واقعا، قرار نجاحها أو "اغتيالها" ليس في لبنان وحده. كما في السابق قبل 43 سنة. القرار موزع، لكن مع فارق أساسي. الثقل في بيروت. لم يعد في دمشق-الأسد ولا طهران-خامنئي.
في 1983 سقط "اتفاق 17 أيار" لأنه لم يعكس التوازن الحقيقي. اليوم التوازن الداخلي تغير والتوازن الإقليمي تغير. توازنات تعبّد طريق المفاوضات والتفاهمات، ولاتخلو من التحديات.
18 أبريل , 2026
Show on issuepdf page
Off