مضيق هرمز بعد 19 أبريل 2026: من هدنة مؤقتة إلى اقتصاد عالمي يعيش على إيقاع التصعيد
بقلم/ عبدالفتاح الشريف
لـم يعد مضيق هرمز مجرد ممرٍّ بحري حساس في خريطة الطاقة العالمية، بل أصبح متغيرًا دائمًا في معادلة الاقتصاد الدولي. فبعد هدنة قصيرة أعادت فتح الملاحة وخففت التوتر في الأسواق، عادت التطورات العسكرية والتصريحات المتبادلة لتضع المضيق مجددًا في دائرة الخطر. والنتيجة أن العالم لم يدخل مرحلة استقرار، بل مرحلة عدم يقين مزمن يعاد فيها تسعير المخاطر بشكل مستمر ماينعكس فورًا على الأسعار وسلاسل الإمداد وثقة الأسواق، لأن التأثير الأعمق لا يكمن في الإغلاق نفسه، بل في تكرار سيناريو الإغلاق وإعادة الفتح، وهذا ما يدفع الأسواق إلى إدماج علاوة مخاطر دائمة في تسعير الطاقة.
وقد وفرت موجات ارتفاع الأسعار للدول المصدرة للنفط في الخليج وفي أفريقيا وفي القوقاز وفي وسط آسيا -خلال فترة التصعيد- مكاسب مالية كبيرة، وعززت الفوائض قصيرة الأجل، إلا أن هذه المكاسب تخفي تحديات أعمق، لأن التقلبات الحادة تجعل التخطيط المالي أكثر تعقيدًا، فالموازنات لم تعد تبنى على توقعات مستقرة، بل على سيناريوهات متعددة تشمل احتمالات تعطل الإمدادات أو هبوط الأسعار المفاجئ عند أي تهدئة، ما يدفع الحكومات إلى تبني سياسات ماليةأكثر تحفظًا، ويزيد من الاعتماد على الاحتياطيات واللجوء إلى صناديق الثروة السيادية كأدوات امتصاص للصدمات.
وقد أكدت الأزمة مدى هشاشة الاعتماد على ممر واحد وبالرغم من وجود خطوط أنابيب بديلةفإن طاقتها لا تكفي إلا لجزء صغير من الصادرات، لذلك من المتوقع تسريع الاستثمار في البنية التحتية الدفاعية عبر خطوط الأنابيب أو تعزيز قدرات التخزين والتصدير خارج الخليج بالرغم من ارتفاع كلفة هذه الاستثمارات وتأثيرها في حجم الفوائض الموجهة لمشاريع التنويع الاقتصادي.
إن تكرار الأزمات يضغط على خطط التحول الاقتصادي، لأن المستثمر الأجنبي يضع في حساباته درجة الاستقرار الإقليمي، وأي تصعيد متكرر قد يرفع علاوة المخاطر على المشاريع غير النفطية من السياحة إلى الصناعات المتقدمة، ومن هنا يصبح تسريع التنويع ليس مجرد خيار تنموي، بل ضرورة لتقليل الاعتماد على مورد يخضع لتقلبات جيوسياسية حادة.
وبدون أدنى شك خرجت الدول الكبرى المستوردة للنفط في أوروبا وآسيا من الأزمة بدروس واضحة، مفادها أن الاعتماد المكثف على مسار واحد للطاقة لم يعد مقبولًا سياسيًّا واقتصاديًّا، لذلك يتوقع أن تتسارع جهود الموردين وزيادة المخزونات الاستراتيجية وتعزيز الاستثمارات في الطاقات المتجددة وفي الطاقةالنووية.
وتأتيالأزمة في أوروبا تحديدًا في سياق مسار مستمر لفك الارتباط التدريجي عن مصادر الطاقةالمرتبطة بالمخاطر الجيوسياسية، وقد عزز التصعيد المستمر في هرمز المطالبات المؤيدة لتسريع التحول الطاقي، ليس بدوافع بيئية، ولكن لضمان الاستقلال الاستراتيجي. أما في آسيا التي تعتمد بشكل كبير على نفط الخليج فيكون التوجه نحو مزيج من تنويع المصادر وتوسيع الشراكات طويلة الأمل والاستثمار في البنية التحتية اللوجستية البديلة.
