مضيق هرمز .. من الجغرافيا الصامتة إلى السيادة المنتجة
الصحوة – علي الحداد
ليس مضيق هرمز ممرًّا مائيًا فحسب، بل لحظةٌ جغرافيةٌ مكثّفة، تتجمّع فيها إرادة العالم وهو يعبر، وغفلته وهو لا يسأل عمّن يصنع له هذا العبور.
سنواتٌ طويلة، ظلّ هذا الشريان العظيم يُؤخذ كأنه مُعطىً طبيعي، كأن البحر خُلق ليُستهلك، وكأن الموقع قدرٌ صامت لا يملك أن يطالب، ولا أن يُقابل العطاء بعائد.
غير أنّ الجغرافيا حين يطول صمتها لا تنسى،
بل تعود، لا لتحتجّ، بل لتُعيد تعريف نفسها.
فهنا، في هذا المضيق الضيّق اتساعًا، الواسع أثرًا، لا يمرّ النفط وحده، بل تمرّ طمأنينة الأسواق، وتوازنات القوى، وأعصاب الاقتصاد العالمي.
وما يبدو للعابرين مجرّد طريق، هو في حقيقته نظامٌ معقّد من اليقظة المستمرة، والانضباط الصارم، والهندسة الدقيقة للاستقرار، تُبقي هذا الشريان مفتوحًا في منطقةٍ لو اختلّ ميزانها لحظةً واحدة، لاختنق العالم معها.
وهنا يتجلّى السؤال الذي تأخّر كثيرًا :
كيف يبقى كلّ هذا بلا مقابل؟
ليس الحديث عن فرضٍ طارئ، ولا عن كلفةٍ تُثقل كاهل العبور، إنما عن تصحيحٍ هادئ لمعنى قديم.
فالعالم لا يعبر فراغًا، بل يعبر ضمن منظومةٍ تُؤمّنه، وتُدير مخاطره، وتحفظ استمراريته.
ومن يملك هذه القدرة، لا يفرض ثمنًا على الطريق، بل يُقابل قيمةً بقيمة.
وفي قلب هذه الحقيقة، تقف سلطنة عُمان، لا بوصفها دولةً على ضفاف المضيق، إنما بوصفها ركنًا في توازنه، وشرطًا من شروط استقراره.
فالمياه العميقة التي تحمل عبء الملاحة الدولية، والتي تشكّل العمود الفقري لهذا العبور، تقع في جانبها، بينما يتكامل المشهد مع امتدادٍ جغرافيٍّ مقابلٍ يفرض واقعًا لا يُدار بمنطق الانفراد، بل بمنطق التوازن.
وهنا، لا تعود الجغرافيا مجرد موقع، بل تتحوّل إلى مسؤولية مشتركة،
تُحتّم أن يُدار هذا الممرّ ضمن صياغاتٍ من التنسيق، تُترجمها اتفاقاتٌ محسوبة لا ارتجال فيها.
ولذلك، فإنّ ما يُطرح ليس خروجًا على النظام الدولي، بل تطوّرٌ داخلي في منطقه.
فالقانون الذي قيّد فرض الضرائب على العبور، لم يمنع أن يُنظَّم هذا العبور ضمن إطار الخدمات.
وهنا يتبدّى الفارق الدقيق، لكنه الحاسم :
لا رسوم تُفرض على المرور، بل منظومة خدماتٍ تُقدَّم، تُؤمّن العبور وتُدير استقراره.
ومن هذا الفهم، يمكن أن يتشكّل مسارٌ أكثر رسوخًا،
يتجسّد في ترتيباتٍ منظّمة قد تتجسّد في كيانٍ مشترك لإدارة سلامة الملاحة،
يتولّى الإشراف على التأمين، والمراقبة، وإدارة المخاطر، وحماية البيئة البحرية،
ليغدو العبور نفسه جزءًا من منظومةٍ اقتصادية متكاملة، لا مجرد حركةٍ عابرة.
وحين يبلغ هذا التنظيم درجةً من النضج والتوافق،
يمكن أن يتحوّل، تحت مظلةٍ دولية، من فكرةٍ قابلة للنقاش إلى إطارٍ مشروع،
بل إلى أصلٍ جديد، تُدرج فيه كلفة الاستقرار ضمن كلفة الطاقة العالمية ذاتها،
بعد أن ظلّت طويلًا خارج الحساب.
غير أنّ هذا التحوّل، بطبيعته، لا يُصاغ بإرادةٍ منفردة،
لأن الجغرافيا هنا متداخلة، والمصالح متشابكة، والتوازن أدقّ من أن يُختزل في قرارٍ أحادي.
ومن ثمّ، فإنّ الأفق الواقعي لا يكمن في الفرض، إنما في التنسيق،
في صياغة اتفاقاتٍ تعكس السيادة المكانية والمساهمة الفعلية،
وتمنح هذا التنظيم غطاءً دوليًا يشرعن وجوده، ويُبقي الممرّ مفتوحًا كما كان، لكن أكثر استقرارًا وعدالة.
وهنا تحديدًا، تتجلّى عُمان كما هي دائمًا :
لم تتغيّر .. لكن العالم من حولها هو الذي تبدّل.
اختلّت موازين، وتبدّلت لغات المصالح، وأصبح ما كان يُمنح بالأمس في عداد المسلّمات، يُحسب اليوم ضمن كلفة الاستقرار.
أمّا هي، فبقيت على نهجها الثابت : حضورٌ هادئ، وثباتٌ لا يحتاج إلى إعلان، ودورٌ يُقاس بالفعل لا بالقول.
ومن هنا، فإنّ ما يبدو تحوّلًا في المفاهيم، ليس في جوهره إلا عودةً إلى حقيقةٍ أعمق ..
أنّ للموقع حقّه،
وللدور وزنه،
وأنّ السيادة، حين تقترن بالمسؤولية، تتحوّل من حمايةٍ إلى إنتاج.
إنّ التحوّل من العبور المجاني إلى السيادة المنتجة ليس احتمالًا .. إنما اتجاهٌ يفرضه منطق المرحلة.
حين لا تكتفي الدولة بأن تحرس الموقع، بل تُحسن استثماره،
ولا تكتفي بأن تكون طريقًا، بل تصبح جزءًا من قيمة الطريق.
وهنا، لا يكون السؤال : هل يدفع العالم؟
بل : كيف لم يدفع كل هذا الوقت
إنها لحظةٌ لا تغيّر البحر، بل تغيّر طريقة النظر إليه .. وحين تتغيّر النظرة، لا تعود المعادلة كما كانت أبدًا.





