جبهة لبنان
قد يكون من غير المجدي أن تأمر طهران "حزب الله" بوقف إطلاق النار على إسرائيل من طرف واحد، في ظل إصرار إسرائيل على مواصلة حملتها العسكرية عليه، في كل أنحاء لبنان، وليس في الضاحية الجنوبية لبيروت فقط، وذلك بصرف النظر عما سوف يجري التفاوض عليه في مفاوضات العاصمة الباكستانية، خلال أيام الهدنة الأربعة عشر المفترضة بشأن "نووي وصاروخي" إيران أو حتى بين لبنان وإسرائيل في واشنطن.
الأمر بالغ الصعوبة في لبنان، هذا البلد الصغير المنهك والمنقسم بين "حزب الله" والدولة، حيث تؤكد إسرائيل أن قراراتها في لبنان شأنٌ خاصٌّ بها مختلف عن مجمل مصالحها مع حلفائها في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، التي طالما أقرت بذلك، بل إنها لا تستطيع الضغط على إسرائيل أو التدخل في ما تعتقد الأخيرة أنه مصلحة أمنية قومية واستراتيجية عليا لها، على حدودها الشمالية المتاخمة لكل من الجنوب اللبناني، وحتى سوريا الواقعة على خطوط التماس مع مرتفعات الجولان المحتلة، التي سبق لإدارة ترمب أن اعترفت بضم إسرائيل لها، وأقرت بسيادة تل أبيب عليها.
ولا يبدو أن إسرائيل سوف تتخلى عن عزمها على تكرار استهداف وإغلاق معبر "المصنع" على الحدود اللبنانية مع سوريا، بذريعة إيقاف تهريب السلاح الإيراني لـ"حزب الله" اللبناني عبر هذا المنفذ.

ومن المؤكد أن حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي ستظل ماضية في خططها للقضاء على "حزب الله" في لبنان، حتى بالتزامن مع محادثات واشنطن غير المسبوقة بين الطرفين، تحت ذرائع شتى أقلها أن الحكومة اللبنانية، من وجهة نظر نتنياهو، برهنت على عجزها عن بسط سيطرة جيشها على الأرض، في مناطق الجنوب والبقاع وغيرهما.
عراقياً، لا يبدو الأمر أقل سوءاً حيث لا يظهر أن الحكومة "الاتحادية" في بغداد، تملك أي قدرٍ من السيطرة على الفصائل الشيعية شديدة الولاء لطهران، وواسعة النفوذ في عموم البلاد، بل وتصر بغداد على أن بعض تلك الفصائل جزء شرعي لا يتجزأ عن المؤسستين العسكرية والأمنية للعراق.
رأينا كيف كان المشهد متداخلاً أثناء الهجمات التي شنتها تلك الفصائل على القواعد والمصالح الأميركية سواء في بغداد والبصرة أو إقليم كردستان لمساندة إيران، وكيف رد الأميركيون عليها، كما لم تتردد طهران عن قصف مواقع المعارضة الكردية الإيرانية في محافظة "السليمانية" وغيرها، في انتهاك صارخ لسيادة العراق الذي يرتبط معها بعلاقات استثنائية مميزة.
في الوقت ذاته فإن الحكومة العراقية ليست في حل من أمرها، في ما يتصل بعلاقاتها مع الولايات المتحدة التي حالت حتى الآن دون رغبة المجلس التنسيقي في إيصال مرشحه المقرب من إيران (نوري المالكي) إلى رئاسة الحكومة منذ الانتخابات التي جرت في 11 نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي.
معضلة الحوثيين في اليمن
أما بشأن جماعة الحوثيين المتحالفة مع إيران في اليمن، فلا يزال الموقف أكثر غموضاً إزاء مستقبل هذه الجماعة المسلحة، التي تمثل الذراع الأخطر المتبقية لـ"الحرس الثوري" على الساحل الغربي لليمن ومشارف مضيق باب المندب، الذي لوحت إيران مراراً، بإمكان استخدامه في إطار الصراع مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
فكما هو حال الحكومة اللبنانية مع "حزب الله" يبدو كذلك عجز الحكومة اليمنية الشرعية، أكثر ضعفاً في التعامل مع هذه الجماعة، من خلال أي مسار سياسي أو عسكري، خصوصاً في ظل انشغال هذه الحكومة بتطبيع الأوضاع في مناطق سيطرتها المضطربة، وحالة الخذلان التي تعانيها القوى المناهضة للحوثيين.