كما انعكست التطورات الأخيرة في هرمز مباشرة على الاقتصاد الأمريكي حين ارتفعت أسعار النفط التي أسهمت في دعم قطاع الطاقة خلال فترة الحرب، وخصوصًا الشركات المصدرة للنفط والغاز التي استفادت من توسع الهوامش وارتفاع الطلب على الإمدادات الأمريكية باعتبارها بديلًا آمنًا نسبيًّا. إلا أن الصورة الكليةأكثر تعقيدًا، لأن أسعار الطاقة تغذي التضخم وتضغط على تكاليف النقل والإنتاج وتؤثر في إنفاق المستهلكين، وبالتالي وضعت الاحتياطي الفيدرالي في أمريكا أمام معادلة دقيقة بين احتواء التضخم والحفاظ على زخم النمو. وقد انعكست المفارقة بوضوح في وول ستريت، حيث استفادت أسهم الطاقة والدفاع من التصعيد، بينما عانت قطاعات النقل والصناعةوالزراعة بسبب ارتفاع تكاليف الوقود. وتعيد الأسواق توزيع رهاناتها بسرعة مع كل إشارة تهدئة انعكاسًا لحالة التقلب المرتبطة مباشرة بالجغرافيا السياسية.
إن التطورات المتسارعة في اليومين الماضيين وحتى مساء يوم الأحد ١٩ أبريل تؤكد أن العالم لم يعد يتعامل مع أزمة عابرة، بل مع نمط متكرر من التصعيد والاحتواء حتى في الفترات التي لا يغلق فيها المضيق فعليًّا، فمجرد التهديد يكفي لرفع تكاليف التأمين والشحن وزيادة التقلبات في أسواق السلع والعملات، والسؤال لم يعد ما إذا كان المضيق سيغلق مجددًا، بل كيف سيتكيف الاقتصاد العالمي مع احتمال الإغلاق في أي وقت، فهذا التحول من أزمةاستثنائية إلى مخاطر مستمرة، قد يكون الأثر الأعمق للأحداث الأخيرة.
وخلاصة القول إن أسواق الطاقة دخلت مرحلة جديدة تتسم بعدم اليقين البنيوي، حيث لم تعد التقلبات استثناءً عابرًا، بل أصبحت جزءًا من البيئةالاقتصاديةالعالمية. فالدول النفطية بصفة عامةوالخليجية بصفة خاصة مطالبة اليوم بتحصين اقتصاداتها عبر تسريع التنويع الحقيقي لمصادر الدخل وتقليل الاعتماد على العائدات الهيدروكربونية والاستثمار المكثف في مسارات تصدير بديلة من خطوط أنابيب وموانئ بعيدة عن مناطق التوتر، بما يعز أمنها اللوجستي والسيادي على حدٍّ سواء. أما الدول المستوردة في أوروبا وآسيا فلم يعد أمامها ترف الانتظار فهي الآن مطالبة بتسريع تنويع مصادر النفط والغاز وتعزيز مخزوناتها الاستراتيجية والمضي قدمًا في التحول الطاقي لتقليل تعرضها للصدمات الجيوسياسية المتكررة.
أما الولايات المتحدة التي تعيش مفارقةواضحة بين المكاسب القطاعية لشركات الطاقة والصناعات الدفاعية من جهة والضغوط التضخميةوالاقتصاديةالكلية من جهة أخرى فتبرز الحاجة إلى تغليب الاعتبارات الاقتصاديةالكلية على المصالح الضيقة، لأن استقرار الاقتصاد الكلي وحماية القوة الشرائية للمستهلك وضمان النمو المستدام يجب أن تتقدم على حسابات الأرباح الظرفيةأو تأثيرات جماعات الضغط.
في عالمنا اليوم الذب تتكرر فيه الأزمات وتتشابك فيه الجغرافيا السياسية مع الاقتصاد لن يكون الرابح من يستفيد من لحظة ارتفاع الأسعار، بل من ينجح في بناء نموذج اقتصادي أقل هشاشة وأكثر قدرة على التكيف مع زمن المخاطر الدائمة.
The post مضيق هرمز بعد 19 أبريل 2026: من هدنة مؤقتة إلى اقتصاد عالمي يعيش على إيقاع التصعيد appeared first on الموقف الليبي.




